ربما تختلف حلقة هذا اليوم من كاميرا السبت بعض الشيء عمّا سبقها من حلقات تصدتْ لموضوعات تعلقت بالجانب السياسي أو الاجتماعي والأخلاقي، وما رصدته الكاميرا في هذا السبت هو عمل فني مسرحي تمّ عرضه في ساحة الأحرار، ساحة التظاهر في مدينة كربلاء المقدسة، إنهُ مشهد يشيع في النفوس البهجة والأمل بعراق جديد مختلف، وشباب في قمة الوعي والسعي لبناء حاضر يليق بهم ومستقبل يؤمِّن للأجيال القادمة حياة كريمة.

هذا العمل المسرحي من تأليف الشاعر صلاح حسن السيلاوي، وتمثيل وإخراج الفنان المتميز عباس شهاب، رافقته في الأداء المتقَن والعميق الفنانة الإعلامية وداد هاشم، خشبة المسرح هي (فلكة التربية) التي اتّخذَ منها الشباب الواعون ميدانا للاحتجاج والتظاهر على الفساد الرسمي والمظاهر المرفوضة الأخرى، الجمهور شكَّلَ قوساً بشرياً محتشداً حول الساحة الدائرية، ليشكل نصف دائرة، ونصف الساحة الآخر أصبح خشبة المسرح التي تدور فيها الأحداث.

مضمون مسرحية (وداع الحنظل) يتصدى لما مرَّ ويمر به العراق من أحداث سياسية واجتماعية، أثَّرت بشكل كبير على حاضر الشباب ومستقبلهم، فهذا العمل المسرحي الشعري بامتياز، سعى من خلال لغة متوهجة وحساسة إلى وضع النقاط على الحروف، وسم أفكارا ومضامين متجددة، هدفها فتحُ آفاق الوعي الذي لا يمكن أن تحدّهُ حدود، وانطلاقا من هذه الأفكار يُبنى العراق.

بدأ العمل بأداء الفنانة وداد هاشم، وهي تلقي شعراً على أسماع الجمهور الكبير وأمام أنظاره، كان صوتها مؤثرا فيه نبرة حزن مؤثرة وعميقة هيمنت على انتباه ومشاعر الجمهور وحواسّهِ، ليأتي صوت الفنان عباس شهاب هادرا بنبرته الرخيمة المصقولة ببحة معبّرة ومؤثرة، فراح يشدوا مقاطع شعرية من وداع الحنظل لصلاح السيلاوي، في أداء تمثيلي راقٍ، ورغم أن الشعر كان باللغة الفصحى وليس شعبيا، لكن الجمهور تفاعل معه وصفّق له بحرارة.

وهذا التصفيق الحار جاء كنتيجة عادلة لتماسك عناصر العرض المسرحي، فهناك ممثلة وممثل بارعان، ونص شعري مدجج بالأمل والتفاؤل يرسم واقعا ثوريّاً أصيلاً، وإخراج مذهل رغم بساطة عناصر السينوغرافيا، ولا ننسى ذلك الدور الكبير للمؤثرات الصوتية، حيث تداخلت الأناشيد مع (الردات الحسينية)، وكم كان جميلا ومطعَّماً بالحزن الجميل صوت الرادود وهو ينطلق في فضاء المسرح المطلق وهو ينشد بحزن عميق: (ظلَّت بس صورهم، ما نعرف خبرهم، راحو من إيدينا شكد بجينا وما يرجعون، والعشنه بهواهم، أذّونه بجفاهم، راحو من إيدينه شكد بجينا وما يرجعون.......).

وتداخل الحضور الشعري بشقّيه الفصيح والشعبي ممثلا برموز العراق الكبار من أمثال محمد مهدي الجواهري، ليعقبه السياب وقصيدته غريب على الخليج، ثم الشاعر الراحل الكبير مظفر النواب، والكبير الراحل عريان السيد خلف، وكانت هذه حركة إخراجية رائعة مازجت بين أصوات هؤلاء وصورهم التي تصدّرت المسرح، ليتفاعل معها الجمهور في تصفيق متواصل وحماسة واضحة، فيما انطلق صوت كاظم الساهر وهو ينشد رائعته (بغداد لا لا تتألمي) التي ردَّدها الجمهور وهو يبكي بشكلٍ جماعيّ.

وتألقت وداد هاشم وهي تنشد أشعار وداع الحنظل، يباريها ويوازيها الإلقاء المسرحي المقتدر للفنان عباس شهاب، ويقف معهما ساندا لهما الشعر العميق السهل الممتنع لشاعر وداع الحنظل صلاح السيلاوي، ومن اللقطات الإخراجية المذهلة التي تميّز بها المخرج تلك الشبكة التي ألقيتْ على الفنانة وداد هاشم فحدَّدت حركتها وحبست جسدها وروحها وكممت صوتها، تعبيرا عن القمع الإرهابي لتنظيم داعش الذي استباح مدن العراق وكبّل نساءَهُ بالدنس والقهر والتجاوز والحرمان والتكميم، في إشارة ذكية لما تعرّض له العراقيون من ذلك التنظيم، وجاءت هذه اللقطة الفنية تجانسا مع الفحوى الشعري لوداع الحنظل، فتزاوج الفن المسرحي مع الشعري ليقدم للجمهور عرضا فنيا باهرا.

لقد عاشت ساحة الأحرار مهرجانا شعريا متميزا بل باهرا، صنعهُ مبدعو العراق، ممثلون وشعراء وجمهور يمتلك ذائقة رفيعة ووعي جديد سوف يبني العراق بعد أن ينظفه من الأدران لتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ العراق، هي مرحلة الشباب الواعي المتفتح المتعايش المحب لوطنه ولشعبه، وما علينا إلا أن نقف بقوة مع هؤلاء الشباب وهم لا يدّخرون جهدا من أجل النهوض مجددا.

وأخيرا لابد من الإشادة بمثل هذه الأعمال الواعية المتميزة وهذا التخطيط السليم، الذي استثمر بشكل ناجح التجمع الجماهيري الشبابي في معظمه، حيث ساهم هذا العمل في رفد الوعي الشبابي بأفكار مهمة ومتميزة على طريق تنمية الذائقة والوعي والتفكير والسلوك، ولطالما اقترحنا على من يهمهم الأمر بضرورة استثمار التجمعات الشبابية وغيرها لرفع وعيهم وثقافتهم.

وهذا العمل الشعري المسرحي (وداع الحنظل) الذي تمّ تقديمه في صيغة مسرحية شعرية، يعدّ عملا بارزا يصب في اتجاه تنمية أفكار الشباب وتطوير وعيهم وثقافتهم وطريقة تعاملهم مع الفرص المتاحة لهم، لقد استقبل جمهور الشباب هذا العمل بتفاعل كبير، وصفقوا له، ليس من باب الإعجاب العاطفي، وإنما تفاعلوا مع الأفكار والمبادئ التي طرحها، وهي مبادئ سامية، تهدف إلى حماية حرية الإنسان، لاسيما الشباب ومنحهم الأمل في العيش الكريم، وبناء الوطن الذي يليق بالجميع ويحمي حقوق الجميع.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

4