كثيرا ما تثور التساؤلات في أعماق التفكير النقدي عندما تبدأ المحاولة لاستكشاف جوهر المأساة التي نعيشها والتخلف الذي استشرى في كيان الأمة. إذ ان الأمة تملك كافة مقومات بناء التاريخ النابض بالحيوية والفعل والتقدم، ولكنها حينئذ تبقى مثل ذلك التاجر الذي يملك رأسمالا للنجاح في تجارته فيفشل لأنه فاقد لتلك الحلقة التي تحقق له التكامل في شروط النجاح.

والامة تملك كافة مقومات التقدم من ذلك المخزون الفكري الإسلامي الكبير الذي يتميز في حقيقته بالقدرة على الإحاطة بكل زمان ومكان، إلى ذلك الينبوع الاقتصادي الفائض، والى تلك العقول الجبارة التي وجدت في المهجر بعض ضالتها. ولكن مع كل ذلك فان الأمة تفتقد إلى تلك الحلقة التي تمثل المحرك الحقيقي للتاريخ وذلك هو الإنسان: الرأسمال الحقيقي والجوهر الفعلي للحياة.

ان الإنسان في عالمنا محطم في داخله مهشم في إرادته ذليل في نفسه قد أضاع ذاته فأصبح بلا روح وارادة، عاجز عن التفكير يائس من المستقبل أسير لحاضره ورغباته الآنية. إذ ان القدرية هي التي تحكمت في ذواتنا فجعلتنا أجسادا خاوية ترضى بما يقدم إليها من اجل أن تبقى مستمرة في غيبوبتها وذهولها وانفصامها.

لقد تحولت مشكلتنا في جوهرها الى مشكلة فرد بلا إرادة ورأس بلا فكر ووجود بلا حقيقة، وعندما يفقد الفرد قدرته على تملك إرادته وذاته تسترقه الدنيا ويصبح عبدا لأهوائه ومطمعا لنزوات الآخرين، وكيف لمن استعبدته الدنيا ان يأمل في تحقيق مستقبل زاهر وتاريخ وضاء، والفرد بلا حرية ذاتية يبقى مجرد جسد بلا انسانية. يقول الإمام علي (ع): حب الدنيا يفسد العقل ويصم القلب عن سماع الحكمة.. ويذل الرقاب.

وكم من الرجال تناسوا الحرية الذاتية وتغافلوا عن حركة التاريخ نحو المستقبل أداروا ظهورهم لأهداف الامة ومصلحتها العامة عندما غرقوا في أوهام مصالحهم الدنيوية الضيقة، حيث اتعبهم الجهاد فلف اليأس نفوسهم بضبابية خلفت رؤية عاجزة عن متابعة الواقع، فاستسلموا لرغبات الحاضر وكبلوا أنفسهم بقيود المعيشة اليومية والقلق على توفير المستقبل المادي الآمن ولو كان ذلك على حساب مصير الامة ومستقبلها، ولاشك انها معضلة تستوجب الكثير من التأمل والتفكير. يقول تعالى في كتابه الكريم: (قل ان كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وازواجكم وعشيرتكم واموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها احب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين).التوبة24

وعندما يسجن الفرد ذاته في الزنزانة الانفرادية لجسده يتخلى عن جوهره الإنساني باغتيال نفسه وإخوانه وامته عبر إثارة النزاعات والانشقاقات والصدامات من اجل تحقيق مطامعه الشخصية فقط ولو كلف ذلك استمرار مأساة الأمة وأزماتها.

ومن هنا يتحرك الخوف لقمع التغيير الإيجابي نحو المستقبل، لان التغيير يثير الهواجس وقد يأتي بمفاجئات قد تعكر نمط الحياة الروتينية والمعيشة اليومية التي أدمنها الفرد وتروض عليها فيقبل الذل والعبودية على ان يقدم تضحيات سامية. ذلك ان التغيير الحقيقي ينبعث من تلك التضحيات المقدسة التي يقدمها المجاهدون في سبيل الله من اجل الأهداف الإنسانية والنبيلة. وهذا الأمر يعتمد أساسا على وجود الذات المتحررة من رغباتها وأنانيتها، فالحرية الذاتية هي التي تؤسس في الذات روح الجهاد والصبر والاستقامة. إننا بقبولنا لمنطق الامر الواقع والاستكانة للقدر وعبودية ارواحنا نقمع الروح الحقيقية للتغيير.

وإذا استسلم المجاهدون وارتضوا بمنطق السياسة وخديعة المصالح الفئوية وأصبح اللامنطق هو المنطق فان ذلك يعني الدخول الإرادي في الزنزانة الانفرادية لأوهام التسيير والقدر وتحطيم مقومات الذات وتهشيم روح التحرر وبالتالي فقدان عناصر الأصالة وقوة الفكر والاستسلام المطلق للتغريب والتدجين. فعندما يسيطر الضعف على النفس تصبح سهلة الاختراق فكريا وثقافيا وأخلاقيا ودينيا، فالذوبان الذي تشهده أجيال اليوم وانصهارها في قوالب وأفكار الآخرين وخصوصا الحضارة الغربية هو دليل على مدى الانهزامية الذاتية وفقدان الثقة بأفكارنا وعقائدنا وحضارتنا.

ليس هم الأقوياء بأفكارهم وثقافتهم بل على العكس من ذلك فان الانهيار الأخلاقي والفراغ الروحي والخواء العقائدي قد بدأ يدمر اساساتهم، ولكننا نحن الضعفاء حين ذهلنا عن أنفسنا وتناسينا قوة أصالتنا وحقيقة إنسانيتنا.

نعم يمكن لنا ان نحقق الكثير من التغيير في المستقبل وبمقدار الواقعية لو أعدنا بناء الإنسان واعدنا له احترامه لنفسه وحققنا روح التفكير الواعي في عقل الفرد، ولو اننا آمنا وايقنا ان مصلحة كل واحد منا في مصلحة الكل وليس الجزء حينها نستطيع ان نتوقع من الإنسان المسلم التحرر الذاتي والاستقلال الفكري والقدرة على فهم الواقع فهما تحليليا قائما على منطق الشجاعة والإقدام والتحرر من الخوف والقلق.

وهذه المفردات الأساسية: الحرية، التعددية، الأصالة، التغيير والتجديد، الثقة بفكرنا الإسلامي يمكن ان تكون بلسما واقعيا وليس دواءا اعجازيا، ولكن بشرط واحد.. لو أردنا ذلك..!

* مقال نشر في مجلة النبأ-العدد 49-أيلول 2000/جمادي الثاني 1421

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0