تعد الايديولوجيا من المصطلحات التي يصعب تفسيرها، ومع ذلك فهي تستخدم على نطاق واسع، سواء اكان بطريقة صحيحة ام خاطئة. وتفسر احد المدارس الفكرية التي يقودها كارل بوبر الايديولوجيا بانها طريقة للتفكير السياسي، تماما مثل الحركات التوتاليتارية.

كما يعتبر بوبر (الايديولوجيا) نظاما فكريا شاملا ومغلقا. فلا يتكلم مثل هذا النظام فعليا فقط على كل القضايا السياسية والاخلاقية والاجتماعية، بل ايضا هو نظام لايمكن دحضه فعليا، اذ هناك دائما شرح داخل الايديولوجيا لأي انحرافات ظاهرة عن تنبؤاتها، ولذلك فان الثورة بالنسبة لبعض الماركسيين (المتشددين) امر وشيك، ولكن عندما تفشل الثورة في الحدوث، فالسبب يعود الى تعرضها للخيانة من قبل قادتها، او انه تم تفسير الظروف الاجتماعية الموضوعية تفسيرا خاطئا، او ان الرأسمالية وجدت منافذ جديدة لفوائضها.

ولكي نعطي مثالا أكثر بساطة عن نظام الفكر المغلق: سيشير المؤمنون بالسحر عادة الى الامثلة التي تعمل فيها التعويذات السحرية، ولكن اذا فشلت فلن يكون ذلك لان السحر هراء، ولكن لان الساحر المعني هنا لم يكن كفؤا، او ان هناك ساحرا اقوى قام بعمل تعويذة سحرية مضادة.

من الامور الشائعة جدا استخدام الايديولوجيا بطريقة أكثر مرونة لتعني اي مجموعة متماسكة من المبادي السياسية. وفي هذا المعنى يمكن تصنيف الليبرالية، والشيوعية، والسياسة المحافظة، انها ايديولوجيات، او مذاهب فكرية.

يُعد دي تراسي De Tracy أول من صك هذا المصطلح في عصر التنوير الفرنسي، في كتابه "عناصر الأيديولوجيا". ويعني تراسي بالأيديولوجيا علم الأفكار، أو العلم الذي يدرس مدى صحة أو خطأ الأفكار التي يحملها الناس. هذه الأفكار التي تُبنى منها النظريات والفرضيات، التي تتلاءم مع العمليات العقلية لأعضاء المجتمع. وقد انتشر استعمال هذا الاصطلاح بحيث أصبح لا يعني علم الأفكار فحسب، بل النظام الفكري والعاطفي الشامل الذي يُعبّر عن مواقف الأفراد من العالم والمجتمع والإنسان.

وقد طُبق هذا الاصطلاح بصورة خاصة على المواقف السياسية، التي هي أساس العمل السياسي وأساس تنفيذه وشرعيته. والأيديولوجية السياسية هي الأيديولوجيا التي يلتزم بها ويتقيد بها رجال السياسة والمفكرون إلى درجة كبيرة، بحيث تؤثر على حديثهم وسلوكهم السياسي، وتحدد إطار علاقاتهم السياسية بالفئات الاجتماعية المختلفة.

ويحدد كارل مانهايم في كتابه "الأيديولوجيا واليوتوبيا" مفهوم الأيديولوجيا، من خلال مستويين: المستوى الأول هو المستوى التقويمي، أما المستوى الثاني فهو المستوى الدينامي. ويتعامل المستوى التقويمي مع الأيديولوجيا على أساس أنها تتضمن أحكاماً تُعنى بواقع الأفكار، وبناءات الوعي. أما المستوى الدينامي، فيتناول الأيديولوجيا من خلال سمتها الدينامية، على أساس أن هذه الأحكام دائماً ما تُقاس من طريق الواقع، ذلك الواقع الذي يحيا في ظل تدفق ثابت أو جريان دائم. ويشير مانهايم إلى ما أسماه بالتشوه الأيديولوجي والوعي الزائف، أي التفسير غير الصادق الذي يضعه شخص ما. وهذا ما أكد عليه ديفيد هوكس من أن كلمة "أيديولوجيا" تشير أحياناً إلى طريقة خاطئة في التفكير على نحو نسقي، ووعي زائف.

وفرّق مانهايم بين نمطين من الأيديولوجيا، هما:

الأيديولوجيا الخاصة التي تتعلق بمفهوم الأفراد وتبريراتهم للمواقف التي تهدد مصالحهم الخاصة؛ والأيديولوجيا الكلية التي تتعلق بالتفكير السائد داخل الطبقة أو الحقبة التاريخية، كما هو الحال لنمط التفكير السائد لدى البرجوازية أو البروليتاريا (الطبقة العاملة). وفي ضوء ذلك عرّف الأيديولوجيا بوصفها مجموعة قيم أساسية ونماذج للمعرفة والإدراك، ترتبط ببعضها وتنشأ صلات بينها وبين القوى الاجتماعية والاقتصادية.

أما ديفيد جيري، وجوليان جيري، فيقدمان عدداً من التعريفات الخاصة بمفهوم الأيديولوجيا على النحو التالي:

1. أن الأيديولوجيا هي نسق من الأفكار يحدد السلوك السياسي والاجتماعي.

2. أن الأيديولوجيا ـ بصورة أكثر تحديداً ـ هي أي نسق من الأفكار يبرر خضوع جماعة أو طبقة ما، لجماعة أو طبقة أخرى، مع إضفاء نوع من الشرعية على هذا الخضوع.

3. أن الأيديولوجيا هي معرفة موسوعية شاملة، قادرة على تحطيم التحيز وذات قدرة على الاستخدام في عملية الإصلاح الاجتماعي.

ويُلاحظ أن المعنى الأول والثاني أصبحا، في الواقع، محور الاهتمام الرئيسي لمفهوم الأيديولوجيا.

ذهب أنتوني جيدنز في تعريفه للأيديولوجيا أنها مجموعة من الأفكار والمعتقدات المشتركة، التي تعمل على تبرير مصالح الجماعات المهيمنة. وتوجد الأيديولوجيات في كافة المجتمعات، التي توجد بها نظم راسخة لعدم المساواة بين الجماعات. ويرتبط مفهوم الأيديولوجيا ارتباطاً وثيقاً بمفهوم القوة؛ لأن النظم الأيديولوجية تعمل على إضفاء المشروعية على تباين القوة، التي تحوزها الجماعات الاجتماعية.

حسب ويلارد مولنز فإن الخصائص الأساسية الواجب وجودها في الإيديولوجيا لكي تدعى بالتالي إيديولوجيا هي:

يجب أن تكون لها سلطة على الإدراك.

يجب أن تكون قادرة على توجيه عمليات التقييم لدى المرء.

يجب أن توفر التوجيه تجاه العمل.

يجب أن تكون متماسكة منطقيا.

تستخدم كل إيديولوجيا العنفَ وتبرر العنفَ الذي يخدمها. فكل إيديولوجيا هي إيديولوجيا العنف الضروري والمشروع والشريف. إذ يؤكد الإيديولوجيون، باسم الواقعية السياسية، أن العنف وحده فعال في التاريخ. إننا نعلم اليوم أن "واقعية" كهذه، ترتضي العنفَ وتجعل من الفعالية المعيارَ المطلق للعمل السياسي، إنما هي مجرمة بالفعل.

إن الشرْعَنَة الإيديولوجية للعنف إنما هي طريقة للتستر تهدف إلى إنكار لاإنسانيته. فالإيديولوجيا تجيز للفرد ارتكاب الشرِّ بِنيَّة فعل الخير. فالقتل الإيديولوجي لا يُعَد شرًّا، بل وسيلةٌ للنضال ضد الشر. فهو خيرٌ إذن. إن شَرْعَنَة العنف تعني إباحته وتبرئته في آن معًا. يُستخدَم العنفُ ويبرَّر عبر التأكيد على ضرورته. لكن استخدام العنف وشرعنته، في الواقع، هما اللذان يجعلانه ضروريًّا. تدَّعي الإيديولوجيا أن العنف هو الحل، بينما هو المشكلة في الواقع، وذلك بقدر ما يجعل اللجوءُ إلى العنف البحثَ عن الحلِّ الحقيقي مستحيلاً.

إن الإيديولوجيا تقوم بدور الوسيط لأنها نسق رمزي يستخدم كنموذج لأصناف أخرى: اجتماعية ونفسية ورمزية وهي قد تشوه الواقع أو تخطئه لكنه تشويه يعكس حقائق معينة ويطمس أخرى لتوصيل رسالة معينة للمؤمنين بها.

فقدرة الإيديولوجيا تكمن في قدرتها على الإحاطة بالحقائق الاجتماعية وصياغتها صياغة جديدة؛ فهي لا تستبعد عناصر معينة من الواقع بقدر ما تسعى لتقييم نسق يضم عناصر نفسية واجتماعية ودينية... إلخ، مماثل للواقع الذي تدعو إليه الإيديولوجية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2