الرأي بمفهومه الواضح والبسيط، هو موقف يُطلقهُ الإنسان ويتمسك به مستندا إلى فكر أو دين أو عقيدة أو ثقافة معينة، ولذلك تعددت آراء ومواقف الناس تبعا للقواعد الفكرية أو الثقافية أو الدينية التي يؤمنون بها، ومما رصدناه من مفكرين وعلماء وأدباء ومثقفين وغيرهم، أن الرأي هو حق من حقوق الإنسان، حالهُ حال حقّه في الطعام والشراب والأمن والسكن والحريات بمختلف صنوفها.

بل كثيرون ذهبوا إلى أن تعدد الآراء يغني الحياة ويجعلها أفضل، بل ويتيح ثقافة سلوك متحضّرة للجميع، وتمخّض عن ذلك قول ذائع الصيت مفاده (إذا اختلفت الآراء صحّتْ)، ولكن هناك من لا يلتزم بهذه القاعدة أو الرأي، ويرى بأنّ رأيه وفكره وعقيدته وما يراه هو (القول الفصل) والرأي الأوحد الذي يتحلّى بشروط القبول به من قبل الجميع!.

الطامة الكبرى أن بعض أصحاب الرأي الواحد (الأعمى)، ينعتون أنفسهم بالمفكرين، وينسبون ذواتهم وعقولهم إلى المثقفين، لكنهم لا يتردّدون من السخرية بمبادئ وأفكار وعقائد الآخرين، بل ويذهبون إلى أكثر من ذلك حين يستكثرون على غيرهم الإيمان بفرائض أو عقائد معينة، ويعلن أصحاب الرأي (الأعمى) أن آراء الآخرين المختلفة معهم ما هي إلا خرافات أو أساطير، أو أنها نابعة من جهل تام!!

هؤلاء الذين يقولون بأنهم مثقفون، يرفضون آراء ومبادئ غيرهم إلا ما يتّفق مع أفكارهم وآرائهم، ومناسبة الكتابة عن هذا الموضوع، هو ما رصدته (كاميرا السبت) في أكثر من منشور نُشر في مواقع التواصل الاجتماعي ينظر إلى الصوم على أنه طق أو سلوك ينطلق من جهل وخرافات، وأنه يعطّل الطاقات العقلية وما شابه.

قرأت ذلك في منشور لدكتورة في إحدى الجامعات العراقية، تشكو فيه أولئك الذين يجعلون من أنفسهم آلهة، ويسلطون سيوف أفكارهم ومبادئهم على الآخرين، وأحزنني حقا حين أعلن هذه الأكاديمية يأسها التام من الدعوات التي تُطلَق لاحترام آراء الآخرين دون الأخذ بها، كما أنها أعلنت بيأس تام بأن الكلام عن التعايش والتسامح ما هو إلا ضرب من الكلام الذي لا يجدى نفعا ولا يغيّر شيئا في الواقع.

وكان سخط الأكاديمية ناتج عن أصحاب (الرأي الأعمى) الذين يجعلون من أنفسهم أربابا على عقول الآخرين وآرائهم، والذين يرون أن آراءهم هي وحدها الحاصلة على أعلى درجة من الصحة عند التطبيق وعند المقارنة مع الآراء الأخرى، ولا أحد يعرف من أين جاؤوا بهذه النتيجة الحاسمة لصالح آرائهم، فهم مثلما يقول الشاعر (الخصم والحكم) في ذات الوقت، لأنهم يرفضون آراء ومبادئ وعقائد الآخرين وينعتونها بالمتأخرة أو المتخلفة.

وفي نفس الوقت يمنع أصحاب (الرأي الأعمى) الآخرين من مناقشة آراءهم هم، إذ يعدّونها كاملة الصحّة وغير قابلة للنقاش لأنها تكتسب أهليتها من عقولهم وأفكارهم التي يستكثرون على الآخرين مناقشتها أو الاعتراض عليها، وكأنهم سادة الرأي كلّه، أما الآخرون فليس لهم حق المناقشة أو الذهاب في اتجاه فكري أو ديني أو عقائدي مختلف!.

سُخْط ونقمة الأكاديمية كان واقعيا وصحيحا، فهي تطالب في منشورها، عدم اتهام الناس بالجهل حين يؤدون فريضة يؤمنون بها، ولكل الأمم والشعوب طقوس وأديان سماوية وأرضية، وهم أحرار فيما يؤمنون به، والصوم ناتج عن رأي وفكرة دينية لكل الناس الحق بالإيمان بها أو العكس (فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) سورة الكهف.

كذلك من حق من يؤمن بالصوم أن يبين مزاياه وفوائده، فالصوم صحة انطلاقا من الحديث النبوي (صوموا تصحّوا)، وأثبت الدراسات العلمية المتخصصة أن الانقطاع عن تناول الطعام يجدد خلايا جسم الإنسان، تحدث هذه العملية بعد مرور 8 ساعات على التوقف عن الأكل والشرب، حيث يبدأ الجسم يتغذى على خلاياه، كما يُقال (يأكل نفسه)، كي يعوّض نقص الغذاء، ويبدأ بفقدان الوزن الفائض، وهو جانب صحي، والأمر الجيد أن الجسم بعد مرور 8 ساعات يبدأ يتغذى على خلاياه الضعيفة أصلا، بمعنى إن الجسم في هذه الحالة يتخلص من خلاياه الفائضة والضعيفة بصورة أسرع في حالة القيام بالصيام.

هناك من لا يؤمن بهذا الرأي العلمي المدروس، وهو حرّ في ذلك، لا أحد يجبره بالقوة لكي يصوم، بمعنى أن من يريد أن يؤمن بهذا الرأي فهو حر وله أن يطبقه، وله أيضا أن لا يؤمن ولا يطبّقه، هذا منتهى الحرية، أما من يرى بالصوم شأن ينمّ عن الجهل والتخلّف، وأن رأيه هذا هو الصحيح وليس قابلا للنقاش، فهذا لا يعدو كونه تزمّتا وحماقة.

أنت حر في رأيك وفيما تؤمن به، لكن عليك أن تترك للآخرين حرية الرأي والتفكير أيضا، أما أن تكون أنت صاحب الرأي والفكر الأوحد الذي يجب أن يطبقه الآخرون أو تنعتهم بالجهل، فهذه كما يُقال (قسمة ضيزى)، لكَ أن تؤمن فيما تؤمن به من آراء وأفكار وعقائد، ولكن هذا الحق يجب أن يُضمَن للآخرين أيضا، وإلا سوف يصفكَ الآخرون بأنك صاحب (الرأي الأعمى).

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

4