صديقان منذ الطفولة، دخلا مدرسة ابتدائية واحدة، وانتقلا معا إلى الدراسة المتوسطة في صفٍّ واحد، بل في مقعد دراسيّ واحد، جمعهما اختلاف الرأي والتفكير بشكل مختلف، وربما ينطبق عليهما قانون (الأقطاب المغناطيسية المختلفة متجاذبة)، لم يبلغا بعد سنّ العشرين، لم يفترقا عن بعضهما منذ أن تعارفا في السادسة حينما بدءا مشوارهما التعليمي.

اليوم يجتمعان معاَ في ساحة المظاهرات السلمية، على الرغم من اختلاف أحدهما عن الآخر في نظرته لهذه المظاهرات وكيفية الاحتجاج، وهل هي صائبة أو نوع من العبث وتضييع الوقت، وحتى في توقّع النتائج التي ستؤول إليها مختلفان أيضا، لكنّ الغريب أنهما مع هذا الاختلاف لم يفترقا عن بعضهما حتى في ساحة التظاهر على الرغم من أنَّ كل منهما له رأيهُ المختلف.

بينهما دار هذا الحوار بعد أن خرجا من ساحة الاحتجاج إلى أحد المطاعم القريبة لتناول وجبة طعام سريعة:

الأول: أنت متسرّع كما عرفتك دائما، عليك بالصبر.

الثاني: أيّ صبر والشباب تُزهَق أرواحهم بلا شعور بالمسؤولية؟

الأول: أنت تعظّم الواقع، وتقول ما لا يحدث فعلا.

الثاني: أنا أتكلم عمّا أراه بعيني لكنّك كالعادة تتمتع ببرودة عجيبة.

الأول: وأنت تنظر للأمور بتسرّع، وتريد أن تقطف الثمار قبل نضوجها.

الثاني: عن أية ثمار تتكلم، لقد احترق كل شيء، ولا أمل في القادم.

الأول: إذاً لماذا أنت في ساحة المظاهرات إذا لم يكن هناك أمل بالتغيير، ألم أقلْ لكَ إنك تتسرّع دائما.

الثاني: كل هذه الأرواح التي أُزهقت والجرحى ومواصلة الليل بالنهار وتقول عني بأنني متسرّع وأريد قطف الثمار قبل نضوجها.

الأول: نعم أنت متسرّع وهناك من هو مثلك متسرع أيضا، وإلا ما كنّا أعطينا كل هذه التضحيات بالأرواح والجرحى.

الثاني: هدفنا عظيم، حماية وطن، وإعادة حقوق، وبناء دولة حريات، هذا الهدف يتطلّب هذه التضحيات بل أكثر منها.

الأول: أتفق معك الأهداف الكبيرة تتطلّب تضحيات كبيرة، ولكن علينا بالصبر، إنه صراع بين إرادتين، إرادة تتمسك بالسلطة والقمع والظلم، وإرادة تريد أن تتحرّر من الظلم، والإرادة الأكثر صبراً هي التي سوف تنتصر.

الثاني: أي صبر يا صديقي وهم يستهدفون الشباب بطريقة متوحشّة، وأساليب خداع وتضليل كثيرة؟

الأول: ها أنت تؤكّد بأننا كشباب نخوض صراعاً ليس سهلا مع من يريد سرقة حقوقنا وقمع حريتنا وتهديم دولتنا العراق. لكنك تساعدهم على تدمير الدولة بتسرّعك وهجوميتك وعدم تحلّيك وآخرون معك بالوعي والصبر وإدارة الصراع بعقلية ذكية، وأساليب جديدة مؤمنة تجعل الطرف الآخر أقل صبرا وأكثر عجزا، إلى أن ينصاع لمطالب الجماهير.

الثاني: ألم تلاحظْ كيف قتلوا المتظاهرين، هل هؤلاء أعداء لهم، لماذا لا يستجيبون لمطالب الناس؟

الأول: إنها السلطة وامتيازاتها يا صديقي، هل تريد ممّن يتنعّم بامتيازات المال والقوة والجاه والنفوذ أن يتخلى عن نعيم السلطة بسهولة، بمجرد أن نتظاهر عليه يترك السلطة ويستسلم، إنه صراع طويل بين طرفين متناقضين يا صديقي.

الثاني: وهل يجب أن يستمر هذا الصراع إلى الأبد؟ لقد تعبنا ومللّنا، سبعةُ أيامٍ بلياليها ونحن نطالب بحقوقنا، يحاصرنا الجوع والعطش والإنهاك، وهم لا يستجيبون لما نطالبهم به.

الأول: ولن يستجيبوا إذا لم يشعروا بإصرارنا وصبرنا ومواصلتنا المطالبة بحقوقنا وحرياتنا ودولتنا الديمقراطية الحقيقية العادلة.

الثاني: فلنضغط عليهم أكثر كي يستجيبوا، دون ضغط لا يمكن أن نحقق ما نريد وما نحلم به.

الأول: وماذا نفعل الآن، أليست هذه المظاهرات حملة ضغط عارمة، أليست هذه الملايين في العراق كله حالة ضغط غير مسبوقة، ماذا تريد أكثر؟

الثاني: هذا لا يكفي، ولن يستجيبوا لما نريد، يجب أن نجبرهم على الاستجابة بالقوة.

الأول: هل تريد استخدام العنف يا صديقي؟

الثاني: نعم لقد نفذ صبر الناس، لابد أن نصل إلى نتيجة سريعة ومضمونة.

الأول: لا تقل نفذَ صبرُنا، بل نفذ صبرك أنت، المتظاهرون لم ينفذ صبرهم ولم ينفذ، أنت وحدك تريد أن يتحقق كل شيء بسرعة، وهذا لن يتحقق، عليك بالصبر والمطاولة، والمطالبة بالحقوق بسلمية تامة حتى تنتصر ونحن ننتصر معك أيضا.

الثاني: غريب أمرك يا صديقي، لقد أمضيت عمرك هادئا صبورا.

الأول: نعم لقد عشنا معا صديقيْن مخلصين، وهل تبيّن لكً أن أسلوبي الصبور في الحياة خاطئ؟

الثاني: لابد أن أعترف لك ولنفسي، إنّ أسلوبك الصبور عظيم وناجح لكنني أقرّ لك بأنني غير قادر على أن أكون مثلك!!

الأول: الصبر والمطاولة في الحياة يمكن أن تكتسبها مع الوقت يا صديقي، وأنا مستغرب حقا كيف لم تأخذ مني صفة الصبر؟؟

الثاني: لكنك دائما تفوز وتقنعني بأنك الأصحّ، أنا أعترف لك وأتفق معك، إننا كشباب يجب أن نكون صبورين واضحين مخلصين، حتى نحقق أهدافنا، ونجعل السلطة والمتمسكين بها أن تعيد حساباتها ونرغمها على الرضوخ لمطالبنا.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

5