الصباح يختلف عن أوقات اليوم كلها، فهو وليد الفجر، لذلك من كان صباحه صحيحاً نشيطا، سيكونُ يومهُ كلّه كذلك، خرجتُ من البيت متوجّها إلى مركز المدينة، الأطفال يمضون إلى مدارسهم، بعضهم بوجوه مشرقة وآخرون بوجوه كالورود الذابلة، يفترسها الاصفرار والمرض، الشوارع ليست على ما يرام، أسلاك المولدات الكهربائية تتبعثر فوق الرؤوس في منظر شديد البؤس، بعض الأسلاك تتدلى نحو الأرض في عبثية عجيبة، تحمل الموت لأول طفل يلمسها!!.

وصلتُ الشارع العام، أشرتُ إلى سيارة أجرة جماعية، توقَّفت فصعدتُ وألقيتُ السلام على الوجوه التي يُفترَض أنها في الصباح تكون متوردة ونابضة بالحياة، في الحقيقة كانت الوجوه مغبرة منزعجة ساخطة، أعمار الركاب متفاوتة، موزَّعة بين شيبٍ وشباب، رجال ونساء، كان الصمت التام يزيد من شعوري بتذمّر الناس وقلقهم، أحد الشيوخ سأل السائق عن مقدار الأجرة، فسخر منه السائق وقال:

- أيُعقَل إنك لا تعرف الأجرة، هل تركب لأول مرة؟!

انزعج الشيخ من الجواب الحاد والهازئ، وبدأت مشادّة بين الاثنين، أطفأها شيخ آخر حين توسّط بين الاثنين، قال راكب آخر:

- ما بالكما تتعاركان في أول اليوم؟ احمدا ربكما على نعمة الأمان التي أنتما فيها!

تدخَّل شخص ثالث:

- الأمان؟؟ عجيب!! أين الأمان يا أخي.. والفساد ينخر بنا؟

أجاب السائق:

- هل تريدون أن نُصبح مثل السودان.. الموت في الشوارع؟

قال أحد الشباب:

- وما به السودان، لقد أسقطوا الطاغية، وها هم يتصدون للفساد بقوة.

أجاب السائق:

- وما هي النتيجة، مئات القتلى، الموت في الشوارع، الحياة معطّلة منذ شهور، أتريدون أن يصبح حال العراقيين هكذا؟

قال الشاب:

- الفساد لا ينتهي بلا تضحيات، والطغاة لا يُزاحون من السلطة بلا ثوّار يقدمون أرواحهم قرابين للحرية.

ضجَّت السيارة كلّها بحوارات جانبية غلب عليها الطابع الثنائي، لكن كلها كانت تتحدث عن واقع العراق المزري، وعن الأحزاب، والقادة السياسيين المنشغلين بأنفسهم ومصالحهم، تكلّم جميع الركاب في سيارة الأجرة، عن سوء الخدمات، عن التعيينات بلا عدالة، عن موت الصناعة العراقية، عن حرق أراض واسعة من حقول الحنطة والشعير، عن قتل آلاف الأطنان من الأسماك، عن اندلاع الحرائق بهذا الكم والحجم الكبير والمتكرر.

الحاضرون في سيارة الأجرة جميعهم عراقيون، وهم يمثلون عينة حقيقية من الشعب العراقي، يمكن أن نقول عنها صورة مصغرة للشعب، آراؤهم تمثل آراء الغالبية من الشعب، فمن لا يتفق مع آراء هؤلاء الركاب، هم أصحاب السلطة والمناصب والنفوذ، أو المقربون والمستفيدون، وهؤلاء يشكلون النسبة الأدنى من العراقيين، السؤال هنا، ماذا يمكن أن نستنتج من آراء الركاب التي جاءت في حواراتهم السابقة، هذا السؤال يجب أن يتنبّه له قادة الدولة، الأحزاب، السياسيون، فهو درس لهم جميعا!

الرأي الأكثر صراحة وخطورة هو ما قاله أحد الشباب في السيارة بصوت عال وناقم وساخط أشد السخط حين علا صوته:

- ليس أمامنا إلا الاقتداء بدرس السودان، وحتى الجزائر، إنهما من الشعوب الحية، أجبروا الحكام على الرضوخ لإرادتهم، السودانيون أسقطوا البشير الطاغية، وطالبوا بتسليم السلطة للمدنيين للبدء بنظام ديمقراطي عادل، مع استمرار المطالبات باجتثاث الفاسدين من رموز نظام البشير، أما الجزائر فقد أصروا على الاحتجاج حتى اليوم، وتم إيداع معظم وأكبر رموز نظام بو تفليقة السجون، نحن أيضا سنقوم بالشيء نفسه، سنتعامل مع الفساد والفاسدين بنفس الأسلوب، لا يمكن السكوت عليهم إلى الأبد.

لقد أيّدَ جميع الركاب الشاب، وهي إشارة واضحة إلى إن الناس لن تسكت، وإذا تراكم الإذلال والظلم والتجاهل سيؤدي إلى انفجار بركان غير محسوب العواقب.

هذا المشهد الذي التقطته كاميرا السبت، ليس الأول من نوعه ولن يكون الأخير، ويمكن أن تعثروا عليه في كل مناطق ومدن العراق، وها أننا نضعه أمام قادتنا، في الحكومة، والأحزاب، والكتل التي تقود العراق اليوم، ونقول لهم:

لا تتجاهلوا ما يحدث، ولا تستبعدوا ردة الفعل التي يمكن أن تنطلق في أية لحظة، عالجوا نواقصكم، حاسبوا الفاسدين، اقضوا أو قللوا من حجم الفساد، اهتموا بتقديم الحاجات والخدمات التي تديم حياة الناس، واحرصوا على العدالة الاجتماعية، واعدلوا في كل شيء، الفرصة لم تنتهِ بعد، يمكنكم الشروع بمعالجات صادقة وحقيقية كي لا يخرج القطار عن سكّتهِ الصحيحة، ودرس السودان لا يزال مثالاً أمامكم.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1