في محاولة شبه يائسة لإنقاذ أمي من الموت بسبب ارتفاع ضغط الدم وعجز كبير في القلب، هرعنا بها أنا وأخوتي إلى طبيب تقع عيادته في مركز المدينة، كانت أمي فاقدة لوعيها في حينها، وكانت تستفيق لحظات ثم تغط في غيبوبة، وحين وصلنا عيادة الطبيب حملها أخي الأكبر وركض بها سريعا، ثم صعدَ السلَّم الحجري العمودي –وهي على كتفه- إلى العيادة الكائنة في الطابق الأول ونحن نشرعُ وراءهُ، حين دخلنا صالة الانتظار كانت مكتظة بالمرضى خصوصا كبار العمر لكنهم جميعا كانوا بوعيهم، هناك آهات ألمٍ تنطلق من مريض أو مريضة عجوز، كنّا نمنّي أنفسنا بالدخول الفوري إلى الطبيب علّهُ يمنح مريضتنا دواءً ينتشلها من غياب الوعي ويمنحها عمراً مُضافا.

نظرتُ في حينها إلى وجوه المرضى، كان الذبول والاصفرار يطغي على الجميع، لكن أحدهم قرأ رغبتي بإنقاذ أمي بعد موافقتهم، وقبل أن أطلب ذلك منهم قال الشيخ المسنّ (أنا من ناحيتي لا مانع عندي من أن تدخل مريضتكم قبلي)، شكرته بصوت عالٍ كأنني أحفّز الآخرين كي يحذوا حذوه ويتخذوا موقفه، وقد فوجئت بموقف المرضى، حتى من كان يفتك به الألم أبدى موافقته التي كنت أتمناها، وما أن خرج المريض من الطبيب حتى أدخلنا مريضتنا فورا، وعت أمي وهي تسمع صوت الطبيب يسألها عمّا يؤلمها، فتحت عينيها واستعادت نباهتها، حتى وجهها المصفرّ عادت له الروح وبدأ يعود إليه دم الحياة.

أخذت تحرّك يديها وقدميها، أعطاها الطبيب حبّة صغيرة تحت اللسان، قاس نبضها وضغط الدم، دوّن في ورقة الفحص أدوية للقلب والشرايين، سألها كيف حالك الآن، أجابته بخير، كانت في حالة صمت مغمضة العينين طوال ساعات، والآن بدأت تسترد عافيتها، حمدنا الله على نعمته وشكرنا الطبيب الذي طلب منا أن نعاونها على نزول السلّم ولا نتركها وحدها، المفاجئة في أجرته القليلة جدا قياسا للجهد الذي بذله، حاولت أن أضاعف المبلغ له فقال: هذه هي أجرة الكشف على المريض بقيت ثابتة طوال 30 عاما ولا يمكن أن أغيّرها في أواخر رحلتي في مهنتي الإنسانية.

قارنتُ اليوم بين أطبائنا الذين تحوّلوا إلى تجار، يتاجرون بآلام الناس وأرواحهم، يفتك بهم الجشع، وبين هذا الطبيب الذي يجسد الرحمة والرأفة بالمرضى في عمله، وتذكرت أيضا ذلك الطبيب البغدادي (عيادته في بغداد) الذي يتقاضى عن (السونار) من 150 ألف دينار كحد أدنى ليصل إلى 750 ألف، (حدث هذا معي شخصيا) والمشكلة لا تقف عند هذه المبالغ المرتفعة، بل في سلسلة المراجعات التي لا أول لها ولا آخر، فكما كنت أتصوّر أن من يدفع مبلغ 750 ألف دينار عن سونار لا يستغرق أكثر من 5 دقائق سوف يحصل على شفاء تام مقابل هذا المبلغ الخيالي، لكن السونار الأول سيكون مجرد خطوة أولى لسلسلة من السونارات، والمريض لا يمكنه أن يمتنع عن أخذ السونار أو عن الدفع لأنه يبحث عن الشفاء.

كذلك نظرت إلى الناس المرضى الذين تكتظ بهم قاعة الانتظار، ودقّقتُ في وجوههم وتأملتُ آلامهم وآهاتهم، وقارنت بينهم وبين مرضى الحاضر، فأولئك كانت الإنسانية وحب التعاون يسود بينهم، أما اليوم فلابد أن أقول بأنّ الناس لم تعد تفكر إلا بأنفسها أولا، والغريب أن ذلك الشعور بالآخرين قلَّ كثيرا وربما بلغ في بعض الأحيان درجة الانعدام، لماذا؟ ما الذي حدث للناس، كيف تغيرنا هكذا؟ فنحن امتداد لأولك الآباء والأمهات الحنونات، أولئك الناس البسطاء الذين كانوا يفضلون القريب والصديق والجار وحتى الغريب على أنفسهم، كيف استطاعت النزعة المادية أن تغيّر نفوسنا وقلوبنا وتجعلنا نفكر بأنفسنا ومصالحنا قبل كل شيء؟.

تذكرتُ حادثةُ الأمس هذه التي جرت لأمي رحمها الله، ورحتُ أقارن بين أطباء الأمس، وتذكرتُ ذلك الطبيب النموذج، الذي سرتْ عدواه إلى أكثر من طبيب في الاختصاصات النادرة، اليوم أيضا نحن بحاجة إلى هذه النماذج من الأطباء الإنسانيين، كذلك نتمنى أن تسكن الرحمة قلوب الناس اليوم، ويتعاونوا مع بعضهم ويشعروا بأنهم مسؤولين عن بعضهم.

وأن لا تأخذهم الموجة المادية الاستهلاكية المظهرية التي تفشَّت بين الناس والبيوت كالوباء، علينا أن نعود إلى إنسانيتنا، فالسعي للرزق والمتاجرة بكل أشكالها وجمع الأموال لا يعني مطلقا أن لا نشعر بغيرنا ولا نتعاون مع بعضنا، إننا بحاجة إلى التراحم والتعاون والشعور الإنساني المتبادَل فيما بيننا، لأننا مع الوقت سوف نواجه ظروفا صعبة ومعقدة، وهذا يتطلّب حضور الطبيب النموذج والإنسان النموذج الذي يؤثر في الآخرين بأعماله الإنسانية الرفيعة.

.................................
* كاميرا السبت زاوية نرصد فيها ظواهر مختلفة تدور في الفضاء الاجتماعي وسواه، ونضعها أمام المسؤولين عسى أن يتنبَّهوا لها ويضعوا الخطط المناسبة لمعالجتها.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0