ثلاث لقطات تمكنت كاميرا السبت في هذه الحلقة التقاطها، ورصدت تفاصيلها، وحوَّلتها إلى كلمات مرئية! وجاءت اللقطة الأولى على النحو التالي:

أولا: أحداث وتفاصيل هذه اللقطة حدثت في دائرة رسمية تُعنى بشؤون شريحة واسعة من المسنّين المتعبين، وكنتُ قد زرتها كي أحصل على نسخة من وثيقة شهادة البلكوريوس في العلوم السياسية والتي حصلت عليها قبل عقود من جامعة بغداد، في الحقيقة أنا أعرف التعامل البيروقراطي مع المواطنين من قبل جميع أو معظم الدوائر الرسمية، فاستنجدت بصديق يساعدني على تصوير وثيقتي الدراسية من شعبة الأضابير، لكنّ الصديق الذي عبّر عن استعداده لمساعدتي أخلَّ بوعده ولم ينفّذ ما وعدني به حاله حال ساستنا اليوم!

دخلتُ الدائرة الرسمية معتمدا على نفسي، ومتفائلا بتسهيل مهمتي، فتوجهت إلى شعبة الأضابير ووجدت موظفا أسمر الوجه، يرتدي قميصا أسود، تطبع جبينه دائرة سمراء من أثر السجود، قدّمت له نفسي وهويتي وعرضت عليه حاجتي لتصوير وثيقتي الدراسية الموجودة في الملف العائد لي، لأن الوصول إلى جامعة بغداد صعب في مثل هذه الظروف، رفض الموظف طلبي وقال لابدّ أن تأتي لي بموافقة مدير الدائرة، فاضطررت أن أطرق باب المدير الذي كان مغلقا ويتجمع عنده عدد من المراجعين، حين سألتُ عن سبب غلق الباب أخبرني أحد الحاضرين بأن المدير صائم ومتعب ودائخ ويحتاج إلى الراحة والنوم!!.

عدتُ أدراجي إلى الموظف وأخبرته أن باب المدير مقفل، فماذا أفعل في هذه الحالة، قال لي:

المدير موجود في صالة الخدمات مع الموظفين اذهب إليه ستجده هناك.

ذهب إلى صالة الخدمات وفتشتها بدقة وسألت أحد الموظفين عن المدير، فأجابني بوجه عبوس (ونحن في شهر رمضان): المدير موجود في غرفته.

ذهبت إلى غرفة المدير فرأيت جمع المراجعين لا يزال ينتظر استيقاظ المدير من نومه!!، حينها تساءلت بصوت عال سمعه المراجعون وبعض الموظفين: كيف ينام مدير دائرة أثناء الدوام، أليس الصوم لله وهو من يجزي عليه الصائمين، ثمّ ما ذنب المراجعين الصائمين أيضا؟

خرجت من هذه الدائرة الرسمية على أمل انتهاء كورونا أو العثور على فرصة مناسبة للذهاب إلى كلية العلوم السياسية والحصول على الوثيقة، هذه اللقطة يمكن أن نعثر على تفاصيل مشابهة لها في جميع أو معظم دوائرنا الرسمية التي تريد أن تبني دولة مدنية!؟

ثانيا: هذه اللقطة جرت أحداثها قرب باب بيتي، وأبطالها أنا وزوجتي وامرأة متسولة تصحب معها ثلاث أطفال، كنت جالسا في غرفة الجلوس حين طرق أحدهم باب بيتي بقوة، حاولت الخروج لمعرفة من يطرق الباب، لكنّ زوجتي سبقتني وفتحت الباب، سمعت صوت امرأة تتكلم معها، وبعد حين عادت لي وقالت هذه امرأة فقيرة الحال ومعها ثلاثة أطفال وهي بحاجة إلى مساعدة، فاقترحت على زوجتي أن تسألها عمّا تحتاجه، فأخبرتني زوجتي بأن المرأة التي طرقت الباب تحتاج إلى مروحة لاسيما أن الصيف يقترب ودرجات الحرارة تتصاعد.

توجد في بيتنا أربع مراوح أرضية، يمكننا أن نتبرع بواحدة منها إلى طارقة بابنا، لكننا قبل أن نبادر إلى ذلك تداولنا الأمر وناقشناه باستفاضة، هل سنتبرع بمروحة أم لا، وعلى أية مروحة يقع اختيارنا، وقبل ذلك هل هناك مروحة فائضة لدينا في هذا الفصل الساخن، باختصار تحولنا أنا وزوجتي إلى دائرة رسمية تتعامل بطريقة بيروقراطية مع امرأة فقيرة تحتاج إلى مروحة، أخذ نقاشنا دقائق، لنتفق على التبرع بالمروحة الأرضية البيضاء للمرأة.

حملتْ زوجتي المروحة الأرضية البيضاء مع مبلغ من المال وتوجّهت إلى الباب، أثناء ذلك تذكّرتُ دوائرنا الرسمية التي تبحث عن ألف عذر وسبب كي تؤخّر معاملات المراجعين، وقلت لنفسي لم تكن هناك حاجة لتأخير المرأة وأطفالها، فمن يطرق بابك وهو محتاج، عليك أن تبادر بأقصى سرعة للاستجابة له، إن الله يحب الأسخياء الكرماء.

ثالثا: هذه اللقطة حدثت في أحد المصارف الخاصة بتقديم خدمات تسليم وتحويل الحوالات المالية الداخلية والخارجية، وقد فصَّ لي أحداثها صديق لي قام بتحويل مبلغ من المال إلى صديق له في إحدى الدول المجاورة، يقول صديقي وصلتُ إلى المصرف منتصف النهار، الشمس عمودية، تنسكب على رأسي بقوة ونحن في شهر رمضان، فوجئت بالعدد الكبير من المراجعين، عشرات من الرجال والنساء يتجمعون عند بوابة المصرف، جلس صديقي على حافة الرصيف المقابل للمصرف، الشمس جعلت جسمه يتصبّب عرقاً، والكمامة التي يغلق بها أنفه وفمه ضايقته كثيرا، كان يرفعها لثوانٍ يسحب الهواء لصدره ويعيدها، الحرارة تتزايد وهو يرنو بيأس إلى جمع المراجعين، في هذه الأثناء اقترب منه شاب في الثلاثين أنيق المظهر وجميل الصوت، طلب الشاب من صديقي أن يرافقه دون تفاصيل ولا مقدمات، تبع صديقي خطوات الشاب الذي قاده إلى بوابة المصرف، تم قياس حرارته عبر توجيه جهاز إلى جبينه، سُمح له بدخول المصرف، صفعهُ هواء بارد منعش، كأنه انتقل من الجحيم إلى الجنة، طلب منه الشاب أن يجلس في قاعة الاستقبال ريثما يأتي دوره في التحويل.

استغرب صديقي ما فعله الشاب وظنّ أنه أحد المعرف، كان ينظر للشاب بامتنان واستغراب، فقال له الشاب: مصادفة رأيتك وأنت تجلس على الرصيف، الشمس تحرق رأسك وجسدك، وأنفاسك تضيق، فقررت أن أقدّم لك العون وأنقلك من الشمس إلى الهواء المكيّف داخل المصرف، أنت رجل كبير وتستحق العون.

يقول صديقي: شكرتُ الشاب من كل قلبي ودعوتُ له بالنجاح والتوفيق، وتمنيت أن يكون شبابنا بهذه الروحية وهذا التهذيب...

كما تمنيتُ أن تزول البيروقراطية والروتين والحجج التافهة لعرقلة معاملات المواطنين، نحتاج إلى قلوب تكون نسخة من قلب هذا الشاب الذي لا يعرفني ولا أعرفهُ.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1