قام الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) بدور عظيم بعد أبيه الإمام الصادق (عليه السلام) في حمل راية العلم بتزعمه لمدرسته العظيمة ومواصلة مسيرته العلمية الكبرى والحفاظ على أهدافها ورفد أصحابها بالعلوم وجعلها متواصلة وفاعلة مع المجتمع رغم أساليب القمع والإضطهاد التي واجهها من قبل السلطة العباسية.

فالدور الذي مارسه الإمام الكاظم بعد أبيه جعل من هذه المدرسة حية وفاعلة وزاخرة في حياة الأمة، ودلت الروايات على الدور المشترك الذي قام به الإمام الكاظم بعد أبيه الصادق في إقامة أسس ودعائم علاقة متينة بينها وبين الأمة الإسلامية والسير على نهج أبيه في زعامتها العلمية والروحية.

الإمام الكاظم والمسؤولية الكبرى

وقبل الحديث عن هذا الدور العظيم والمسؤولية الكبرى التي اضطلع بها الإمام الكاظم نرى أنه لا بد من التطرق في الحديث عن هذه المدرسة العظيمة التي أنشأها الإمام الصادق (عليه السلام) وما تركته من أثر كبير وصدى واسع في الأمة الإسلامية، فإن لذلك أهمية قصوى حيث تتجلى فيها المهمة الكبيرة المُناطة بالإمام الكاظم (عليه السلام) في الحفاظ على أهداف هذه المدرسة ومبادئها ودورها الرسالي في المجتمع.

مدرسة الحضارة الإسلامية والإنسانية الشاملة

لم يشهد التاريخ الإسلامي ولادة حضارة إسلامية علمية عظيمة أثرت الفكر الإسلامي والإنساني بأرقى العلوم أعظم من مدرسة الإمام الصادق، فلم تقتصر هذه المدرسة في علومها على العلوم الإسلامية كعلوم القرآن والفقه والحديث وغيرها وإن كانت هذه العلوم من أساسياتها، بل تناول التدريس فيها مختلف العلوم والأبحاث، فكانت مدرسة علمية موسوعية شاملة بحق ضمت علوم التفسير، والفقه، والحديث، وعلم الكلام، والجدل، والأنساب، واللغة، والشعر، والأدب، والكتابة، والتاريخ، والفلسفة، والكيمياء، والفلك، وأصول الآداب، والقيم الإجتماعية، ومكارم الأخلاق، والإصلاح الشامل في كل ميادين الحياة.

وقد تخرج منها آلاف العلماء الذين كان منهم بُناة الحضارة الإسلامية والإنسانية وحاملوا ألويتها، وقد تزعم الإمام الصادق هذه المدرسة وأرسى دعائمها على أسس علمية متينة غنية بالعمق الفكري وسعة المنهج العلمي، يقول ابن شهرآشوب في المناقب: (نقل عنه ـ أي عن الإمام الصادق ـ ما لم ينقل عن أحد)، وقال المفيد في الإرشاد: (لم ينقل العلماء عن أحد من أهل بيته ما نقل عنه، ولا لقي أحد منهم من أهل الآثار ونقلة الأخبار، ولا نقلوا عنه ما نقلوا عن أبي عبد الله الصادق، فإن أصحاب الحديث قد جمعوا أسماء الرواة عنه من الثقاة على اختلافهم في الآراء والمقالات فكانوا أربعة آلاف رجل)، وقال المحقق الحلي في المعتبر في شرح المختصر: (انتشر عن جعفر بن محمد من العلوم الجمة ما بهر به العقول).

مصدر فخر العلماء

وتتجلى لنا عظمة الإمام الصادق في أن أرباب العلوم كافة يفتخرون بأنهم تعلموا منه، قال الطبرسي في إعلام الورى: (تضافر النقل بأن الذين رووا عن أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق من مشهوري أهل العلم أربعة آلاف رجل)، ويقول محمد أبو زهرة المصري وهو من علماء الأزهر في كتابه الإمام الصادق (ص66): (ما أجمع علماء الإسلام على اختلاف طوائفهم في أمر كما أجمعوا على فضل الإمام الصادق وعلمه، فأئمة أهل السنة الذين عاصروه تلقوا عنه وأخذوا، أخذ عنه مالك، وأخذ عنه أبو حنيفة واعتبره أعلم الناس)، ولأبي حنيفة قولته المشهورة (لولا السنتان لهلك النعمان) فهو يعترف ويفتخر بهذه المقولة أن سبب شهرته العلمية هي من فضل السنتين التي درس فيهما عند الإمام الصادق.

آثار المدرسة

وقد تناول الإمام الصادق في محاضراته ودروسه جميع العلوم الإسلامية والعلوم الأخرى، كما تناول الآداب والقيم الإجتماعية، فخرّجت هذه المدرسة كبار علماء الإسلام في شتى المجالات الذين تتلمذوا على يديه والذين أغنوا الفكر الإسلامي بتآليفهم، ففي علوم القرآن ألّف تلميذه أبان بن تغلب كتابي (معاني القرآن) و(القرآن)، وفي العقائد ألف تلميذه المفضل بن عمرو كتاب (التوحيد)، وفي الأصول ألف تلميذه هشام بن الحكم كتاب (الألفاظ) وغيرهم مما لا حصر لهم، وكلهم تعلموا منه وأخذوا عنه، وقد سئل أبو حنيفة: من أفقه من رأيت ؟ قال: جعفر بن محمد، ويقول ابن حجر في صواعقه: (نقل الناس عن جعفر بن محمد من العلوم ما سارت به الركبان وانتشر في البلدان).

طريقة الإمام في التدريس

وكان للإمام الصادق طريقته الخاصة في التدريس والتي تجذب وتحبب طلاب العلم إلى الإستزادة من العلوم وسرعة هضمها إضافة إلى ما يتمتع به من أخلاق عظيمة في التعامل مع طلاب العلم، وعن طريقة الإمام الصادق في التدريس يقول المستشرق دونالدسون: (إن طريقة الإمام الصادق في التدريس كانت سقراطية، فهو يأخذ المتلمذين بالحوار والمحادثة ويتدرج في الموضوعات الساذجة إلى المسائل المركبة والمطالب المعقدة والأسرار الغامضة).

وقد أولى الإمام الصادق علوم القرآن عناية فائقة، حيث لا يستغني أي مفسّر عن الإسترشاد بأقواله في إيضاح غوامض القرآن وكشف حقائقه، كما عُني بالفقه حتى أخذ عنه كل علماء وفقهاء عصره، كما عُني بالفلسفة، فقام بأعظم دور في تفنيد الأباطيل المعادية للإسلام، وإزالة الشكوك والشبهات، وكشف القناع عن الحقائق، وكان له مناظرات كثيرة مع الملحدين دحض فيها أباطيلهم وشكوكهم، كما أولى الجوانب العلمية الأخرى أهمية كعلم الكيمياء وبرز من تلاميذه أعظم عالم كيمياء في تاريخ البشرية، وهو جابر بن حيان الذي يقول عنه برتلو في كتابه (الكيمياء عنه العرب) والذي طبع في باريس: (إن اسم جابر ينزل في تاريخ الكيمياء منزلة اسم ارسطو في تاريخ المنطق)

فروع المدرسة

وقد اتسعت هذه المدرسة وضمت عشاق العلم بمختلف صنوفه، فوفدوا من جميع الأقطار الإسلامية على المدينة المنورة للإلتحاق بمدرسة الصادق، يقول عبد العزيز سيد الأهل عن الذروة العلمية التي بلغته هذه المدرسة: (وأرسلت الكوفة والبصرة وواسط والحجاز إلى جعفر بن محمد فلذات أكبادها).

وأدى انتشار العلم من هذه المدرسة ورجوع العلماء إلى بلادهم إلى افتتاح فروع لها في كل هذه البلاد وغيرها وقد استمدت هذه الفروع علومها من المركز الذي كان يقوده الإمام الصادق في المدينة، وأعظم هذه الفروع بعد المدينة هو (مدرسة جامع الكوفة) الذي التحق به كبار تلاميذ الإمام الصادق والذي يقول عنه الحسن بن علي الوشاء: (أدركت في هذا المسجد تسعمائة شيخ كل يقول حدثني جعفر بن محمد).

الإستقلال عن السلطة

ومن أهم مميزات هذه المدرسة أنها تميزت باستقلاليتها عن السلطة وعدم خضوعها لسياسة الدولة، كما كان لهذه المدرسة فضل السبق على كل المدارس من المذاهب الأخرى في وضع أصول الإجتهاد والإستنباط في الفقه وتحرير مباحثه.

وقد فرضت شخصية الإمام الصادق العلمية والفكرية والأخلاقية سلطتها الروحية على قلوب الطلاب، فأصبح كل منهم يفتخر بأنه من تلاميذه، يقول المؤرخ الهندي الكبير مير علي: (ولا مشاحة أن انتشار العلم في ذلك الحين قد ساعد على فك الفكر من عقاله فاصبحت المناقشات الفلسفية عامة في كل حاضرة من حواضر العالم الإسلامي، ولا يفوتنا أن نشير إلى أن الذي تزعم تلك الحركة هو حفيد علي بن أبي طالب المسمى بالإمام جعفر والملقب بالصادق، وهو رجل رحب أفق التفكير، بعيد أغوار العقل، ملم كل الإلمام بعلوم عصره، ويعتبر في الواقع أول من أسس المدارس الفلسفية المشهورة في الإسلام، ولم يكن يحضر حلقته أولئك الذين أصبحوا مؤسسي المذاهب فحسب، بل كان يحضرها طلاب الفلسفة والمتفلسفون من الأنحاء القاصية).

مدرسة أهل البيت

وهناك نقطة مهمة يجب إيضاحها حول هذه المدرسة، وهي أنه بسبب هذه المدرسة التي أنشأها الإمام الصادق، والتي اتسعت على يديه وانتشر العلم فيها ومنها في البلاد الإسلامية في عهده، قد أُطلق مصطلح المذهب الجعفري أو الفقه الجعفري على ما أفرزته من علوم، وفي الحقيقة أن هذه المدرسة ليست مدرسة الإمام الصادق فحسب، بل هي امتداد لمدرسة أبيه وجده، وهي مدرسة أئمة أهل البيت (عليهم السلام) التي استقت علومها من باب مدينة علم رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام).

وكان السبب في انتشار علومها بهذه الكثرة راجع إلى الظرف السياسي الذي عاشه الإمام الصادق والذي ساعد على نشر علوم أهل البيت، فقد عاش الإمام الصادق فترة ضعف الدولة الأموية ومن ثم انهيارها وسقوطها بيد العباسيين الذين انشغلوا بتصفية خصومهم الأمويين والتخطيط لدولتهم الجديدة مما ساعد على ظهور فسحة من الحرية وحالة من التوسع والإنتعاش وفترة من التخلص من قيود وضغط الحكام واضطهادهم لفكر أهل البيت، فوجد الإمام الصادق في ذلك أن الفرصة سانحة المجال لإداء رسالته الصحيحة، فقام بواجبه في نشر الثقافة الإسلامية وتعليم المجتمع نظم ومفاهيم ومبادئ الإسلام الصحيحة، فأسس هذه المدرسة العظمى التي أعادت إلى الإسلام روحه.

فمدرسة الصادق هي مدرسة أمير المؤمنين وهي مدرسة الباقر والكاظم والرضا وكل الأئمة المعصومين (عليهم السلام)، ولو تتبعنا تاريخهم وعلومهم وما نقلته الروايات عنهم، لوجدنا أن منبع علمهم واحد ودورهم مشترك ومتلاحم ومترابط في تثقيف الأمة، وكلهم قاموا بنهضة فكرية وعلمية رغم جو الإضطهاد الذي مارسته السلطات، وقادوا ثورات علمية ضد سياسة التجهيل التي قادها الأمويون والعباسيون، كما سنرى في الدور العظيم الذي قام به الإمام الكاظم في حمل راية أبيه العلمية ومواصلة مسيرته الفكرية بعده رغم الأخطار التي واجهها والظلم والإضطهاد الذي تعرض له من قبل حكام بني العباس، والمدة الطويلة التي قضاها مظلموماً في سجن هارون.

الرقابة العباسية على الإمام الكاظم وسياسة الإرهاب

ونجد من الضروري أن ننوّه ونؤكد على أن الفترة التي تولّى فيها الإمام الكاظم الإمامة تختلف تماماً عن الفترة التي تولّى فيها الإمام الصادق من ناحية الجو السياسي، فبعد أن قضى العباسيون على الأمويين تماماً التفتوا إلى العلويين الذين لولاهم لما وصلوا إلى الحكم بعد أن رفعوا شعار (يالثارات الحسين)، فارتكبوا بحقهم أضعاف ما ارتكبه الأمويون من الجرائم وضيّقت السلطة العباسية على الشيعة في زمن الإمام الكاظم وطاردتهم وقتلتهم.

وتدلنا رواية الشيخ المفيد في الإرشاد على مدى الرقابة الصارمة والشديدة التي مارسها بنوا العباس على الإمام حيث يقول في (ص272): (قال هشام بن سالم ـ وهو أحد أصحاب الإمام ـ: كنا بالمدينة بعد وفاة جعفر الصادق فقعدنا في بعض أزقة المدينة، فنحن كذلك إذ رأيت شيخاً يومئ إليّ بيده، فخفت أن يكون عيناً من عيون أبي جعفر المنصور، وذلك أنه كان له بالمدينة جواسيس على من يجتمع إليه الناس بعد الصادق، فيؤخذ فتضرب عنقه).

كانت تلك الأساليب القمعية والوحشية وغيرها من الأساليب هي محاولات للحد من انتشار الفكر الشيعي، وإنهاء دور أئمة أهل البيت في حياة الأمة، وقد عانى كل أئمة أهل البيت من هذه المحاولات الدنيئة التي كان هدفها إحداث قطيعة بين الشيعة والتواصل مع أئمتهم، وكان الإمام الكاظم يحرص أشد الحرص على حياة أصحابه في ذلك الجو القمعي، ويأمرهم بكتمان الإتصال به عن الناس، حيث يروي المفيد أيضاً في نفس الكتاب والصفحة أنه: (ذات مرة جاء أحدهم يسأل الإمام الكاظم كما كان يسأل أباه، قال له الإمام: سل تخبر ولا تذع فإن أذعت فهو الذبح).

وهذه الرواية لا تحتاج إلى توضيح على مدى سياسة الإرهاب العباسي التي مُورست ضد الشيعة، فكان الإمام يختار لهم أوقاتاً معيّنة للإتصال به بعيداً عن أنظار السلطة وجواسيسها كما يروي الكليني في الكافي حيث يقول: (سأل أحدهم الإمام موسى بن جعفر الكاظم عن مسألة فقال: إذا هدأت الرِجل وانقطع الطريق فأقبل ....)

المخاطر والصعوبات والتحدي

ورغم كل هذه الأساليب القذرة التي مارسها العباسيون فإن الإمام الكاظم قام بدوره العظيم في قيادة الأمة وتحمل أعباء الإمامة وواصل السير على نهج أبيه في مسيرته العلمية، حيث رجع إليه أصحاب أبيه في أخذ معالم دينهم منه فكانوا يجتمعون عنده ويستمعون إلى علومه ودروسه ويدونونها في سرية تامة، ويروي المجلسي في بحار الأنوار (ج12ص278) طريقة اجتماع الشيعة بإمامهم الكاظم والتزود منه في ذلك الجو الرهيب فيقول: (كان جماعة من خاصة أبي الحسن موسى الكاظم من أهل البيت وشيعته يحضرون ومعهم في أكمامهم ألواح أبنوس لطاف، وأميال فإذا نطق أبو الحسن بكلمة وأفتى في نازلة أثبت القوم ما سمعوا في ذلك).

ونلاحظ إضافة إلى المخاطر التي عرّضوا أنفسهم لها بذلك الإجتماع المصاعب التي واجهوها في تدوين حديث الإمام، فالألواح التي يضعونها في أكمامهم من الأبنوس الأسود لا تكفي لكل ما يقوله الإمام، كما أن كمية الأميال ـ وهي شبيهة بالطباشير ـ والتي يجلبونها معهم لا تسد حاجتهم في كتابة كل ما يقوله (ع)، ولعلهم يتناوبون في الكتابة ثم تعرض هذه الألواح على الجميع ليقرأ الجميع كل ما قاله الإمام.

إشراقات الكاظم تضيء البلاد

ورغم كل هذه الصعوبات والمخاطر فقد انتشر علم الإمام بين الناس كثيراً حيث قام أصحابه بهذه المهمة، فألف الحسن بن علي بن يقطين كتاب (مسائل موسى بن جعفر)، وكذلك بكر بن الأشعث، وقد روى عنه (ع) الكثير من أهل بيته وشيعته، منهم أخوه علي بن جعفر الذي كان شديد التمسك به والإنقطاع إليه، وقد روى عنه الكثير من المسائل كما روى عنه ولده عبد الله بن موسى بن جعفر، ومن الذين رووا عنه محمد بن عمير والحسن بن بشار المدائني وغيرهم وقد أورد النجاشي في كتابه (الرجال) طائفة كبيرة من أصحاب الإمام الذين رووا عنه، كما أورد الطوسي في (الرجال) أيضا أسماء (46) رجلاً ممن رووا عن الإمام الكاظم وأورد عن بعضهم معلومات لها أهميتها لمن يدرس جهود الإمام الكاظم ميدان العلم.

ولم يتقتصر نشره للعلم على أصحابه في تلك الظروف الصعبة والشديدة الخطورة بل إن أنوار علومه اخترقت جدران سجنه، فقد روى النجاشي في كتابه (الرجال ص319) ما نصه: (كان إبراهيم المروزي، مؤدب أولاد السندي بن شاهك الذي أوكلت له رقابة موسى بن جعفر الكاظم في السجن ببغداد، يروي الحديث عن موسى الكاظم (عليه السلام) وألف كتاباً ضمنه ما سمعه من أحاديث الإمام وهو في السجن).

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2