عرضت قناة بي بي سي عربي قبل يومين قصة مصوَّرة لشهيد عراقي حي، إنه عمار غانم من مدينة البصرة، فرّ من بلده العراق وهو طفل لا يتجاوز عشر سنوات، كان وعائلته يسكنون في مخزن للحبوب بالبصرة، كان ذلك اليوم جميلا، الشمس ساطعة، والأشجار ضاحكة تحت وهج الشمس الربيعية، الأطفال فرحون يلعبون ويتمتعون بجمال الطبيعة ومن بينهم الطفل عمار غانم.

فجأة تغيّر المشهد كلّيا في لحظات، حيث أغارت عليهم طائرات هليكوبتر وقصفتهم بسلاح كيمياوي لقمع الجماهير المنتفضة في البصرة ضد صدام سنة 1991، جميع أفراد عائلة الطفل عمار ماتوا، إلا هو خرج ناجيا مشوَّه الوجه والجسد ومهشَّم الروح، ولحسن الحظ أمه أيضا بقيَتْ على قيد الحياة، لكنها فقدت أفراد أسرتها، وكانت تظن أن عماراً قد احترق أيضا في مخزن الحبوب.

بعد حادثة القصف فرّ عمار من العراق وعثرتْ عليه نائبة بريطانية في إحدى المستشفيات، أخذتهُ معها إلى بلدها، وعاش مع عائلتها قرابة 30 سنة، وأجريت لعمار عمليات جراحية لإزالة التشوّه من وجهه، أو على الأقل تخفيفه، فاق عدد العمليات الجراحية 30 عملية، عاش عمار طوال سنوات وجوده مع النائبة البريطانية، وهو لا يعلم بأن أمه لا تزال حيّة تُرزق، وأنها تبحث عنه طوال هذه السنوات.

كان عمار (رغم رغد العيش والأمان مع عائلة النائبة البريطانية)، يشعر بالحيرة والاغتراب، وقد عبَّر عن غربته بالقول: (كنت منفصلا عن جذوري، لا أشعر بالانتماء الإنساني، أحلم بلقاء أمي).

كبر عمار، صار عمره قرابة 30 سنة، وهو في منفاه القسري المعقّد والمحيّر، مصادفة وصله فديو لامرأة تحمل صورتهُ وتدّعي بأنها (أم عمار)، كانت مصادفة عجيبة بالنسبة له، وصدمة كبيرة أعادته للانتماء الإنساني مرة أخرى، حاول عمار أن يصل لأمه، عرض الفديو في مواقع التواصل الاجتماعي ونشر قصته من لحظة قصف مخزن الحبوب بالكيمياوي وهروبه.

بعدها قام فريق من الـ بي بي سي بالبحث عن المرأة والكشف عن صحة إعلانها بأن عمار غانم ينتمي إليها وإنها أمه، وبعد البحث والمتابعة والتقصي لما يقارب سنة، توصّل الفريق المذكور إلى المرأة التي تقول بأنها أم عمار، زاروا بيتها الخَرِب في مدينة البصرة، وتحدثوا معها عن عمار الذي كانت تظن بأنه فارق الحياة منذ 30 سنة، أخبروها بأن عمار لا يزال على قيد الحياة، صُدِمت المرأة، سألوها إنْ كانت أمّه بالفعل، فأخبرتهم المرأة بأنها أمه وهو ابنها، وهي لا تريد من هذه الدنيا سوى رؤية ولدها عمار حتى لو لمرة واحدة.

عمار من جهته كان يترقّب النتائج وكان يمنّي نفسه بأن تكون المرأة التي حملت صورته في الفديو أمهُ بالفعل، لجأ الفريق إلى الطب كي يتأكد من صحة إدعاءات المرأة، تم مطابقة (الحمض النووي)، فكانت النتيجة الحاسمة بأن المرأة التي ادّعتْ بأنها أم عمار هي أمهُ بالفعل.

ذهب الفريق إلى لندن مجددا حاملا معه نتيجة الحمض النووي، وحين استلم عمار نتيجة المطابقة، وأن المرأة التي ظهرت في التلفاز ومواقع التواصل هي بالفعل أمه، شعر بأنّه يولد الآن، وأن انتماءه للحياة تحقق في هذه اللحظة، اصطحب فريق الـ بي بي سي عمارا إلى البصرة، وذهبوا به إلى بيت أمه، وأخيرا التقت الأم بابنها، ضمتهُ إلى صدرها، عادت لها الحياة مجددا، أدخلتهُ في غرفة قديمة كأنها تعود للعصر البدائي، نثرت فوق رأسه الحلوى (الملبس والجكليت)، وأطلقت (هلهولة أم عراقية) عاد لها ابنها بعد ثلاثين عاما من النفي الذي ظنتهُ موت أكيد.

من جهته عمار قال إن ما حدث أشبه بالحلم، كان ينظر إلى أمه بفرح وحزن وأمل عظيم، كانت ملامح وجهه لا يمكن أن تُفسَّر أو تُقرَأ بوضوح، فرح وحزن ولهفة وحيرة واستغراب، ملامح وجهه لا تزال تبدو عليها علامات تشوّه وحروق.

هذه قصة من آلاف القصص الموجعة المأساوية التي طالت العراقيين، ودمرت الكثير من العائلات العراقية بسبب الحروب والموت المجاني، ألم تحنْ الفرصة كي يعيش العراقيون بسلام، بعيدا عن الحروب والاحتراب والحرائق، أليس المطلوب ممن يقودهم اليوم أن يُحسنوا قيادتهم ويُحافظوا على حقوقهم ويحرصوا على تعويضهم عمّا لحق بهم من ويلات وظلم وجرائم دمّرت إنسانيتهم، هذه التساؤلات الإنسانية المهمة نضعها أمام المسؤولين من قمة الهرم إلى أدناه، ونأمل أن تجد صدى في عقولهم وقراراتهم وأعمالهم، بعد أن يطلعوا على هذه القصة العراقية المؤلمة.

لمشاهدة قصة الطفل عمار غانم في اضغط الرابط:

http://www.bbc.com/arabic/media-48297497

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2