كلّنا نعتقد أو نتصور بأن الوصول إلى القمة يعدّ أصعب وآخر المراحل، فالانطلاق من نقطة الصفر بداية الرحلة إلى القمم، ومع توالي مراحل الصعود تزداد المصاعب، ولكن معها تزداد خبرات التعامل مع المشكلات التي قد نواجهها في طريقنا، والآن نتساءل ماذا لو وجد الإنسان نفسه في القمة مباشرة ومن دون أن يمر بأية مرحلة قبلها؟!

تخيَّل نفسكَ أنك تتربع على القمة من دون تمهيد، ما الذي سيحصل بعدها؟، ثم ماذا بعد القمة غير النزول؟، قد لا يتخيل الإنسان الذي يصل القمة مباشرة بأن مراحل الهبوط من القمة سوف تكون صعبة ومعقدة، لسبب واضح أنه لم يمر بها سابقا عند الصعود.

مثال مررتُ به شخصياً عن الصعود الفوري إلى القمة (الإدارية) في إحدى الوزارات، فالمعروف أن أية معاملة لا يمكن إنجازها ما لم تصل إلى المدير (وأحيانا الوزير)، كي يبصم عليها حتى يقطف المواطن ثمارها، وقبل وصولها إلى المدير أو الوزير تمر بمراحل أدنى، وموظفين أقل في المسؤولية، يدققون المعاملة ويوافقون عليها، ثم يضعون توقيعهم عليها ويرفعونها إلى الأعلى أو الأدنى منهم وهكذا دواليك.

مصادفة كنتُ مصاحبا لأحد أصدقائي وهو يسعى لانجاز معاملة تتعلق به، ولأنه حصل على (واسطة)، فقد اختصرت له مراحل الصعود، وذهبت به إلى الوزير مباشرة وهو قمة الهرم الإداري، لكن صديقي تصوّر بأن توقيع الوزير (بالأحمر) قد حسم كل شيء لصالحه، وأن معاملته الإدارية لا تحتاج إلى كثير من الوقت والجهد لكي تكتمل، كما لا يمكن لموظف صغير أو كبير أن يجرؤ على عرقلتها، طالما أن الوزير قد وضع إمضاءَه عليها.

فما الذي حدث بعد ذلك؟؟

حضرنا أنا وصديقي والواسطة عند الوزير، ولم يتردد الأخير بالإمضاء، ولم يطرح أي سؤال عن المعاملة تقديرا للواسطة، وقام بوضع توقيعه بالأحمر معلقا بكلمة موافق لإجراء اللازم، وعندها رأيتُ وجه صديقي صاحب المعاملة يتورد وينتعش وكأنه أنهى كل شيء وحصل على مراده، وبعد أن وقَّع الوزير سألهُ صديقي: سيادة الوزير هل سأحصل على ضالتي اليوم؟، أجابه الوزير: نعم اليوم ستحصل على ما تريد من نتائج!.

وبدأت رحلة النزول من قمة الهرم الإداري (الوزير)، وكانت المحطة الأولى موظف صغير مسؤول عن التدقيق، حين قدّم له صديقي معاملته وهي موقّعة من الوزير بالأحمر، لم يعبأ بشيء بل حاول بكل طريقة أن يجد ما يعرقل المعاملة، بأسلوب استفزازي واضح، وبعد أن أخذ الموظف الصغير ما تبقى من ساعات الدوام، صار لزاما علينا العودة في اليوم التالي لمتابعة مرحلة الهبوط.

وفعلا عدنا في اليوم التالي لتواجه صديقي محطة إعاقة أخرى، على الرغم من أنه وصل إلى القمة (الوزير)، وهبط منه لإكمال الإجراءات الإدارية الأدنى، ومرّت ساعات النهار الثاني ولم يتم إنجاز المعاملة، وهكذا انتهى اليوم الثاني والثالث، وقام موظف آخر بإعادة صديقي من العاصمة إلى محافظته، لإكمال نقص في المعاملة، وقضى يوما كاملا في الدائرة الفرعية في محافظته، وانتظر يوما آخر ليعود إلى العاصمة لمواصلة إكمال المعاملة.

في اليوم الخامس ذهب بمعاملته وحده، وعند نهاية الدوام اتصلت به مستفسرا عمّا وصلت إليه معاملته، فأجاب، أن السيد المدير العام في إجازة، وهكذا اضطر إلى البقاء في العاصمة إلى اليوم التالي، وعاد إلى الدائرة مجددا، ليجد عائقا آخر وآخر حتى بلغ درجة اليأس أوجها.

في اليوم الثامن، عاد إلى الدائرة المعنية ووجد العقبة نفسها بانتظاره، ثم فجأة خطرت في باله فكرة، لقد التقط صديقي في اليوم الأول صورا بالموبايل تجمعه بالوزير، فسارع إلى فتح موبايله وذهب إلى الصور وعرض على الموظف الذي عرقل المعاملة صورته التي التقطها مع الوزير، وما أن رأى الموظف صورة صديقي برفقة الوزير حتى أصيب بالدهشة، وسارع بإنجاز المعاملة من دون تردد، طالبا من صديقي أن يتوسط له لدى الوزير لتسهيل طلب معين لدي!.

أخيرا بعد التي والّلتيا، تم إنجاز معاملة صديقي، على الرغم من أنه بدأ من القمة الإدارية الوزير، والآن أتساءل إذا كان الوزير نفسه (واسطة) صديقي وحصل لهُ ما حصل من الموظفين البيروقراطيين، فكيف بالمواطن الذي لا حول له ولا قوة، ولا واسطة له إلا الله، ثم هل على المراجعين جميعا أن يحملوا في موبايلاتهم صورة مع الوزير كي يتم إنجاز معاملاتهم؟؟

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1