يعتقد الكثير إن دور الأئمة المعصومين (عليهم السلام) السياسي كان سلبياً وأنهم انهمكوا في العلم والعبادة والفقه والتثقيف والتوجيه بعد أن أُغتصب حقهم في الخلافة وأضطُهدوا وظُلموا فابتعدوا عن دورهم السياسي وركنوا إلى الجانب العقائدي.

لكن هذا الاعتقاد والتفكير يصطدم مع واقع وتاريخ الأئمة المعصومين (عليهم السلام) وسيرتهم الشريفة، إذ نجد أنهم إضافة إلى قيامهم بدورهم العقائدي في توجيه الأمة، فقد قاموا بأعظم دور وتحملوا أكبر مسؤولية في الحفاظ على مبادئ الإسلام الحنيف والدفاع عن شريعته المقدسة، وهذا لا يتأتى إلا بمقارعة الانحراف الذي تمثل في السلطات التي اغتصبت الخلافة بعد النبي (صلى الله عليه وآله) والتصدّي لها.

فقد حرصوا (عليهم السلام) على إحياء روح الإسلام في المجتمع وإبقاء جذوته متّقدة في قلوب الأمة بوقوفهم بوجه السلطات المنحرفة رغم التآمر على إبعادهم عن حقهم في الخلافة المنصوص عليهم فيها بالقرآن الكريم والأحاديث الشريفة.

وقد جابهوا (صلوات الله عليهم) السلطات الظالمة منذ يوم السقيفة بقول الحق، ومارسوا دورهم القيادي في الأمة كخلفاء شرعيين لنبي الإسلام محمد (صلى الله عليه وآله)، وحافظوا على الخط الرسالي في الأمة من الإضمحلال، ودرأوا عن ساحته المقدسة خطر التيارات السلطوية المنحرفة التي حاولت محقه من الوجود.

فبدأ دورهم منذ وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) في تكملة مسيرة الإسلام، فحمل علي (عليه السلام) منهج النبي وآلى على نفسه الحفاظ على الخط الرسالي بعده وقام بدوره ومسؤوليته على أكمل وجه في بقاء الشريعة المحمدية ناصعة في ضمير الأمة

فلم يركن إلى الظالمين، ولم يتوان عن المطالبة بحقه، ولم يتنصّل عن مسؤوليته، وبقي يدعوهم إلى الرشد والصواب. ومحاججاته معهم كثيرة امتلأت بها كتب التاريخ حول أحقيته في الخلافة منهم، حتى أحسّوا أن وجوده (عليه السلام) يشكّل خطراً يهدد وجودهم وخلافتهم فتآمروا للتخلص منه بمحاولة اغتياله على يد خالد بن الوليد كما جاء في الكثير من الكتب والمصادر من الفريقين منها ما ذكره السمعاني في كتاب (الانساب ج3ص90): فقال ما نصه: (وروى عنه حديث أبي بكر أنه قال: لا يفعل خالد ما أمر به، سألت الشريف عمر بن إبراهيم الحسيني بالكوفة عن معنى هذا الأمر فقال كان أمر ـ يعني أبي بكر ـ خالد بن الوليد ان يقتل علياً ثم ندم على ذلك فنهى عن ذلك). والقضية مشهورة عند الفريقين وهم يستدلون فيها بجواز الكلام في الصلاة وان كانوا يقطعون الرواية.

وإضافة إلى السمعاني الذي لا يقوم بأي جرح وردّ لسند الحديث مما يدلّ على صحة ما فيه فقد وردت هذه الحادثة في (شرح نهج البلاغة) لإبن أبي الحديد بتفاصيل أكثر كما أوردها القمي في (تفسيره): (ج2ص158، 159)، والحويزي في تفسير (نور الثقلين): (ج4ص188)، والطبرسي في (الاحتجاج) (ج1ص118 و126) والمجلسي في (بحار الأنوار) (ج29ص127) والسيد هاشم البحراني في (مدينة المعاجز): (ج3ص152) كما وردت في (الأصول الستّة عشر) أصل أبي سعيد عباد الصفري، (ص18) باختصار. و(علل الشرايع) (ص192باب151) وغيرها من الكتب.

وقد وردت هذه الحادثة في هذا الكتب بهذا اللفظ: (أنّ أبابكر وعمر بعثا إلى خالد بن الوليد، فواعداه وفارقاه على قتل عليّ (عليه السلام)، وضمن ذلك لهما، فسمعت ذلك الخبر أسماء بنت عميس (الخثعمية)، امرأة أبي بكر، وهي في خدرها، فأرسلت خادمة لها وقالت: تردّدي في دار عليّ وقولي له: (إنّ الملأ يأتمرون بك ليقتلوك) ففعلت الجارية و سمعها عليّ (عليه السلام) فقال: (رحمها اللّه قولي لمولاتك فمن يقتل الناكثين والمارقين والقاسطين؟).

ووقعت المواعدة لصلاة الفجر إذ كان أخفى، واختيرت للسدفة والشبهة (فإنهم كانوا يغلسون بالصلاة حتى لا تعرف المرأة من الرجل) ولكنّ اللّه بالغ أمره، و كان أبو بكر قال لخالد بن الوليد: إذا انصرفت من صلاة الفجر، فاضرب عنق عليّ.

فصلّى خالد إلى جنبه لأجل ذلك وأبو بكر في الصلاة يفكر في العواقب فندم، فجلس في صلاته حتّى كادت الشمس تطلع يتعقّب الآراء ويخاف الفتنة ولا يأمن على نفسه. فقال قبل أن يسلّم في صلاته: يا خالد! لا تفعل ما أمرتك به ـ ثلاثاً ـ و في رواية أخرى: لا يفعلنّ خالد ما أمرته به).

فالتفت عليّ (ع) فإذا خالد مشتمل على السيف إلى جانبه، فقال له: (يا خالد) ما الّذي أمرك به ؟ فقال خالد: بقتلك. فقال علي: (أوَ كنت فاعلاً) ذلك ؟ فقال: إي واللّه لولا أنّه نهاني لو ضعته في أكثرك شعراً. فقال له علي (ع): كذبت لا أمّ لك، أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لولا ما سبق به القضاء لعملت أيّ الفريقين شرّ مكاناً و أضعف جنداً)

وهذه الحادثة تؤكد على أن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) قد وقف موقفاً معارضاً للسلطة وصل إلى حد اغتياله، ووقف مثل موقفه الإمام الحسن (عليه السلام) ضد معاوية فقد حمل (عليه السلام) المبادئ التي جاء بها جده الأعظم محمد (صلى الله عليه وآله) والتي حطم بها أصنام قريش ومحى جاهليتهم وهذا ما أثار حفيظة معاوية الذي لم يدخل الإسلام إلى قلبه رغم تظاهره به فسعى إلى دس السم إليه والتخلص منه.

ووصلت ذروة المعارضة في عهد الإمام الحسين (عليه السلام) فكان لا بد من الاصطدام المسلح لبقاء روح الإسلام تنبض في الأمة فقام (عليه السلام) بثورته العظيمة التي أحيت الشريعة ورجحت كفة الإسلام من جديد وكشفت أقنعة الكفر والضلال الأموية فقدّم دمه الزاكي ودماء أهل بيته الأطهار وصحبه الأبرار في سبيل إحياء الإسلام وإنقاذ شريعته الغراء.

وعلى هذا النهج سار كل الأئمة الأطهار (عليهم السلام) في تحدّيهم الباطل ومحاربتهم الانحلال والانحراف السلطوي فبقي دورهم فعالاً في حماية الإسلام والتصدّي لانحراف السلطة وهذا ما أقض مضاجع الحكام الأمويين والعباسيين وإشعارهم بخطر الدور الكبير الذي يقوم به أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، فمارسوا شتى وسائل القتل والتشريد والنفي والسجون تجاههم.

وقد زخر عصرهم (عليهم السلام) بالثورات العلوية التي قام بها أبناءهم وبنوا عمومتهم الذين دعوا إلى (الرضا من آل محمد) وهو الإمام المعصوم، وكانت الغاية من رفع هذا الشعار الذي يدل على أحد آل البيت دون ذكر اسمه هو رفع الخطر عن الإمام المعصوم في حالة فشل الثورة وهذا يدل على أن الثوار كانوا مؤيدين من قبل الأئمة (عليهم السلام)

والإمام منهم (عليهم السلام) كان بقدر حرصه على متابعة مجريات الثورة وتحركاتها ومدّها بالأموال ولعن قتلة الثائرين كما سنرى في اهتمام الإمام الصادق (عليه السلام) بثورة زيد بن علي (عليه السلام)، فإنه كان حريصاً على عدم القيام بالثورة المعلنة بنفسه من أجل إكمال مسيرة الإسلام وبقاء روح الشريعة والعقيدة متّقدة في المجتمع فهو يحمل مواريث النبوة ومقاليد الإمامة.

فكانت الثورات مستمرة ومتواصلة في عصرهم ففي عهد الإمام الباقر والصادق (عليهما السلام) قام بالثورة زيد بن علي وابنه يحيى بن زيد وعبد الله بن معاوية بن جعفر بن أبي طالب ومحمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب وأخوه إبراهيم، وفي عهد الإمام الكاظم (عليه السلام) قام بالثورة الحسين بن علي المعروف بـ (شهيد فخ) وأخواه يحيى وإدريس، وفي عهد الإمام الرضا (عليه السلام) ثار زيد بن موسى بن جعفر وثار محمد بن إبراهيم ومحمد الديباج بن الإمام الصادق وإبراهيم بن الإمام الكاظم، وفي عهد الإمام محمد الجواد (عليه السلام) قام بالثورة ابنا عم الإمام الجواد عبد الرحمن بن أحمد ومحمد بن القاسم، وفي عهد الإمام الهادي (عليه السلام) قام بالثورة محمد بن صالح بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب والحسن بن زيد ومحمد بن اسماعيل من أحفاد الإمام الحسن وعبد الله بن عيسى بن الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب وأخوه أحمد.

ونجد في سيرة حياة الإمام الصادق (عليه السلام) مؤشرات ودلائل كثيرة وواضحة على دعمه الثائرين، ولم تقتصر مواقفه مع السلطة على المقاطعة بل تعدّت إلى التحريض عليها ومقارعتها فدعم الثورات العلوية التي قامت في عصره وخصوصاً ثورة عمه الشهيد زيد بن علي وابنه يحيى بن زيد (عليهما السلام)، وكان يشيد بدور هذين البطلين ومن استشهد معهما في الدفاع عن الاسلام ومقارعة الظلم والفساد، فكان (عليه السلام) يصرح بذلك في أكثر من قول منها قوله: (من خرج على هؤلاء ـ يعني بني العباس ـ وقتل فعلي نفقة عياله).

وقد ترحّم على الثوار العلويين حتى الذين لم يدركوه وجاؤوا بعده، فقد ذكر أبو الفرج الأصفهاني في (مقاتل الطالبيين ص290) والمجلسي في (بحارالأنوار) (ج48ص170): (عن النضر بن قرواش قال: أكريتُ جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) من المدينة إلى مكة فلمّا ارتحلنا من بطن مرّ قال لي: يا نضر إذا انتهيت إلى فخ فاعلمني، قلت: أولست تعرفه ؟ قال: بلى، ولكن أخشى أن تغلبني عيني، فلما انتهينا إلى فخ دنوت من المحمل فإذا هو نائم فتنحنحت فلم ينتبه، فحرّكت المحمل فجلس فقلت: قد بلغت، فقال: حُلَّ محملي، فحللته ثم قال: صِل القطار فوصلته، ثم تنحيت به عن الجادة فأنختُ بعيره فقال: ناولني الأداوة والركوة، فتوضّأ وصلى، ثم ركب فقلت له: جُعلت فداك رأيتك قد صنعت شيئاً أفهو من مناسك الحج ؟ قال: لا، ولكن يقتل هاهنا رجل من أهل بيتي في عصابة تسبق أرواحهم أجسادهم إلى الجنة).

وكان كذلك في كل مواقفه من الثورات العلوية فكان يدعمها ويشيد بأبطالها ويترحم ويبكي على شهدائها من أبناء عمومته العلويين ففي (أمالي الطوسي) (ج2ص284) (عن مهزم بن أبي بردة الأسدي قال: دخلت المدينة بعد أن صُلب زيد (رضي الله عنه) فدخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) فساعة رآني قال: يا مهزم ما فعل زيد ؟ فقلت: صُلب. قال: أين ؟ قلت: في كناسة بني أسد. قال: أنت رأيته مصلوباً في كناسة بني أسد ؟. قلت: نعم.)

فالإمام يؤكد على مهزم الخبر لهوله في نفسه وشدة وقعه وألمه فلما أكد مهزم الخبر لم يتمالك الإمام نفسه يقول مهزم:

(فبكى (عليه السلام) حتى بكت النساء خلف الستور ثم قال: أما والله لقد بقي لهم طلبة ما أخذوها منه بعد).

الله أكبر ... وأية طلبة بعد القتل والصلب وقطع الرأس ؟ أية وحشية بعد هذا بقي ولم يفعلوها ؟ قال مهزم: (فجعلت أفكر وأقول أي شيء طلبتهم بعد القتل والصلب) ؟ وأسرها مهزم في نفسه ثم يواصل حديثه: (فودعته وانصرفت حتى انتهيت إلى الكناسة فإذا أنا بجماعة فأشرفت عليهم فإذا زيد قد أنزلوه من خشبته يريدون أن يحرقوه) فقال: هذه الطلبة التي قال لي !!.

كان زيد يعتقد بإمامة ابن أخيه الصادق (عليه السلام) وقد روي عنه قوله: (في كل زمان رجل منّا أهل البيت يحتج اللّه به على خلقه، وحجة زماننا ابن أخي جعفر بن محمد لا يضلّ من تبعه ولا يهتدي من خالفه).

كما كان يعتقد بإمامة الأئمة المعصومين (عليهم السلام) وقد روي عن يحيى بن زيد بن علي قوله: (سألت أبي عن الأئمة فقال الأئمة أثنا عشر أربعة من الماضين وثمانية من الباقين. قلت: فسمّهم يا أبه فقال: أمّا الماضين فعلي بن أبي طالب والحسن والحسين وعلي بن الحسين ومن الباقين أخي الباقر وبعده جعفر الصادق ابنه وبعده موسى ابنه وبعده عليّ ابنه وبعده محمد ابنه وبعده عليّ ابنه وبعده الحسن ابنه وبعده المهديّ ابنه، فقلت له يا أبه لست منهم، قال: لا ولكنّي من العترة، قلت فمن أين عرفت أساميهم! قال: عهد معهود عهده إلينا رسول اللّه صلى الله عليه واله وسلم).

ولهذا حاز زيد مكانة عظيمة في نفوس أهل البيت (عليهم السلام) ولو انتصرت ثورته لسلم الأمر إلى أهله كما يدلنا على ذلك الإمام الصادق (عليه السلام) ففي (اختيار معرفة الرجال) للكشي (ج2ص596): عن فضيل الرسان قال: دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) بعدما قتل زيد بن علي (رحمة الله عليه) فأدخلت بيتاً جوف بيت فقال لي: يا فضيل قُتل عمي زيد ؟. قلت نعم جُعلت فداك. قال: رحمه الله، أما إنه كان مؤمناً، وكان عارفاً، وكان عالماً، وكان صدوقاً، أما إنه لو ظفر لوفى، أما إنه لو مَلَك لعرف كيف يضعها ... )

كان (عليه السلام) ـ وهو وريث الرسالة ـ يرى أن الثورة على الظلم من أصل الجهاد في سبيل الله وأن زيداً كان مثال الثائر الشهيد كما في قوله تعالى: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعداً عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم)، لذا فقد أولى الإمام هذا الجانب عناية تامة فقتال الباغي هو جهاد في سبيل الله كما في حديث رسول الله (إن الله قد كتب على المؤمنين أن يجاهدوا في الفتنة كما كتب عليهم جهاد المشركين معي).

وهذه الشروط قد توفرت في زيد بن علي في ثورته على الأمويين كما يدل على ذلك الحديث المتواتر عنهم (عليهم السلام): (سيكون منا رجل اسمه زيد يخرج ويقتل فلا يبقى في السماء ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا يتلقى روحه ويبعث هو وأصحابه يتخللون رقاب الناس فيقال هؤلاء دعاة الحق).

فلا يفتأ الإمام (عليه السلام) يذكر زيداً ويذكر ما حلّ به، ويصف وحشية الأمويين لإثارة النفوس عليهم، فقد جاء في (أمالي الصدوق) (ص321): (عن حمزة بن حمران قال: دخلت على الصادق جعفر بن محمد (عليه السلام) فقال لي: يا حمزة من أين أقبلت ؟ قلت له: من الكوفة فبكى (عليه السلام) حتى بلّت دموعُه لحيتَه فقلت له: يا ابن رسول الله مالك أكثرت البكاء ؟ فقال: ذكرت عمي زيداً (عليه السلام) وما صُنع به فبكيت. فقلت له: وما الذي ذكرت منه ؟ فقال: ذكرت مقتله وقد أصاب جبينه سهم فجاءه ابنه يحيى فانكبّ عليه، وقال له: أبشر يا أبتاه فإنك تَرِدُ على رسول الله وعلي وفاطمة والحسن والحسين (صلوات الله عليهم) قال: أجل يا بُني ثمَّ دعا بحداد فنَزع السهم من جبينه فكانت نفسه معه فجيء به إلى ساقية تجري عند بستان زائدة فحُفر له فيها ودُفن وأجري عليه الماء، وكان معهم غلام سندي لبعضهم فذهب إلى يوسف بن عمر من الغد فأخبره بدفنهم إياه فأخرجه يوسف بن عمر فَصَلَبه في الكناسة أربع سنين ثم أمر به فأحرق بالنار وذُري في الرياح فلَعَن الله قاتله وخاذله وإلى الله (عز وجل) أشكو ما نزل بنا أهل بيت نبيه بعد موته وبه نستعين على عدونا وهو خير مستعان)

ولا يخفى ما يتركه سرد هذه الحوادث الفظيعة من أثر في نفوس السامعين تجاه السلطة وإشادة واستذكار للشهيد زيد الذي ضحّى بدمه في سبيل الإسلام، فكان (عليه السلام) يدعو الله أن يعطيه ثواب من قاتل مع زيد ويشركه في دماء من قتل من الأمويين ففي أمالي الصدوق (ص286): (عن الفضيل بن يسار في حديث طويل إنه دخل على الإمام الصادق (عليه السلام) فرآه يبكي ودموعه تنحدر على ديباجتي خده كأنها الجُمان، ثم قال: يا فضيل شهدتَ مع عمي قتال أهل الشام ؟ قلت: نعم. قال: فكم قتلت منهم ؟ قلت: ستة. قال: فلعلك شاك في دمائهم ؟ فقال الفضيل: لو كنت شاكّاً ما قتلتهم. فقال الفضيل: فسمعته وهو يقول: أشرَكَنيَ الله في تلك الدماء، مضى والله زيد عمي وأصحابه شهداء مثل ما مضى عليه علي بن أبي طالب وأصحابه.

وفي عيون أخبار الرضا (ج1ص252) عن عبد الله بن سيابة قال: (أن الإمام الصادق (عليه السلام) وصل إليه كتاب فيه خبر مقتل زيد فبكى (عليه السلام) ثم قال: (إنا لله وإنا إليه راجعون عند الله تعالى أحتسب عمي إنه كان نِعمَ العم، إن عمي كان رجلاً لدنيانا وآخرتنا، مضى والله عمي شهيداً كشهداء استشهدوا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلي والحسن والحسين (صلوات الله عليهم)

وفي كشف الغمة (ج2ص204) قال الإمام الصادق (عليه السلام لأبي ولّاد الكاهلي: (أرأيت عمي زيدا ؟ قال: نعم رأيته مصلوباً، ورأيت الناس بين شامت حنق وبين محزون محترق فقال (عليه السلام): أما الباكي فمعه في الجنة، وأما الشامت فشريك في دمه).

وفي أمال الصدوق (ص275) عن عبد الرحمن بن سيابة قال: (دفع إلي أبو عبد الله الصادق جعفر بن محمد (عليهما السلام) ألف دينار وأمرني أن أقسّمها في عيال من أصيب مع زيد بن علي (عليه السلام) فقسّمتها)

فخروج زيد كان لله وللإسلام وانتصاراً لرسول الله (صلى الله عليه وآله) ومن أجل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ورفع الظلم عن رقاب الناس وكان يدعو إلى الرضا من آل محمد كما في قول الإمام الصادق (عليه السلام): (رحمه الله، أما إنه كان مؤمناً، وكان عارفاً، وكان عالماً، وكان صدوقا، أما إنه لو ظفر لوفى، أما إنه لو مَلَك لعرف كيف يضعها ... )

كما يدلنا على ذلك قول الإمام علي بن موسى الرضا للمأمون كما في (عيون أخبار الرضا) (ج1ص248): (إن عمي زيداً كان من علماء آل محمد، غضب لله (عز وجل) فجاهد أعداءه حتى قُتل في سبيله، ولقد حدّثني أبي موسى بن جعفر (عليهما السلام) إنه سمع أباه جعفر بن محمد بن علي (عليهم السلام) يقول: (رحم الله عمي زيداً إنه دعا إلى الرضا من آل محمد ولو ظفر لوفى بما دعا إليه، ولقد استشارني في خروجه فقلت له: يا عم إن رضيت أن تكون المقتول المصلوب بالكناسة فشأنك فلما ولّى قال جعفر بن محمد: ويل لمن سمع واعيته فلم يجبه. فقال المأمون: يا أبا الحسن أليس قد جاء فيمن ادعى الإمامة بغير حقها ما جاء ؟ فقال الرضا (عليه السلام): إن زيد بن علي لم يدَّعِ ما ليس له بحق، وإنه كان أتقى لله من ذلك، إنه قال: أدعوكم إلى الرضا من آل محمد (عليهم السلام) وإنما جاء ما جاء فيمن يدَّعي إن الله تعالى نصَّ عليه ثم يدعو إلى غير دين الله ويضل عن سبيله بغير علم، وكان زيد بن علي والله ممن خوطب بهذه الآية: (وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم)

وكان الإمام الصادق (عليه السلام) يرى ذلك في باقي الثورات العلوية التي قامت على السلطة العباسية فلما علم بقتل يحيى بن زيد بكى واشتدّ وجده به وقال: رحم الله ابن عمي وألحقه بآبائه وأجداده.. وفي رواية أخرى قال: يرحم الله يحيى...

كما كان هذا رأيه (عليه السلام) في محمد بن عبد الله بن الحسن (ذي النفس الزكية) وأخيه إبراهيم كما ينقل أبو الفرج في (مقاتل الطالبيين ص170) عن علي بن عمر قال: سمعت جعفراً يقول بعد لقائه بالمنصور: رحم الله ابني هند ـ أي محمد وإبراهيم ابني عبدالله بن الحسن ـ إنّهما إن كان لصابِرَيْن كريمين، والله لقد مضيا ولم يصبهما دنس)

كما تألم (عليه السلام) كثيرا على ما حل ببني الحسن (عليه السلام) من قبل العباسيين من القتل والتشريد والنفي فلما نفى المنصور عبد الله بن الحسن إلى الربذة بكى الإمام الصادق حتى جرت دموعه على لحيته وقال: (والله لا تحفظ لله حرمة بعد هذا).

وكتب (عليه السلام) إلى عبد الله بن الحسن رسالة يعزّيه فيها ويُصبّرهُ على المصاب الذي جرى عليه وعلى أصحابه ومما جاء في الرسالة: (بسم الله الرحمن الرحيم إلى الخلف الصالح، والذريّة الطيّبة من ولد أخيه وابن عمّه: أما بعد: فلئن كنت قد تفرّدت أنت وأهل بيتك ـ ممّن حُمل معك ـ بما أصابكم، ما انفردت ـ بالحزن والغيظ والكآبة، وأليم وجع القلب ـ دوني ولقد نالني من ذلك من الجزع والقلق وحرّ المصيبة مثل ما نالك ولكن رجعت الى ما أمر الله ـ جلّ جلاله ـ به المتقين من الصبر، وحُسن العزاء، حين يقول لنبيّه (صلى الله عليه وآله): (واصبر لحكم ربك فإنّك بأعيننا). وحين يقول: ( فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت) ...

إلى أن قال (عليه السلام): (واعلم أي عمّ وابن عمّ إن الله ـ جل جلاله ـ لم يُبال بضرّ الدنيا لوليه ساعة قط ولا شيء أحبّ إليه من الضرر والجهد والأذى مع الصبر. وإنه تعالى لم يُبال بنعم الدنيا لعدوّه ساعة قط، ولولا ذلك ما كان أعداؤه يقتلون أولياءه ويخوفونهم ويمنعونهم، وأعداؤه آمنون مطمئنّون عالون ظاهرون، ولولا ذلك لما قتل زكريا واحتجب يحيى ظلماً وعدواناً في بغيّ من البغايا. ولولا ذلك لما قتل جدّك علي بن أبي طالب (عليه السلام) لمّا قام بأمر الله ـ جلّ وعزّ ـ ظلماً، وعمّك الحسين بن فاطمة اضطهاداً وعدواناً).

وربما يتبادر سؤال للقارئ وهو أنه لماذا لم يدع الإمام إلى نفسه ويسعى من أجل الخلافة ما دام يمتلك هذه الشعبية والروحانية في قلوب المؤمنين وخصوصاً أن دعاة العباسيين الأوائل قد دعوا إلى العلويين وأن بني العباس رفعوا شعار يا لثارات الحسين ولولا هذا الشعار لما قامت لهم قائمة ؟

وبدورنا نقول أن هذا السؤال ساذج ولا يقوله إلا إنسان جاهل بتاريخ تلك الحقبة الدموية التي امتلأت بالفتن والمؤامرات وسنستعرض بإيجاز بعض أحداث تلك الفترة التي يستطيع القارئ من خلالها أن يستشف عدة أجوبة لهذا السؤال.

لقد استدعى أبو سلمة الخلال بني العباس وأخفاهم في سرداب بيته في الكوفة وفيهم أبو العباس السفاح والمنصور الدوانيقي وعيسى بن موسى وغيرهم، وقد أخفى أمرهم وتستر عليهم، وكان كل دعاة العباسيين يأتمرون بأمره فهو قائدهم المطاع وسيدهم المتبع، ولما قوي دعاة العباسيين وقوادهم وانتصر قائدهم قحطبة بن شبيب على يزيد بن عمر بن هبيرة الفزاري قائد الأمويين في المعركة التي أطاحت بالدولة الأموية ودخل ابناه الحسن وحميد الكوفة ليسلموا الأمر إلى بني العباس قالوا لأبي سلمة: أخرج إلينا الإمام. فقال لهم أبو سلمة: لم يحن الوقت الذي يجوز فيه ظهور الإمام. وأخفى الخبر عن بني العباس. وعمل جاهداً على نقل الخلافة إلى العلويين وكاتب جماعة منهم فتأخروا عنه وكان ممن كاتبهم الإمام الصادق وعبد الله بن الحسن وعمر بن علي بن الحسين.

وما يهمنا من هذه الكتب هو جواب الإمام الصادق الذي أوضح أهداف هذا الكتاب عندما جاء به الرسول فأدناه (عليه السلام) من السراج وأحرقه وقال له: هذا جوابي على كتابك !

ماذا يستنتج من هذا الجواب ؟ وهل كان الإمام يتهالك ـ حاشاه ـ على خلافة تعمّدت بالدماء والقتل والغدر والمكر ؟

فالإمام هو الخليفة الشرعي من الله وهو حجة الله على خلقه وظل الله في أرضه لا يمكن أن ينتظر من شخص مجهول كأبي سلمة أو غيره لكي يقلده الخلافة، ومن هو أبو سلمة ؟ ومن أعطاه الحق بتسليم الخلافة التي هي حق الإمام وحق آبائه المعصومين وأبنائه المنتجبين ؟

فالإمام (عليه السلام) إذا أراد أن يتسلّم الخلافة فإنه يتسلّمها من الذي يرثها وعلى رؤوس الأشهاد وأمام الجميع ويبايعه جميع الناس كما تسلّمها أمير المؤمنين (عليه السلام) وقد بايعه المهاجرون والأنصار

هذا هو موقف الإمام من الكتاب ومن هذه الخلافة المشبوهة التي تكالب عليها بنوا العباس وقد أوضح ذلك لعبد الله بن الحسن حينما قال له عبد الله: هذا كتاب أبي سلمة يدعوني إلى الأمر ويراني أحق الناس به وقد جاء به شيعتنا من خراسان.

فقال له الإمام الصادق (عليه السلام): (ومتى صاروا شيعتك ؟ أأنت وجَّهت أبا مسلم إلى خراسان وأمرته بلبس السواد ؟ أتعرف أحدا منهم باسمه ونسبه ؟) فقال عبد الله: لا. فقال (عليه السلام): (فكيف يكونون شيعتك وأنت لا تعرف واحداً منهم ولا يعرفونك) ؟.

هذه حكمة الصادق الصدوق من وراء حرق كتاب أبي سلمة، فهو (عليه السلام) تجسيد الإسلام الواضح الذي لا تشوبه شائبة، إنه الإمام الحق الذي ورث علوم الإسلام ومبادئه ومفاهيمه وآياته، فهل تراه يتهالك على خلافة يتنازعها فلان وفلان ويتكالب عليها أمثال المنصور والسفاح وأبي سلمة وغيرهم ؟ حاشاه ثم حاشاه فخلافة الإمام وإمامته ثابتة من الله سبحانه وبنص من رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو حجة على الخلق ليهلك من هلك ببينة وينجو من نجى ببينة.

ثم إن الإمام لا يمكن أن يتقبّل خلافة من أبي سلمة الخلال ولا من غيره فالخلافة في نظر الإمام هي الولاية الإلهية التي تأتي بأمر من الله تعالى فالإمام لم يكن يرى الظهور بالسيف والإنتصار المسلح آنيا كافيا لإقامة دعائم الحكومة الإسلامية فإقامة هذه الحكومة وترسيخها لا يتوقف في نظره على مجرد تهيئة حملة عسكرية بل يتوقف قبل ذلك على إعداد جيش عقائدي يؤمن إيماناً مطلقاً بقضيته ويكون على وعي تام بمشروعية أهدافه الكبيرة ويدعم تخطيطه في مجال الحكم ويحرس ما يحققه للأمة من مكاسب فلا يقوم الإمام بجيش لا يعرف رؤوسه وقادته الذين اتضح أنهم كانوا أصحاب مصالح دنيوية ومآرب سياسية فالإمام لا يخدع بمثل هؤلاء الذين أرادوا أن يجعلوا منه جسراً لتحقيق مآربهم فرفض أن يكون وسيلة لوصول الآخرين إلى الحكم.

أما جواب عمر بن علي بن الحسين لرسول أبي سلمة فكان بقوله: (لا أعرفُ مَن كتبه)

ولنرجع إلى أبي سلمة في بيته وتتابع الأحداث ليرى القارئ بنفسه البون الشاسع بين طهارة الإمام ونقائه وشرفه ونبله وبين خسة بني العباس ودناءتهم وغدرهم ووحشيتهم وحينها سيجيب هو نفسه بنفسه بعد أن يعرف الفرق بين من يحمل صفات الأنبياء وبين من تغلغل فيه رجس الشيطان.

(أحس بنوا العباس بأمر يُدبّر ضدهم وساء ظنهم بأبي سلمة فبعثوا بخادم لهم أسود كان معهم في السرداب وقالوا له: أعرف لنا الأخبار فنقل إليهم الأخبار بأن عسكر قائديهما ابني قحطبة قد دخل الكوفة كله فقالوا له: اخرج وأخبر ابني قحطبة بمكاننا ومرهما بأن يخرجانا من الدار فخرج الخادم وتعرض لحميد بن قحطبة وكان حميد يعرفه فلما رآه أعظم رؤيته وقال ويلك ما فعل سادتنا وأين هم فأخبره بأمرهم فركب حميد مع مجموعة من الجيش وأبو سلمة غافل عنه حتى دخل الدار ودلّه الخادم على السرداب فدخل ومعه مجموعة من الجند وأخرجهم من الدار وسلم الأمر لأبي العباس السفاح.

وكان ابن هبيرة قائد الأمويين يقاتل العباسيين في مدينة واسط ولما سمع بمقتل الخليفة الأموي مروان الحمار آخر خلفاء الأمويين وسقوط دولته رأى أن يدعو لزعيم علوي، فبعث برسالة إلى محمد بن عبد اللّه بن الحسن (النفس الزكية)، ولكنه أبطأ عليه في الرد، ولذا اضطر ابن هبيرة إلى قبول الأمان الذي عرضه عليه أبو جعفر المنصور نيابة عن أخيه أبي العباس، وهذا العهد هو الذي طلب ابن هبيرة من أبي حنيفة أن يقرأه ليتأكد من صحته. فأقر أبو حنيفة بصحته وأنه لا غبار عليه، ولكن السفاح أمر المنصور بقتله، فقال المنصور للحسن بن قحطبة: اقتله. فقال خازم بن خزيمة: أنا أقتله، فدخل عليه في جماعة فقتلوه.

ثم قتل العباسيون أبا سلمة الخلال وأبو مسلم الخراساني وهما من أعظم دعاتهما وقد أرسيا لهم الحكم وأطاحوا بالدولة الأموية بل لم يتورع المنصور الدوانيقي عن قتل عمه عبد الله بن علي وفي ذلك يقول الشاعر أبو فراس الحمداني في قصيدته الشافية الشهيرة:

لا عن أبي مسلمٍ في نصحهِ صفحوا *** ولا الهبيري نجا الحلفُ والقسمُ

ولا الأمانَ لأهلِ الموصلِ اعتمدوا *** فيه الوفاءَ ولا عن عمّهم حلموا

وكان السفاح والمنصور الدوانيقي قد بايعا محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب (ذي النفس الزكية) مرتين على أن يتولى هو الأمر إن نجحت الثورة على الأمويين وبعد نجاح الثورة حرصا على التخلص منه ومن أخيه إبراهيم الذين امتنعا عن البيعة للسفاح أول الخلفاء العباسيين فدعا المنصور بإحضار آل الحسن وأمر بسجنهم ووضعهم في الأغلال وهم: عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، والحسن وإبراهيم ابني الحسن بن الحسن، وجعفر بن الحسن بن الحسن، وسليمان وعبد الله ابني داود بن الحسن بن الحسن، ومحمد وإسماعيل وإسحاق بني إبراهيم بن الحسن بن الحسن، وعباس بن الحسن بن الحسن، وموسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن، وعلي بن الحسن بن الحسن، فحبسهم وجعل السلاسل في أعناقهم وأرجلهم ثم أمر بقتلهم، فقتلوا جميعاً وفي ذلك يقول الشاعر أبو فراس الحمداني:

بئسَ الجزاءِ جُزيتم في بني حسنٍ *** أبوهم العلمُ الهادي وأمهمُ

لا بيعةٌ ردعتكم عن دمائهمُ *** ولا يمينٌ ولا قربى ولا ذممُ

ثم قتل المنصور محمد بن عبد الله بن الحسن (النفس الزكية) وأخاه إبراهيم وقطع رأسيهما، كما أمر بالقبض على أربعمائة ممن شارك في ثورتيهما وعذبهم في الربذة في قيظ الشمس بعد أن قبض على آل علي !!

إن الإمام الصادق (عليه السلام) كان يعرف عدوه جيداً ويعرف مدى وحشيته وغطرسته ومدى استخفافه بالدماء والمقدسات والحرمات، وهو يعلم إنه لو خرج سيقتل لا محالة كما قتل زيد ويحيى ومحمد وإبراهيم وغيرهم، وهو لم يخرج ليس خوفاً على نفسه فهو أشجع الخلق، بل لكي لا تخلو الأرض من حجة وقد ترك الخيار لأصحابه في خروجهم مع زيد بعد أن أخبرهم بنتيجة الثورة مسبقاً فقد ذكر (الكشي) في (رجاله) (ج1ص396) (عن زرارة قال: قال لي زيد بن علي (عليه السلام): وأنا عند أبي عبد الله الصادق (عليه السلام): ما تقول يا فتى في رجل من آل محمد استنصرك ؟ فقلت: إن كان مفروض الطاعة نصرته وإن كان غير مفروض الطاعة فلي أن أفعل ولي أن لا أفعل) فلما خرج قال أبو عبد الله (عليه السلام): أخذته والله من بين يديه ومن خلفه وما تركت له مخرجا.

إن الإمام (عليه السلام) يريد أن يبين لأصحابه وللناس أن الخروج على الظلم من أعظم الأعمال ولكنه مباح وليس بواجب مع غير المعصوم وواجب مع المعصوم رغم أنه كان يحث على الخروج مع زيد. وقد رأينا أن واحدا من أفاضل أصحابه قد خرج مع زيد وقاتل وقتل ستة من الأمويين وهو أبو بصير فكان (عليه السلام) يقول: (من خرج معه ـ أي زيد ـ وقتل فعليّ نفقة عياله) كما حذر أصحابه من سماع واعية زيد ـ أي نداءه واستغاثته ـ وعدم نصرته فقال: (ويل لمن سمع واعيته ولم يجبه).

فالإمام كان دوره القيادي للأمة يملي عليه أن يقف موقف التقية كما كان خطه الرسالي الحق يلزم عليه أن يكون مؤيّداً للثورات العلوية والداعم لها، فلو لم يقف موقفه الأول وخرج على السلطة لقتل، ولو لم يقف موقفه الثاني وعارض الثورات العلوية لأعطى بذلك شرعية للسلطة، فتجلت الحكمة الإلهية في كل أقواله وأفعاله (عليه السلام).

انقر لاضافة تعليق
سراج منير
عراق كركوك
السلام عليكم تقبل الله اعمالكم ونسال الله لكم التوفيق ولو تفضلتم بنشر اخر بحوثات عن القران وجزاكم اله خير091702017-07-21

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
1