الفكر هو مصطلح يُستخدم في الدراسات المتعلقة بالعقل البشري، ويشير إلى قدرة العقل على تصحيح الاستنتاجات بشأن ما هو حقيقي أو واقعي، ولهذا يرى العلماء والمفكرون المعنيون بالأفكار أن الفكر يمثل حجر الزاوية في تقدم الانسانية عبر تأريخها الطويل، إذ تؤكد الشواهد والأدلة على القدرة الكبيرة للفكر على تصحيح الاخطاء، بعد القيام بعملية جدلية تبدأ بطرح الأسئلة ثم غربلة الاجابات المتباينة، وصولا الى استنتاجات لا تقبل الخطأ، يمكن من خلالها تصحيح الجوانب الخاطئة والانطلاق نحو البناء السليم.

بطبيعة الحال تتوزع الافكار على جانبين أساسيين، الاول هو الفكر الصحيح، والثاني يمثل الفكر الخاطئ، أما الاستدلال على من يمثل هذين الجانبين، فهناك معايير ومقاييس متَّفق عليها بين بني الانسان، وتحددها العقول الحكيمة، ويشترك في ذلك الفلاسفة والعلماء وكل العاملين على تطوير البشرية بدوافع النزاهة التامة، فأصحاب الحكمة الذين ينطلقون من نظرة انسانية وايمان قاطع بالانسان، بنوا قواعد ومعايير تراكمت على مر التاريخ، واستطاعت ان تميّز الفكر السلبي وتعزله عن الفكر النقيض، وهو الفكر الايجابي الذي يحمي الانسان من الغلو والتطرف الذي يعد الحاضنة الاساسية للفكر التكفيري.

من الملاحظ حسبما تفرزه الوقائع وتؤكده كثير من الشواهد، ان هناك انظمة سياسية لجأت الى التطرف ورعتْ الفكر التكفيري من اجل تحقيق مصالح ذاتية بحتة، بمعنى ان هذه الانظمة لم تلجأ الى هذه الاساليب والوسائل من اجل غاية سامية، تتعلق بالدولة او بهدف بناء المجتمع وحماية حقوقه، لأن الأساليب السيئة (التكفير، التعصب، التجاوز على الحقوق وما شابه)، لا يمكن أن تقدم للدول او للشعوب حلولا لمشكلاتها، بل هي اسباب اساسية تؤدي الى تراجع الدول وتخلف الشعوب بسبب حالات الاحتراب والفتن والابتعاد عن الاستقرار كشرط رئيسي للبناء، ولكن مثل هذه الأساليب ربما تحقق بعض الاهداف الخبيثة للأنظمة السياسية الفاشلة التي تلجأ إليها، كما هو الحال في المخططات المرسومة مسبقا، من لدن قوى دولية واقليمية واضحة المعالم، جعلت من الفكر التكفيري جسرا لها للعبور الى اهدافها الخبيثة.

وهذا ما يحدث الآن في سوريا والعراق وبعض دول ما يُسمى بـ (الربيع العربي) على سبيل المثال، فقد حاولت بعض القوى الدولية بالاتفاق مع قوى ودول اقليمية، أن تمتطي الافكار المتطرفة، وهيّأت واختارت الجماعات المعدّة للتطرف، وشرعتْ بعملية غسيل دماغ واسعة ومركّزة لأفرادها، لاسيما قادتها، وعبّأتهم بجرعات فعالة من الفكر التكفيري الذي ما لبث بالانتشار والتمدد، إذ بدأ يعطي أُكُله بصورة فعلية سريعة، كما نلاحظ ذلك، في ما أقدمت عليه عصابات التكفير (داعش وما شابه) لأسيادها، فها هي موجات التكفير والاحتراب والفتن أخذت تفتت دولا وتدمر شعوبا كانت حتى وقت قريب متّحدة في نسيج اجتماعي سياسي ثقافي تاريخي متداخل، لا يمكن أن نشك لحظة واحدة على تحوله الى كانتونات متصارعة فيما بينها، وهذا بالضبط ما يهدف إليه دعاة التكفير وصناعه على حد سواء.

لذلك ليس مستغربا أن ترعى الفكر التكفيري دول اقليمية، تعلن ليل نهار انها ضد التطرف، وانها تطارد عصابات الارهاب، وتعمل على تحجيمه وتجفيف منابعه، وتحد من موارده، في حين ان الوقائع كلها تشير الى أن هذه الدول والقوى المعروفة، تسقي بنفسها جذور الارهاب بكل ما تحتاجه من موجات متعصبة ومتطرفة، حتى يبقى هذا الفكر الشاذ، حاضرا ومؤثرا وقادرا بصورة دائمة على تحقيق اهدافه التي يمكن أن نلخصها بـ (تفتيت الشعوب والدول)، كما تخطط لذلك القوى المستفيدة من اثارة الاضطرابات والفتن، وتعمل ليل نهار على وضع خرائط جديدة بديلة لخرائط سايكس بيكو، وبهذا سوف يعطي الفكر التكفيري النتائج المخطَّط لها مسبقا، ليكون الضحية دائما الشعوب الاقل وعيا وأقل قدرة على درء مخاطر هذا الفكر الخطير.

لذا لابد أن تكون هناك مشاركة واسعة وفعالة لمواجهة الفكر التكفيري، من خلال اتخاذ الخطوات اللازمة للحد من مخاطر هذا الفكر، او القضاء عليه بصورة تامة، ولا يمكن أن يتحقق مثل هذا الهدف الكبير، والذي تنعكس نتائجه على الاستقرار العالمي عموما، ما لم تشترك جميع الدول والمنظمات العالمية في هذا المجال، لاسيما أن عالمنا اليوم يعيش في دوامة هائلة ومتواصلة من الصراعات والاضطرابات المستمرة، من هنا لابد من الشروع بالخطوات التالية لمواجهة هذا الفكر المتنامي، وعلى النحو التالي:

- لابد من فضح القوى والدول التي تدعم هذا النوع من الافكار التكفيرية، وهذه مهمة الامم المتحدة، ومجلس الامن تحديدا.

- لابد من اتخاذ الخطوات العملية الرادعة لحواضن الفكر التكفيري، لاسيما أن الأدلة والشواهد واضحة على تورط هذه الدول في دعم الارهاب والتكفير.

- العمل بقوة على تجفيف منابع التطرف، ومحاصرة مصادر التمويل بصورة فعالة.

- مشاركة الدول الاكثر قدرة على المستوى العالي في جهود الرصد والمراقبة، لغرض تحديد التحركات المشبوهة للعناصر والجماعات التكفيرية.

- حث الجهات المعنية المفكرة والمثقفة (علماء، مثقفون، فلاسفة، خطباء، سياسيون، والنخب كافة) على تفنيد افكار وحجج دعاة التكفير، تاريخيا وواقعيا.

- القيام بحملات تثقيف وتوعية تتزامن مع حملات محاربة الارهاب والتكفير، حتى تكون نتائج إضعاف الفكر التكفيري مضمونة.

- وضع خطط فاعلة لدعم المجتمعات والدول التي تتعرض لهجمات التكفيريين، حتى تتمكن من الصمود وتحقيق الانتصار، كما يحدث اليوم في العراق وسوريا.

انقر لاضافة تعليق
سعيد عبد الامير
العراق
هناك شبكات سرية تخطط وتدعم هذا الفكر، وهي شبكات على الرغم من غموضها وتخفيها وراء ستارات مختلفة، لكن يمكن للجهات الامنية المعنية بالامن العالمي كشفها وملاحقتها قانونيا وهذه مهمة الامم المتحدة ومجلس الامن خصوصا لتخليص العالم من موجة التكفير2015-03-07

مواضيع ذات صلة

0