لم يبقَ الفكر رهين الحوار المباشر، ولا هو محصور في الندوات الفكرية أو سواها، ولا يلتمس في بطون الكتب مرسى له، كما أنه لم يعد قابلا للتحكم من قبل جهة محدّدة، كأن يكون شخصاً أو مؤسسة أو حتى دولة، حدث هذا الاتساع الفكري وحلَّقت مديات وصوله إلى أقصاها، بعد انطلاق ثورة شبكات التواصل الاجتماعي، هنا بات كل شيء يمكن الحصول عليه بجهد (إلكتروني) يكاد لا يُذكَر، حتى أصعب الأفكار وأشدَّها خصوصية صارت تضع نفسها بين يديك، فحين تدخل أحد المواقع ينفتح لك العالم من أدناه إلى أقصاه.

وقد عجَّت شبكات التواصل - بالأخص الفيس بوك بالنسبة للعراقيين- بثقافات كثيرة متعددة الأهداف والفحوى، وصار يمكن للجميع الذين يتعاطون هذه المواقع وينشطون فيها، أن يتسللوا بحرية إلى ما تحمله الثقافات المختلفة من أفكار، وقد أطلق الناشطون في هذه المواقع أنفسهم تسمية (العالم الافتراضي) على جميع مواقع التواصل، في إشارة إلى الاختلاف بينها وبين الواقعي، وكما يحدث في جميع الابتكارات التي تستجد في عالم الإنسان، يحمل كلّ اكتشاف خيارين متاحين هما الخيار الجيد ونقيضه، وللناشط في هذه الشبكات أن يختار ما يشاء منها.

وهذا لعمري يدخل في أقصى درجات الحرية، ويفتح الخيارات كلّها للناشط، فبات ميسورا للعقل أن يلتهم ما شاء من أفكار وأخبار حتى تلك التي تتطفل بمضامينها على عقول لا ترغب بها ولا تريد أن تتفاعل معها، أي أن الفكر المتطفّل الذي تعج به مواقع التواصل يعرض نفسه للناشطين بلا تمييز، ويبقى للعقل الحقيقي قضية الاختيار بين ما يناسبه وبين ما يشيء له ولأخلاقه وثقافته وحتى عاداته ونواميسه.

حتى بات الصراع في أوجهِ بين الثقافات وأفكارها من ناحية، وبين عقول الناشطين في شبكات التواصل من ناحية أخرى، وهناك بالطبع حملات تحذير لا تكفّ عن الوعظ والتوجيه والتحذير من الفكر المتطفّل على العقول، فمنهم من يتعظّ ويغلق أبوابه ونوافذه كلها أمام هذا الفكر المتسلل الى عقله، والمتصارع مع ثوابته وقيمه وثقافته، ومنهم من يلتزم مبدأ معرفة الآخر، كيف يفكر وما هي مضامير أفكاره حتى يفهمها ويتصدى لها ويمنعها في الإقامة في عقله عن قناعة.

لكن ليس كل من يقرر فهم الآخر والإطلاع على فكره، يبقى صامدا أمام إغراءات الآخر كما يراه هو، والسبب هو عدم رسوخ القيم والمبادئ الأم في عقل الناشط، أي هناك ضعف في مناهل التثقيف أو في عقل الناشط نفسه، فيغدو سهلاً وسريع التأثّر بالفكر المتطفّل الذي يقتحمه دونما استئذان، فطالما أنك تحجز لك مكاناً في هذه المواقع الإلكترونية، فإنّ عليك أن تحسب حسابك للفكر والثقافات التي تتطفل وتتسلل إليك شئت أم أبيت.

هل نحن من الشعوب المتعطشة للفكر؟

ولأننا شعوب ظامئة، ويتوغل الشعور بالدونية إزاء الثقافات والأفكار الأخرى في أعماقنا وعقولنا - ليس الجميع بالطبع- فإننا سوف نُقبِل على الجديد المتطفّل علينا عبر العالم الافتراضي بنهم شديد، وقد يغترف بعضنا من المتسلِّل ما يشاء دون حساب، كي يشفي غليله، وكي يطفئ عطشه للمعرفة حتى المناقضة منها، ولكن في المقابل هناك من هو مكتفٍ بأفكار ثقافته الأم، فنرى أنه صامد قوي الشكيمة، ورابط الجأش، ولا يمكن للعالم الافتراضي وثقافاته وأفكاره أن تجد لها مكانا في عقله، ولأن قناعته فولاذية بعقائده وأفكاره وقيمه وثقافته، فإنه - على الأعم الأغلب- يكون محصَّنا من فخ الاستدراج إلى الثقافة المتسلِّلة وفكرها.

نحن بعد هذه الكلمات التي عرضنا فيها، لمساوئ ومحاسن مواقع التواصل، فإننا بالطبع نطرح وجهة نظر شخصية قد لا يراها آخرون، ولكن هذا العرض يبحث عن كلمات ومفاصل فكرية أخرى، أو يُفترَض به ذلك، حتى نتحاشى جميعا من تبثّه الأفكار والثقافات الأخرى من - سموم- قد تذهب بعقولنا نحو الحضيض، فهذا الحال ليس هيّنا، ولا يصحّ مواجهته بالصمت أو اللامبالاة، إننا ونعني جميع من يهمهم الأمر، ولا أظن ثمة من هو مُستثنى، لأن أفكارنا هي حياتنا كلها، وهي حاضرنا ومستقبل القادمين من أصلابنا.

وإذا تركنا فكرنا وعقلنا وثقافتنا عرضةً للفكر المتطفل والمتسلل عبر شبكات التواصل التي بات من غير الممكن أن نستغني عنها مواكبةً للعصر ومستجداته، فإن حاضرنا ومستقبلنا سوف يكون مهدَّدا بالتبعية الفكرية الثقافية، مع تواجد خطر النسف الشامل لمجموعة القيم والمبادئ والأفكار التي فُطِرْنا عليها وآمنا بها ونظّمنا في ضوئها وعلى هديها الهيكل العقلي الفكري لتاريخنا.

خيارات المواجهة مع الفكر المتسلّل

هنا ليس أمامنا أكثر من خيار، ولا يمكن ترك الحبل على الغارب، ولا يجب أن تمضي الأمور على عواهنها، إن العقل الجمعي والفردي الذي ينتسب لنا، مطالَب اليوم بوضع المصدّات الكفيلة في درء الخطر الفكري الثقافي الذي يتطفّل ويتسلل إلى عقولنا عبر مواقع التواصل كلّها، فماذا يستدعي ذلك منا؟:

- عدم الكفّ عن إطلاق حملات التعريف بأغراض الفكر المتسلّل إلينا عبر العالم الافتراضي.

- أن تخضع الحملات في أعلاه للتخطيط المسبق من عقول خبيرة بآليات المواجهة الأسلم.

- أن لا تحمل هذه الحملات على التخوّف أو الخشية، وإنما هدفها توضيح المساوئ الكبرى التي يحملها الفكر المتطفّل.

- تبدأ هذه الحملات الكبرى والصغرى على حدٍ سواء، من العائلة أولا، تدرّجا الى المدرسة، والمنظمات والمؤسسات الثقافية الفكرية، فكل له دوره في التبيين والتوضيح بلا إخافة.

- للحوزات العلمية دورها الأكثر أهمية، نظرا لعلاقات الثقة بينها وبين الجمهور الواسع الذي يستخدم وسائل التواصل الافتراضي، وعمل الحوزات في عمليات التصدي، مضافا إلى حثّها الديني، فإن العلمية والموضوعية والإقناع ستكون أساليب مقبولة ومحفزّة على إيمان العقول المتذبذبة، كي تستوعب الفارق بين جذورها الفكرية والدخيلة عليها.

- ولا يقل جهد الإعلام عن الجهود المخصصة في أعلاه، فجميع المؤسسات الإعلامية الرسمية والمدنية المستقلة، كلّها تقع عليها مسؤولية المواجهة الضارية في هذا المدار، ولا يُستحسَن أن تتنصل أية جهة أو شخصية إعلامية من هذا الدور المصيري.

- تشمل حملات التوعية استخدم العالم الافتراضي نفسه، ونشر جميع الأنشطة فيها كـ - الندوات، المهرجانات، حملات التوعية، المنابر الدينية، القنوات الفضائية بمختلف توجهاتها- الإذاعات، الصحف الورقية والإلكترونية- جميع المطبوعات بلا استثناء، الأنشطة الفنية بتعدد أجناسها- وباختصار لا أحد معفي من هذه المهمة في مواجهة الفكر المتطفّل الوافد من جهات تريد أن تسلب منا هويتنا وشخصيتنا التي جُبلنا عليها.

- المؤسسة العلمية الجامعية كلّها، يقع عليها الجهد الأوسع والأعمق في تنسيق تيارات التصدي الفكري العلمي، لأنها تضم في صفوفها عقولا فتية متعطشة كي تنهل الجديد، وقبل أن تنساق الى الفكر المتطفّل، على الجامعات أن تسوّر هذه العقول بما هو مستحَق من فكر مختلف هو الفكر الذاتي الذي لا يرفض الآخر ولكنه من حقّه أن يتجنّبه ويتحاشى غاياته المسيئة.

وختاما، النقاط المقترحَة في أعلاه زيادةً في التأكيد، فهي تخص: الأسرة، المدرسة، الجامعة، الحوزة العلمية، المنابر كافة، اتحادات الثقافة ومنظماتها وقصورها، الإعلام بكل أصنافه المرئي، والمسموع، والمقروء، وطالما أن هذه العملية بهذا الشمول فإن الجمهور العام له حصة من هذا التصدي، على أن يكون التنظيم والعلمية والموضوعية وعدم التخوّف من الآخر، دعامات أساسية ترتكز عليها هذه الإجراءات التي لا يصحّ أن تكون ذات طابع دعائي أو وقتي أو عدائي.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0