كساعة الموت لا تحتمل أي تأجيل، هكذا هي ساعة خروجنا من المنزل، الرابعة صباحا... السير باتجاه الطرق الخارجية، السيارة على بعد اكثر من ثلاثين كيلو مترا، الوجهة غير معروفة، السبب الهروب من الموت والنزوح باتجاه المناطق الآمنة، هذا جُل ما نعرفه عن رحيلنا ليوم غد.

وحان الرحيل ودقت نواقيس القلوب الخائفة من المصير المجهول، الجميع يدعون ان تطول عتمة الليل وتبقى الشمس خلف قناع الأفق نائمة، لكن الكون يدور دون توقف واجسادنا تدفعها ردة فعل الخوف من السبي والقتل.

اخذت الشمس تنثر خيوطها في الأفق، والظلام هرب ولم يترك أي اثر، والخوف قد بدا كسحابة انتشرت بين ملامح الأحبة، لكن لم يبقَ سوى مئات الأمتار ونصل الى نقطة الأمان حيث السيارة متوقفة بانتظارنا.

عيناي تحدقان نحو الخلف وتنظران بألم الى ما تركنا وراءنا، وفي داخلي نداء هل سنعود، هل الحزن في داخلي سيقل يوما، هل من الممكن ان أتأقلم مع مكاني الجديد الذي لا يعلمه إلا الله.

سارت السيارة بين الصحاري تارة وبين الوديان تارة، تحمل فيها أشخاصا يفوق استيعابها بكثير، لكن القلوب الخائفة تحتاج لمن يأويها ويحتضنها، وها قد تلاحمت العوائل في تلك السيارة، بعد ان احتضنوا خوفهم كاحتضان طفل صغير، يتضرعون الى الله ان يصلوا بسلام الى مدينة الحسين...

هل الذي اسمعه صدقا؟ هل سيوصلنا السائق الى كربلاء؟ هل حلمي سيتحقق؟ هل سأقطن تلك البقعة المباركة؟ هل استجاب الله دعائي؟

تجيبني أمي "نعم سيوصلنا السائق الى كربلاء".

في لحظة تبدلت دموع الحزن الى فرح واليأس الى امل، والخوف من السير نحو المجهول الى السير الى الجنة.

أخي يسأل السائق.. هل هي مكان امن؟

فيجيبه نعم انها من اكثر المناطق الآمنة، وسيتم توفير مأوى مناسب لكم في الحسينيات.

سكت الجميع وبدت ملامح الطريق السريع المؤدي الى كربلاء بالظهور، والفرح اخذ يعم قلبي ويصبح اكثر اتساعا، حتى بدت السعادة واضحة على تعابير وجهي وتصرفاتي.

لم يؤثر عليه ضيق المكان وتبدل الحال ولم اشعر باليأس والتذمر بسبب الظروف القاسية وضيق المكان كباقي من حولي، فأخذ الجميع يسألوني لمَ انت سعيدة هكذا، ألا ترين حالك من منزل كبير وغرفة جميلة وطعام وشراب براحة وطمأنينة الى قاعة تأوي عشرات العوائل، وتنامين في فراش خلف باب في الطابق الثالث، وطعام يُعد بمشقة ؟؟.

لكني التزم الصمت، منتظرة ان تكتمل سعادتي، وها قد بدأت ملامحها بالظهور، فمع بداية الزحف سيرا نحو الحسين ذهبت للتطوع في خدمة الزائرين في إحدى المفارز الطبية القريبة من الامام عليه السلام.

حلم طالما حلمت به وطالما راودني، ففي كل عام كنت أأتي به الى كربلاء، كنت ادعوا من الله ان يجعلني من خدمة الحسين في مكان قريب من الامام، لكن بُعد السكن كان عائقا لعدم تمكني من نيل هذا الشرف، حتى أصبحت اكرر هذه الدعوة بشكل تلقائي من كثرة اعتيادي على قولها في كل مكان مقدس وطاهر اذهب اليه، لكن ما حصل من تهجير وان كان مؤلما وقاسيا لكنه كان سببا في تحقيق حلم طالما راودني، وجعلني أنال شرف لا يناله إلا ذو حظ عظيم، ألا وهو خدمة الحسين وزوار الحسين.

استقرت أوضاع مدينتنا تقريبا، وعاد ابي وامي وبعض اخوتي الى سكناهم، التي دمر الدواعش بعضها واحرق بعضها الاخر، لكني رفضت العودة معهم وانتقلت للعيش مع اخي الذي استقر في كربلاء، لكي أبقى في جوار الحسين وأُكتب من خدام الحسين.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0