أن تأكل بعد جوع شديد، سيكون الطعام لذيذا أيّاً كان نوعه وستأتي عليه بشهية نافرة، فما بالك لو كان الطعام لذيذا شهيا بالفعل، هنا ستكون شهيتكَ أضعافا وقد تُنسيك الآخرين وربما تنسف حتى إنسانيتك التي تتباهى بها أمام الناس.

جلستُ عند واجهة المطعم حين الغروب، يفصلني عن صديقي طاولة لامعة، أضواء ساطعة بألوان فضية فوق رؤوس الزبائن، دفع صديقي قائمة الحساب مقدما، جلسنا بانتظار الطعام (لحوم متبّلة وخبز ساخن) تفوح منه رائحة التوابل الشهية، كان تعب النهار قد أحالنا إلى جسدين منهكين تماما بمعدتين فارغتين وجوع طاغٍ، وما أن وضع عامل المطعم صحن اللحم على الطاولة بيني وبين صديقي حتى فاجأتنا طفلة معدمة نحيفة يظهر على وجهها الفقر بقوة، وقبل أن نمدّ أيدينا على اللقمة الأولى قالت الطفلة: أعطِني لقمة من اللحم!.

وبسبب تعب النهار الطويل والجوع الذي فتك بنا، كان الجواب لا إنسانيّاً، حادّاً، غريباً، رفضتُ وصديقي أن نعطي الطفلة (لقمة لحم)، وأعطيتها ألف دينار بدلا من (اللقمة) وطلب منها صديقي أن تشتري طعاما بما أعطيناها من نقود!، أخذت الطفلة المبلغ البسيط منّي، وابتعدت بوجهٍ كسير وعينين ضجّت فيهما أسئلة كثيرة هكذا قرأتها في سبورة عينيها الحزينتين: (لماذا لم تعطنِي لقمةَ لحمٍ من طعامك، أنا جائعة، وأنت إنسان، لماذا تستكثر عليَّ لقمة واحدة، وأنت تدَّعي الإنسانية، أم أنها كلمات لا أكثر توهِم بها الناس وتلفظها دون أن تطبّقها؟؟)

وبعد دقيقة حين خفّتْ وتضاءلت صدمة الجوع، شعرنا أنا وصديقي بفداحة ما فعلناه مع الطفلة الفقيرة، ورحنا نتساءل معا ونلوم أنفسنا، كيف تعاملنا مع الطفلة بهذه الطريقة، وبعد أن شبعنا بقيّت كمية من اللحم في الصحن تكفي للطفلة وتزيد، طلب مني صديقي أن أذهب كي ابحث عنها بعد أن غابت في عيادات الأطباء المنتشرة إلى جانبي المطعم، نهضت ورحتُ أبحثُ عنها بلهفة، الشعور بالذنب يحاصرني ويؤلمني، كنت أتطلع في الوجوه بلهفة وكنتُ أمني نفسي بالعثور على الطفلة الفقيرة وأعود بها إلى المطعم ونمنحها ما تبقى من اللحم وهو كثير، لكن بعد عشرين دقيقة من البحث لم أعثر عليها، اتصلت بصديقي الذي ينتظر أن أعود له بالطفلة إلى المطعم، وأخبرته عن عجزي بالعثور عليها.

عدتُ إلى المطعم مثقلا بتأنيب ضميري، وعرفتُ أن الجوع والتعب قد يفقدك إنسانيتك، وربما يدفعك لاتخاذ قرارات خاطئة، ومنها قرار رفض تقديم لقمة لحم واحدة للطفلة الفقيرة التي تدور على الناس مستعطية كي تجمع الطعام لأمها وعائلتها، وصلتُ المطعم، كان صديقي يجلس عند الطاولة نفسها وقد احتفظ بما تبقى من اللحم والخبز أملا بعودة الطفلة مرة أخرى، كان يشعر بالشبع الممزوج بعدم الرضا عن النفس، هو وأنا نعاني من شعور قاسٍ بعد الشبع، وهذا يعني أن الإنسان حين يجوع لا يفكر بشكل صحيح، ولا يتخذ قراراته بصورة صحيحة، كنا أنا وصديقي نحاول أن نخفف عن بعضنا من شعورنا المؤلم الذي لم نكن نتوقع في يوم من الأيام أن نفعله ونستكثر على طفلة جائعة لقمة واحدة.

في هذه اللحظة وقبل أن نغادر المطعم بلحظات، جاءنا طفل أصغر من الطفلة الجائعة، كان يحمل ملامحها، اصفرار الوجه والهزال، هي كانت نحيفة مثل قصبة والطفل بدا لنا أكثر نحافة من الطفلة، لم يقل الطفل بأنه جائع بل طلب نقوداً، فسأله صديقي على الفور: هل أنت جائع، قال: نعم، قال له صديقي هل ترغب تأكل هذا اللحم اللذيذ مع الخبز الساخن؟، فقال: نعم أريد هذا اللحم، إنه لذيذ لكن أريد أن أأخذه لأمي لأنها مريضة!!.

طفل صغير نحيف الجسد مصفَرّ الوجه، يفكّر بأمهِ ويفضلها على نفسه، وضعنا له اللحم المتبقي والخبز في كيس وأعطيناه بعض النقود، فذهب راكضا بالخبز واللحم إلى أمه، شعرنا أنا وصديقي بشيء من راحة الضمير، لكن وجه الطفلة الذابل لا يزال حتى هذه اللحظة مشعّا في ذاكرتي رغم اصفراره وانطفائه، ولا أظنّ أنني سأنساه.

هذه القصة ليست من نسج الخيال، إنها واقعية تماما، أضعها أمام قادتنا السياسيين، وحكامنا، في الحكومات المحلية والاتحادية، وأضعها أيضا أمام أولي الأمر منا، وأقول لهم ليس هناك شيء في العالم يمسخ وجود الإنسان ويحطّ من كرامته أكثر من التسوّل والاستجداء، وهما نتيجة للجوع، والجوع نتيجة لسياساتكم الخاطئة واهتمامكم بامتيازاتكم الهائلة التي تحصلون عليها بعيدا عن الإنصاف والعدالة.

.................................
* كاميرا السبت: زاوية نرصد فيها ظواهر مختلفة تدور في الفضاء الاجتماعي وسواه، ونضعها أمام المسؤولين عسى أن يتنبَّهوا لها ويضعوا الخطط المناسبة لمعالجتها.

انقر لاضافة تعليق
إدريس مريوش
المغرب
حال الجوع هو حالنا في كل بلدان العرب حتى الغنية منها لا يسلم أطفالها وفقراؤها من التضوّر الجوعي الشرس.. فلاش ساطع يلقي الضوء على ساسة خارجين على القانون والشرف والضمير2019-04-13

مواضيع ذات صلة

0