عندما كان عمري ست سنوات، أخذني أبي معه، الى مجلس عزاء حسيني ليس بعيدا عن بيتنا، صورة المكان الذي أقيم فيه المجلس أتصورها الآن أمامي، مكان واسع، مفروش بشكل مستطيل، وهناك لافتة عزاء مثبتة على جدار واسع وعالي ومضاء بمصابيح كثيرة، تحت اللافتة منبر عالي مغطّى بقماش اسود ومكتوب عليه أقوال لأهل البيت (ع)، بدأ الرجال يدخلون المجلس، معظمهم يصطحبون معهم أطفالهم.

على غير العادة الاطفال لا تبدر منهم حركات مشاكسة او اصوات، كان الصمت يهيمن عليهم، فترى الحزن يتسلل إليهم مثلما يفرض هيبته على الآباء الكبار، لم يبقَ مكانا فارغا في المجلس، بدأ الصغار (كل يجلس أمام أبيه) ليفسح المجال للرجال الجدد، وصل الخطيب بعمّته البيضاء ولحيته السوداء، كان مهابا كما أتذكره، وبدأ صوته بالاستهلال المعروف للمجالس الحسينية.

أخذ صوته يعلو ويتردد صداه من مكبر الصوت، كان صوته حزينا مؤثرا، وكان الصمت يطبق على الجميع، وشيئا فشيئا، بدأتُ أتخيل نفسي مع أطفال الحسين (ع)، تحاصرهم الخيول والسيوف والرماح والأشرار من كل جانب، يلوذون بالأمهات من أرجل الخيول التي تحيط بهم، ورأيت الخيام وهي تشتعل، شعرت بالعطش والخوف، كان نحيب الرجال في المجلس يتعالى، ورحتُ أبكي بنحيب مسموع عال وأنا أتخيّل نفسي بين الخيام ولهب النيران والدخان والخيول الغائرة، كانت دموعي غزيرة جدا، وعندما انتهى الخطيب وبدأ الدعاء، لم أستطع التوقف عن البكاء، فاضطر أبي النهوض مسرعا، وبقيت أبكي الى أن وصلنا البيت.

هذا المشهد لا يزال راسخا في ذاكرتي، وأستطيع القول، أنه هذبني، وحسّن من أخلاقي، وتعاملي مع طلابي الأطفال في الصف، فكنت ولا زلت أرى الأطفال بحاجة لمساعدة الكبار، وقلما أرى طفلا وهو يعاني من مشكلة ولم أتذكر اطفال زينب عليها السلام، كل طفل يمر بضائقة أمام عيني يذكرني بأطفال الحسين (ع)، ويعيدني الى المجلس الحسيني الذي حضرته في طفولتي مع أبي.

رحل أبي رحمه الله قبل سنوات بعيدة، ولكن ذكرى ذلك المجلس الحسيني المبارك، لم تغادر رأسي قط، وما جعلني أكثر فائدة من ذلك المجلس المبارك، أن عملي طوال حياتي كان ولا يزال ميدانه (تعليم الأطفال)، لا أبالغ اذا قلت أنني أتعامل مع طلابي الصغار، وكأنهم أولئك الأطفال الذين يحتاجون الى مساعدة دائمة، فأتذكر على الفور مشهد أطفال الحسين وزينب (عليهما السلام)، وكيف كانت تغير عليهم الخيول وهي تحمل رجالا كالوحوش مدججين بالسيوف وأسنّة الرماح والدروع والنبال.

وعندما أرى معلما يتعامل بخشونة مع الطلاب، كنت أرفض مثل هذا السلوك رفضا مطلقا، حتى لو أجبرني ذلك الى اتخاذ خطوات حادة تجاه المعلم،كأن أحذره بتقديم شكوى عليه لدى الجهات الادارية المسؤولة، لقد علمني الحسين عليه السلام أن أكون خير معين للأطفال، وأن أتعامل معهم كأولادي تماما، وأن أحميهم من الخشونة مهما كان حجمها، أو مصدرها.

وهذه هي أخلاق الإمام الحسين (ع)، فهو الذي رفض الظلم، وقدم نفسه ودمه وذويه وأصحابه (ع)، دفاعا عن الخير والسلام، هكذا تعلمنا المبادئ الحسينية، وتمت زراعتها في عقولنا وقلوبنا ونفوسنا ونحن صغارا، وانعكس ذلك على سلوكنا، فأصبحنا من أهل الخير بحمده تعالى، شخصيا أعزو الفضل كله الى أبي وهو يصطحبني الى ذلك المجلس المبارك الذي هذبني وشذّب أخلاقي، وجعلني ارى الاطفال المظلومين، وكأنهم أطفال الحسين (ع)، فأدافع عنهم بكل ما أستطيع، وأبعد عنهم كل ما يؤذيهم.

في عالم اليوم، نحن اكثر حاجة الى المجلس الحسيني، واكثر حاجة للأخلاق، فكما نرى أن العالم من حولنا يحترق، وأن سمات البشرية بدأت تتدهور، وأن المادة والصراع والتطرف، والحصول على المال بلا قواعد وشروط، صار هدف الجميع، لذلك بات عالمنا أكثر ميلا للشر، وانتشر الظلم فيه، في المقابل قلّ المدافعون عن المظلومين، لهذا ليس أمامنا سوى أن نتمسك بالحسين وأهل البيت (ع) ومجالسهم المباركة، فيها نجد الخلاص من الظلم.

في ولادة الامام الحسين نستبشر، نأمل، ونفرح، على الرغم مما يحاصرنا الآن من دمار، دائما هناك أمل بأئمة أهل البيت (ع)، على الرغم من أن ملامح البؤس الإنساني تتضاعف من حولنا، وكلما زاد تطور العالم زادت حروبه، وكأن الشر ينزعج من انتشار الخير والسلام، فيشحذ قواه، لينقضّ على الانسان المستقر، فيعبث بمقدراته، وينبش أفكاره، ويبعثر رؤاه، ويخلخل قواعد التقدم التي ينطلق منها الى المستقبل، الشر والمؤيدون له والعاملون معه، لن يتركوا البشرية تعمل كما ترغب، فيدسّ الشر أنفه في كل مكان، ويصنع العُقَد هنا وهناك، كي يجعل البشرية تنشغل بالتطرف أكثر من انشغالها بالأهم.

من هنا نبقى نحتاج الى مدرسة الحسين (ع)، نحتاج الى ذكريات الطفولة الحسينية، فتلك جذورنا التي نستقي منها افكارنا وسلوكنا، لقد شربنا الفكر الحسيني صغارا، وسنبقى كذلك ونحن بلغنا من العمر عتيا، ليس لنا سوى أهل البيت (ع) ملاذا وطريقا يفتح أمامنا نوافذ الخير والمحبة والسلام.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0