جورج جرداق

 

لعلّ أبرز ما يميّز عظماء الخلق الحقيقيين ويجعل منهم منارات في معابر التاريخ المظلمة، على اختلاف الموضوعات التي يخوضون عبابها والأحوال التي تسم مجتمعاتهم، هو التماسك في شخصية كل منهم تماسكاً يشبه ما بين عناصر الكون من تماسك، والتكامل في سيرته بين الروح الكلية التي يلازمها وما حوله من واقع الناس وأحوال الزمان والمكان، مما يكسب هذه الشخصية صفة الشمول، والتنّوع في الوحدة، موازية بذلك ما في الكون من شمولية، وما فيه من وحدة لا تنقضها التنوعات الجزئية، وكأن صاحب هذه الشخصية يرى الكون كله في جملة كيانه، ويعمل تلقائياً على أن يعكس ذاته على مجتمع الناس.

نظرة واحدة يلقيها المرء على الكون الخارجي وأحواله، تكفيه لأن يثق بأن للكون نواميس ثابتة بها قام وبها يستمر.

ألقى ابن أبى طالب هذه النظرة على الكون، فوعى وعياً عميقاً ما في أجزائه من تكافؤ وتكامل، وأدرك أن الموجودات المجزّأة في ظاهرها، متفاعلة متكاملة مُوحدة في جوهرها، وأن ما تباعد منها في الزمن الآني مضموم في وحدة طرفاها الأزل والأبد، وأن عناصر الكون جميعاً مترابطة متساندة، وأن حقوقاً افترضت لبعضها على بعض؛ فهزّه ما رأى وما وعى، ومشى في كيانه، فتحركت شفتاه بما جاش في أعماقه وقال: (ألا وإنه بالحق قامت السماوات والأرض!).

أما وجوه الحق الذي يشير إليه، فهي ما رآه في نواميس الكون من صدق وعدل وثبات.

وأدرك ابن أبي طالب في أعماق ذاته أن المقايسة تصح بين السماء والأرض اللتين قامتا بالحق، والمجتمع الآدمي الذي لا بد له من أن يكون صورة مصغّرة عن هذا الكون القائم على أركان سليمة وثابتة، وأن البشر لا بد لهم من أن يكونوا متعاونين متكافئين، وأن التعاون والتكافؤ فُرضا عليهم لكي يبقوا ويستمروا، فإذا به يطلق هذا الدستور الاجتماعي الذي ينبثق من دستور الكون الكبير، يقول: (... ثم جعل حقوقاً افترضها لبعض الناس على بعض، فجعلها تتكافأ في وجوهها، ويوجب بعضها بعضاً، ولا يُستوجب بعضها إلا ببعض).

هذا القول منبثق من إحساس عليّ بالتعادلية التي تكشف عنها حركة الكون الكبير بعناصره جميعاً، والتي لا بدّ من أن تكون في حركة المجتمع الآدمي ليبقى ويستمر، فحقوق العباد في منطق عليّ يكافئ بعضها بعضاً، أو تكون الفوضى ويكون الفساد فالزوال.

عناصر الكون لا تأخذ إلا بمقدار ما تعطي؛ فالزهرة إذا أخذت من أمها الأرض ما يحييها وينميها ويعطيها عبيراً ولوناً، فلسوف تأخذ الأرض من لونها وعطرها بمقدار ما أعطتها، حتى إذا تكامل انعقادها وبلغت نهاية عمرها أسلمت للأرض ساقها وأوراقها فاستعادت الأرض ما كانت قد منحتها إياه.

والبحر لا يستعيد إلى غمره إلا ما سبق له أن نشره في الفضاء من غيوم، وأسقطه على البرّ من أمطار.

وكذلك الإنسان في حياته الخاصة، فهو لا يحظى بنعمة إلا مقابل نعمة يخسرها. وعن هذا التوازن بين أحوال الإنسان الخاصة والناموس الكوني، يقول الإمام علي قولاً أشبه بالقانون الرياضي الذي لا يقبل تعديلاً أو تأويلاً: (لا تُنال نعمة إلا بفراق أخرى، ولا يستقبل المرء يوماً من عمره إلا بفراق آخر ونَفَسُ المرء خطاه إلى أجله).

أما في الحياة العامة، أو الحياة الاجتماعية، فليس في شؤون الإنسان شأن واحد يشذ عن هذا القانون الذي انتزعه الإمام علي من قانون الكون السرمدي؛ فحقك على مجتمعك أن يقوِّم هذا المجتمع ما تعطيه إياه، ثم أن تأخذ منه بمقدار ما أعطيته، أما إذا حصلت من المكافأة على أقل مما أعطيت، فإن نصيبك عند ذاك ذاهب إلى سواك، وأما إذا أخذت من المكافأة فوق ما أعطيت، فإن نصيب غيرك ذاهب إليك، وإن سواك من الخلق يجوع بما أكلت، وإنك بذلك غاصب ظالم، ووجود المظلوم والظالم في المجتمع مفسدة له ومنقصة في موازين العدالة الاجتماعية.

من هذا المنطلق عالج الإمام الأعظم علي بن أبي طالب أحوال الجماعة في مكانه وزمانه، فعالج منه أحوال كل الجماعات في كل زمان ومكان.

أدرك علي أن اللبنة الأولى في بناء المجتمع السليم، اللبنة التي إن لم تكن هي الأساس فلن يكون هنالك بناء، هي توفير أسباب العيش للجماعة موزعة توزيعاً عادلاً لا غبن فيه. ومن مبادئه التي تكشف عن هذا الجانب الأهم في معنى العدالة الاجتماعية، المبدأ - الأساس نفسه الذي رآه أحد آباء الإنسانية الكبار الشاعر الفيلسوف جان جاك روسو في القرن الثامن عشر، أي بعد عصر الإمام بحوالي ألف ومائتي سنة، ليكون المرتكز في بناء المجتمع العادل، والمبدأ - الأساس نفسه الذي اكتشفه فلاسفة الاجتماع بأوروبا في أواسط القرن التاسع عشر، عندما أعلنوا أن كل ما يصيبه المرء من نعمة فائضة عن حاجته، لا يكون إلا مما اقتطع من حق أهل العوز، وأخذه منهم اغتصاباً.

هذا المبدأ – الأساس، حدّده الإمام علي ورسمه بأقوال تنبثق من نظر واحد، وتتلاقى في مفهوم واحد لمعنى (اللبنة الأولى) التي يُبنى عليها المجتمع العادل، ومنها:

(ما رأيت نعمة موفورة - أي زائدة عن الحاجة - إلا وإلى جانبها حق مضّيع).

(ما مُتّع غني إلا بما جاع به فقير).

(امنع من الاحتكار).

(إياك والاستئثار بما الناس فيه أسوة).

(الفقر في الوطن غربة).

على هذا الأساس يرى الإمام أن يُبدأ بناء المجتمع العادل السليم، وعلى أساس الرعاية الصادقة – الأمينة لهذا المبدأ، تعمل السلطة في نهج علي.

وصاحب السلطان في هذا النهج، هو ذاك الذي انتزع له الإمام علي صورة عن نفسه هو؛ إذ قال: (لو فُقِدتْ شاةٌ في الحجاز أو اليمامة، لشعرت بأنني مسؤول عنها إلى يوم القيامة).

لقد كان إحساس علي بمسؤولية السلطان، وبمعناه، إحساس الأنبياء والفلاسفة وكبار الشعراء الذين يحيون مثلاً سامية وأحلاماً وأشواقاً لا يعرفها سواهم. ومن وحي هذا الإحساس العميق تمثل جهد السلطان الذي عليه أن يعمل كل شيء لخير الجماعة، حتى إذا فعل، قال له هذا القول الذي ينزع به عن أسمى المشاعر وأنبل المسالك: (إذا فعلت كل شيء، فكن كمن لم يفعل شيئاً).

ومما أثبته الإمام في سيرته وأقواله جميعاً، أن الولاية لا تكون إلاّ من الجماعة وفي سبيل الجماعة، وأن من ولي أمر الناس محكوم بمبدأ عام هو العمل لصالح الذين ولّوه أمرهم، والمسلك الذي يؤكد لهم أنه أحدهم، وأنه منهم ولهم لا عليهم. قال الإمام يخاطب الناس بعدما اسُتخلف:

(إنما أنا واحد منكم، لي ما لكم وعلي ما عليكم، والحق لا يبطله شيء. إني، والله، ما أحثكم على طاعة إلا أسبقكم إليها، ولا أنهاكم عن معصية إلا أتناهى قبلكم عنها).

وفي نهجه أن الشورى أولى؛ يقول (من استقبل وجوه الآراء عرف مواقع الخطأ)، وأن للجماعة ملء الحق في أن يطالبوا الوالي بـ(ألا يحتجز دونهم سراً ولا يطوي دونهم أمراً) كما يقول. ومما توجه به إلى الولاة، حيث هم من المكان والزمان، قوله الصريح هذا: (إلزموا السواد الأعظم، فإن يد الله مع الجماعة).

وفي هذا النهج الذي يجعل الجماعة وحدها مصدر السلطة، ويجعل العمل لخير الجماعة غاية هذه السلطة، إرساء لما نسميه اليوم حكم الشعب، أو الديموقراطية.

إذاً، فالمنع من الاحتكار والاستئثار والاستغلال، والحؤول دون حصول النعمة الفائضة عن الحاجة هنا والحرمان هناك، والمساواة المطلقة في ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍الحقوق والواجبات، وإباحة الحرية في التعبير والاختيار في كل ميدان، وترسيخ العلاقة السليمة بين الحاكم والمحكوم على أساس هذه المبادئ، ثم تحصين ذلك كله بالخلقية السليمة وبالمحبة والرحمة، هي أبرز النقاط التي يتألف منها نهج الإمام علي، في بناء المجتمع العادل الفاضل.

الإمام علي، عملاق العقل والقلب والضمير، الذي اخترق بعبقريته حدود كل مكان، وكل زمان، والذي وصفه الفيلسوف اللبناني شبلي الشميّل بقوله: (الإمام علي، عظيم العظماء، نسخة مفردة لم ير الشرق لها ولا الغرب صورة طبق الأصل، لا قديماً ولا حديثاً.. ).

ليكن فخرنا في غدنا كما هو فخرنا في ماضينا، والنظر إلى الماضي شيء من النظر إلى المستقبل.

ما أجدر أبناء هذا الزمان، في كل أقاليم الأرض، هؤلاء الذين يمعنون في التعبد لصنم – وحش هو المال، وينحرون كل القيم تمجيداً له وتعظيماً، ويقدّمون له الضحايا من بؤساء الأرض أفراداً وشعوباً... ما أجدر هؤلاء بأن يَعشوا إلى النهج السليم العظيم المتمثل بسيرة عملاق العقل والضمير وملجأ المحبة والرحمة والحنان، الإمام الأعظم علي بن أبي طالب، وبكل ما فعله وقاله ودوَّنه، وأن يعوه ويطأطئوا رؤوسهم لصاحبه العظيم.

لقد كان علي بخصائصه جميعاً، وسوف يبقى، في كل عقل قويم، وقلب كريم، ووجدان سليم، ففي كل إنسان حقيقي وسويّ شيء من علي‌‍‍‍‍ لا لقوم ولا لدين هو للناس أجمعين..

* مقال منشور في مجلة النبأ العدد 63-شعبان 1422/2001

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

4