أقل من شهر على بداية الحملة الانتخابية، وأقل من شهرين على لحظة انطلاق الدورة الجديدة للبرلمان العراقي، وعلى الرغم من مرور عقد ونصف تقريبا على العملية السياسية، وما يقارب ثلاث دورات انتخابية، لكن الخبرات السياسية لا تزال هشة، ولم تتراكم خبرات البناء، لأنها أصلا لم تكن موجودة إلا ما ندر، وحتى الخبرات النادرة التي شاركت في العمل السياسي لم تترك تأثيرا يُذكر، لأن عديمي الخبرة أكثر بكثير من الذين يمتلكون الكفاءة والجدارة.

والغريب في هذا المضمار، أن الساسة التي لم تتغير وجوههم طيلة الدورات النيابية الماضية، لا زالوا مصرين على ارتكاب نفس الاخطاء، خصوصا ما يتعلق بتنظيم الحياة العامة للبلاد في الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية، كأنهم لا يرغبون في بناء دولة قوية الوجود والفعل والحضور، كما أنهم لا يعيرون أي اهتمام لمستقبلهم السياسي في مفارقة غريبة، فجميع السياسيين في العالم يسعون لكسب الأصوات من خلال منجزاتهم وحرصهم على الدولة والقوانين والانجازات التي تضاعف من المؤيدين، لكن ساستنا لا يعنيهم هذا الأمر في سلوك ينم عن غباء تام، حيث يكتفي بعض السياسيين بغنائم آنية، فيما يضحي بتأريخ مشرّف يمكن أن يجعله إلى جانب أعظم الشخصيات النادرة في التاريخ.

كيف تُبنى الدولة المدنية؟

حقا من المؤسف أن لا يغير السياسي في العراق منهجه الخاطئ على مدى التجارب السابقة واللاحقة، لكن لا تزال الفرصة لبناء الدولة متاحة، وإن كانت تبدو قد وصلت إلى نهايتها، فإذا أعاد السياسيون أخطاءهم نفسها وفشلوا الفشل نفسه، فإنهم يقضون على أنفسهم والأخطر أنهم قد يضحون بوجود بلدهم وتاريخه وشعبه، ومن المعلوم أنهم يعرفون حق المعرفة كيف تُبنى الدول لكنهم منشغلون بما أهم بالنسبة لهم (مصالحهم)، لكن هذه الأهمية ليست ذات جدوى وتنمّ عن غباء ودناءة واضحة، حين يفض السياسي نفسه على شعبه، في الوقت الذي ينبغي أن يُسهم بفعالية في بناء دولته وهو يفهم ويعرف سبل البناء السليم.

ولتذكير من يروم تكرار التجربة والعمل السياسي، بأن المطلوب عدم تكرار الأخطاء بعد ظهور نتائج الدورة الانتخابية القادمة، فهناك مرتكزات أساسية لا يمكن من دونها، أن تُقام دولة مدنية قوية، بمعنى إذا اختفت تلك المرتكزات لأي سبب كان، ستختفي الدولة الدستورية المعافاة، وستُهدَر حقوق الشعب، أما حضورها فيعني تحقيق بناء الدولة المتمدّنة التي يتم فيها تداول السلطة سلميا، من خلال صناديق الاقتراع مع حضور الشروط الداعمة الأخرى، لذا لا تزال الفرصة سانحة للطبقة السياسية كي تعوّض ما فاتها وما فات العراقيين من بناء وتقدم، شريطة أن لا يعود السياسيون إلى المناهج الفاشلة والفاسدة التي اعتمدوها سابقا.

وقد يقول الناس يجب تغيير الوجوه، ولكن ما فائدة تغيير الوجوه والأصل واحد، فالشخصيات الجديدة لم تخرج من فراغ، إنها تنتمي للأحزاب نفسها، لذا يجب تغيير البنية الفكرية والثقافية والسلوكية للأحزاب والشخصيات السياسية، في هذه الحالة يمكن للدولة المدنية القوية، أن تحافظ على شروط ديمومتها، ومن أهم تلك الشروط، الحفاظ على الحريات، وبناء الأجهزة الأمنية الوطنية القادرة على ضبط الأمن كليّا، وتحقيق شرط النزاهة لوأد الفساد كليّا، مع توفير المتطلبات الأخرى التي تتيح للدولة أن ترتكز الى انتظام المؤسسات الدستورية المستقلة، القادرة على إدارة السلطات المختلفة بمعزل عن بعضها، وفقا لما يورده الدستور الدائم المُقَرّ شعبيا، وعندما نتحدث عن العملية السياسية في العراق، فإننا لا نخطئ إذا قلنا أنها لم تستطع حتى اللحظة أن تبني الدولة القوية المرتقَبة، كما أن اللاعبين السياسيين، تحصّنوا في لعبة التدويل بدلا من نقل الدولة الى ساحة التداول السليم للسلطة السياسية والشروع في البناء السليم، ولهذا بقيت الوجوه نفسها، تمارس لعبة سيئة أتقنوها جيدا، من اجل الحفاظ على مكاسب مادية تجعلهم في لهو وانشغال تام عن تحقيق مشروع بناء الدولة المدنية، وتعويض العراقيين عمّا لحق بهم من ظلم وإهمال سابقا ولاحقا.

الأحزاب تحافظ على مكاسبها

لذلك تأتي هذه الدورة الانتخابية في ظل حاجة قصوى لتجاوز الأخطاء السابقة، خصوصا في الفساد السياسي والمالي والإداري، ولعل الدلائل التي تؤكد هذا الرأي كثيرة، وأهمها فشل السياسيين في بلورة فعل سياسي موّحد يبني الدولة العراقية المتطورة والمستقرة، أما الاحتماء خلف تبريرات والحجج لم تعد مقبولة بعد مرور سنوات طويلة على بدء العملية السياسة، وهكذا أصبحت الوجوه اللاعبة في الميدان السياسي على دراية وخبرة في كيفية ضمان حضورها الدائم في المشهد السياسي، لضمان مكاسبها المادية أولا، بغض النظر عمَا سيلحق بالشعب من إهمال وظلم نتيجة لانهماك الجميع بحماية مصالحه الفردية او الفئوية او الحزبية.

أما مصالح الشعب والشروع الدقيق في بناء مرتكزات الدولة المدنية، فهو أمر غير مرغوب به أصلا بالنسبة لبعض الساسة، لأنه يقوّض جميع ما تمارسه الكتل والأحزاب والوجوه الحالية من تجاوزات، حيث تحافظ على حضورها في المشهد السياسي منذ سنوات متتابعة من دون أن تقدم للعراقيين ما يؤشر ويؤكد الاقتراب من تكوين الدولة المعاصرة، والمشكلة أن جميع اللاعبين السياسيين يعون هذا الامر، ومع ذلك لا تزال عملية التداول الصحيح للسلطة تواجه عقبات التدويل والانشغال التام بالمكاسب، كما نلاحظ ذلك في حالات الثراء الكبير التي أُسبِغَتْ على معظم الداخلين في الميدان السياسي، فيما يعاني الشعب من نواقص كثيرة قد يصعب إحصاؤها، نتيجة لعدم التخطيط السليم والحازم لبناء مرتكزات الدولة المدنية.

إذا ينبغي احتراس الساسة قدماء وجدد من تكرار الأخطاء السابقة، وأن يعرفوا بأن المطلوب الآن أن يتنبّه جميع السياسيين الى المنحدر الذي يسيرون فيه، ولابد من تحويل الأخطاء القديمة إلى دروس للنجاح في بناء الدولة، وجعل الشعب وحقوقه واحتياجاته أهدافا ذات أولوية في ظل دولة مؤسسات مدنية يحكمها القانون والعدالة وتكافؤ الفرص، ولا تزال الفرصة متاحة أمام الجميع لاسيما قادة الكتل والأحزاب من اجل التصحيح الحاسم، ولكن ينبغي أن يفهم ويؤمن جميع الساسة المقبلين على دورة انتخاب نيابي جديدة بأن فرص استمرارهم لم تعد كما في السابق، وعليهم عدم الإصرار على ارتكاب الأخطاء التي أهدت بناء عراق قوي معاصر.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1