الشعوب تنجح وتمضي في اعتلاء سلّم التطوّر في حالات عديدة، منها وقد تكون أهمها، حين لا تتلكأ أو تتردد لأي سبب كان، في وضع الإصبع على الجرح، والمقصود من هذه الجملة المجازية، إذا عرض المجتمع مشكلاته على طاولة التشريح دون أن يخشى ذلك، وتوصّل إلى تحليل العقبات والعوائق التي يعاني منها، وباشر في وضع الحلول الناجعة لها، فإنه سوف يقلص الفجوات الفاصلة بينه وبين المجتمعات المتطورة بدرجة كبيرة، وقد يلحق بها أو يتفوق عليها.

الذين يقومون بمهمة تحديد المعضلات وتشريحها، والخروج بحلول علمية عملية دقيقة، هم العلماء والمفكرون والنخب ذات المستوى الفكري الأوفر، هؤلاء هم المسؤولون عن دراسة المشكلات بأنواعها ومن ثم الشروع بفهمها تفصيليا، ووضع الطرائق والخطوات والآليات التي من شأنها التصدي وابتكار المعالجة!.

من أكثر مشكلاتنا في العراق، وربما في عموم الدول العربية، الغزو الثقافي، فمع انتعاش وسائل التوصيل المختلفة بشكل غير مسبوق، لدرجة أن جميع الثقافات بمختلف متبنياتها باتت متداخلة إلى حد يصعب معه الفرز فيما بينها، وهذه مشكلة خطيرة ذات طابع مزدوج، فالأول هذا الاجتماع القسري بين الثقافات في أوعية العولمة، والثاني تباين مستويات ومصادر ومؤهلات هذه الثقافات، الأمر الذي يقود بالنتيجة إلى نوع من الصراعات غير المتكافئة بين كل هذه الثقافات، القوية الراكزة منها والضعيفة المهلهلة، وهذه قسمة ضيزى كما يُقال.

الثقافة الهشة كيف بمقدورها مواجهة الثقافة القوية ذات الخبرات التراكمية العالية، والثقافات بمختلف مستواياتها باتت معروضة معاً في أوعية العولمة، السوشيال ميديا وسواها؟، يُطرح سؤال دائم من جهات مختلفة، إعلامية ثقافية فكرية واجتماعية وغيرها، مفاد هذا السؤال، ما هي العوامل التي تدفعنا للإعجاب والانبهار بالثقافات الوافدة وخصوصا الغربية منها، ولماذا يكون التأثير الثقافي الأكبر من حصة الشباب، لدرجة أن هذه الشريحة ذات الأهمية الاستثنائية تقبع تحت سلطة التقليد الشكلي الأعمى لشخصية الغرب؟، فتجاري شبابهم بما هو سطحي كالشكل الخارجي (الملبس، وقصة الشعر) مرورا بمفردات الكلام كالتحية والترحيب والأسف والرفض والقبول وسواها؟!

العولمة والتشابك الثقافية المباشر

هذا التقليد الأعمى من قبل شبابنا للثقافة الغربية الوافدة، ليس جديدا، هو قديم قِدَم الصراع بين الثقافات، ولكنه اليوم بات أكثر تصادما في ظل العولمة والتشابك الثقافي المباشر في أوعية العولمة التي وفّرت لجميع الثقافات حضورا مباشرا مختلطا، وهو أمر ليس من صالح الثقافات الهشة، فمن الطبيعي جدا، أن تتفوق ثقافة متراكمة الخبرات، ومؤهلة وذات خيارات لا تحصى، على ثقافة تعاني من الشعور بالدونية، بالإضافة إلى وجود أسباب أخرى داعمة وموسّعة لفجوة التفوق الثقافة الوافد على الثقافة الأم.

ويبقى السؤال لماذا الشخصية الشبابية في مجتمعنا مقّلدة هشة لا تمتلك العمق الداعم، الذي يمنحها قدرة الوقوف بكامل قامتها أمام الثقافة المهاجمة، نعم هو هجوم ثقافي بطرائق ووسائل ناعمة معدّة مسبقا، من عقول متخصصة تتقن عملها جيدا وتخطط لنجاحه، وتوفر الاشتراطات التي تؤهله للنجاح، وبلوغ الهدف وهو مسخ الثقافة الأم خصوصا عند الشباب!!

ولابد أن نعترف بأهمية السؤال وخطورته، على الرغم من أنه ليس جديدا، فقد طُرح هذا الموضوع في مقالات وبحوث وندوات وبرامج إذاعية وتلفازية، وتحدثت عنه جهات رسمية مختصة، ومنظمات تُعنى بالشباب، حتى المرجعية الدينية تطرقت له أكثر من مرة، هذا الاهتمام بطرح هذه القضية الحساسة يأتي من خطورة ظاهرة التقليد الأعمى للثقافات الوافدة، بعد تعدد وكثافة وسائل التوصيل في عصر العولمة، حيث أصبح العالم مكشوفا للجميع، وتداخلت الثقافات والمجتمعات مع بعضها وأصبحت المواجهة مباشِرة بين الجميع، والقوي هو الذي يسود، ونعني بالقوي ليس شرطا أن يكون هو الصحيح، وإنما قوي بالقدرة على الترويج والإقناع وملء فراغات الثقافة الأخرى.

في ثقافتنا هناك فراغات تستغلها الثقافة الغربية فتتسلل من خلالها إلى عقول الشباب وطباعهم، ما هي هذه الفراغات؟

معالجات تطبيقية لدعم الشباب

كما قلت في البداية تكرر الحديث والبحث في هذه الظاهرة، كثير من المعنيين أشخاص، منظمات، مفكرون، تناولوها وأشاروا إلى خطورتها، ولكن نحن نسأل ما هي المعالجات التطبيقية التي قدمناها لدرء مخاطر وتداعيات هذه الظاهرة، نحن لا نختلف عن الشخص الذي يعرف مرضهُ لكن لا يداويه، نتحدث كثيرا عن اختراق الثقافة الغربية لشبابنا، ولكن لا نحرك ساكنا يجعل الشباب في منأى عن تأثيرات الثقافات السلبية، أهم وأكبر مشكلة تجعل الشباب يقلدون الغربيين بملبسهم وكلامهم وسلوكهم هو (الفراغ)، فالشاب العراقي أو العربي والمسلم، حين يجد نفسه ضائعا في دوامة الفراغ ماذا يفعل؟، إنه لا يجد حلا سوى قتل الفراغ في التشبّه بالشباب الغربي، هل صنعنا للشباب فرص عمل، وهل ساعدنا الشباب على ملء فراغهم بالطرق والوسائل السليمة، أم أننا جميعا وأعني (الحكومات، والمنظمات، والمؤسسات الرسمية والمدنية، وكل من يعترض على الشباب لتقليدهم الغرب)، أقول لهم ماذا قدمتم للشباب حتى تطالبونهم بعدم تقليد الثقافة الغربية أو غيرها؟، الجواب لا شيء، لا يزال الفراغ يعصف بالشباب، ولا تزال الحكومات والقادة السياسيين والأحزاب مشغولين بمصالحهم، الكل لا يعنيه الشباب إلا بالكلام فقط، الكل يتحدثون عن أخطاء الشباب ولا أحد يساعدهم على تجاوزها أو حلّها.

لذلك هذه القضية ليس المسؤول عنها الشباب وحدهم، بل المسؤولية الأكبر تقع على الحكومات والمؤسسات والمنظمات الثقافية والعلمية الحكومية والمدنية، أما من ينتقد الشباب ويلقي اللوم عليهم ولا يحرك ساكنا، ولا يعالج البطالة، ولا يبني أماكن ترفيه ورياضة وتثقيف للشباب، فلا يحق له إلقاء اللوم على الشباب، وعليه أن يلوم نفسه أولا، لأنه السبب الأول في انحراف الشباب.

التصدي للتسطيح الفكري لشبابنا، والقضاء على الشعور بالدونية إزاء الثقافة الغربية، لا يحصل بالكلام وحده، ولا بالدراسات، ولا بالخطب التي تحذر من إنجرار الشباب للثقافة الغربية، الحلول هي ماذا قدمنا لشبابنا كي نجعلهم يتحلّون بالقوة التي تساعدهم على مواجهة التقليد الأعمى لثقافة الغرب، أرفقوا مع نصائحكم واقتراحاتكم وحلولكم النقدية خطوات عملية تمكن الشباب من الفوز على فراغهم القاتل، وحاربوا بطالة الشباب، اصنعوا لهم فرص عمل مشرفة، امنحوهم اهتمامكم بالدرجة التي يستحقونها، عندئذ سوف تفشل الثقافات الأخرى مهما بلغت قوتها وترويجها من اختراق العقلية الشبابية المدعومة بالاهتمام والتخطيط العلمي.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0