في ظل الظروف السيئة التي يشهدها العالم المعاصر وبالخصوص العربي حيث إنقلاب المفاهيم الأخلاقية والإنسانية والدينية والوطنية، وضياع البوصلة والأهداف والقيم والكرامة والحرية ومقاومة المعتدين، وإشغال شعوب المنطقة المحرومين من حقوقهم الوطنية - ومنها المشاركة في تقرير المصير وتنمية أوطانهم - في دوامة النعرات الطائفية والمذهبية البغيضة، وجعلهم حطبا لحروب عبثية على حساب القضايا الكبرى كـ العدالة والحرية والتعددية، وذلك من قبل الحكام الظالمين.

أصبحت الحاجة ملحة للإصلاح الشامل والتغيير والنهوض لبناء مجتمع واع يملك القدرة على مواجهة التحديات والمخاطر، والبداية تكون من خلال الإهتمام بدائرة الأسرة الواعية الناشطة المتصدية المطالبة بالحقوق فهي نواة المجتمع لبناء الفرد الواعي والحر والشجاع والصالح والمقاوم للإستبداد والفساد، والأهم وجود القدوة داخل الأسرة القادرة على صناعة الفرد الناجح وهي المرأة الواعية والحرة التي لا تسكت عن الظلم.

السيدة فاطمة الزهراء -عليها السلام– هي أفضل شخصية استطاعت أن تؤثر في التاريخ لغاية اليوم، وتصبح عبر العصور قدوة ملهمة وعنوانا للبطولة والصمود والصلابة والنهوض، وشعارا للمظلومية التي تحطم عروش الظالمين. فبإسمها قامت الثورات وشيدت دول وحضارات كـ الدولة الفاطمية، وكذلك الجامعات مثل جامعة الأزهر منذ مئات السنين، ومازالت تؤثر رغم شهادتها ورحيلها السريع من الدنيا في عمر 18 عاما فقط.

السيدة الزهراء (ع) شخصية عظيمة ومتميزة، ليس فقط من ناحية النسب الطاهر العظيم والمفخرة والشرف والمنزلة الرفيعة بأن والدها خير الخلق وسيد الأنبياء والمرسلين الرسول الأعظم محمد (ص)، وبعلها أميرالمؤمنين الإمام علي أبن أبي طالب (ع)، وليس لانها والدة ريحانتي وسبطي رسول الله الحسن والحسين (ع)، والأم لجميع أحفاد الرسول (ص) لكل من يقول جدي رسول الله (ص). بل لأنها شخصية كاملة حسب المعايير الإلهية والنبوية وما العجب وهي بضعة الرسول (ص)!!. حيث قال عنها والدها سيد الكائنات (ص): «إنما فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني». وقال: «فاطمة بضعة مني من آذاها فقد آذاني ومن أذاني فقد آذى الله». وقال: «نور ابنتي فاطمة من نور الله عز وجل». وقال: «خلق الله عز وجل نور فاطمة فزهرت السماوات السبع والأرضون السبع ومن أجل ذلك سميت فاطمة الزهراء». وقال: «إنّ الله اصطفى على نساء العالمين أربع: آسـية بنت مزاحم، ومريم بنت عمران، وخديجـة بنت خويلـد، وفاطمـة بنت محمّـد». وقال (ص): «فاطمة سيدة نساء العالمين». إنها سيدة عالمة وشخصية قيادية أشبه الناس خلقا وخلقا ومنطقا بوالدها (ص)، والأكثر معرفة وعلما ودراية بتفاصيل الرسالة إذ إن الوحي جبرائيل -والملائكة- ينزل على والدها في المنزل الذي تعيش فيه تسمع وترى.

السيدة فاطمة الزهراء -عليها السلام- شخصية إنسانية تاريخية مؤثرة لكل البشر ولكل العصور لا تقارن بأي شخصية أخرى، سعت أن تنهض بالإنسانية عبر تقديم أروع الأدوار في صلابة المواقف للمطالبة بالحقوق، وذلك من خلال دورها ونضالها ومواقفها في فترة عمرها القصيرة من الناحية الزمنية حيث حطمت كل مقاييس القوة والتأثير للشخصية من خلال العمر أو بنوعية الجنس -ذكر وانثى- أو باللون أو بالعرق أو بالنسب أو المنصب، بل أثبتت الزهراء (ع) ان الإنسان -امرأة أو رجل– قادر على تحقيق رسالته وأهدافه والإصلاح عبر صموده وصبره وإصراره وصلابة مواقفه عبر التمسك بحقه وقضيته، وعدم التنازل بتبريرات باسم سياسة المصلحة التي لا تتفق مع القيم والمبادئ والحقوق.

لقد قدمت السيدة الزهراء (ع) أنموذجا حول أهمية دور الإنسان في مجال الإصلاح والمطالبة بالحقوق ومقاومة المعتدين والتضحية، وقدرة المرأة على هز عروش الظالمين، وصناعة جيل يتصف بالوعي ويعشق الحرية ويؤمن بالتغيير ومقاومة التحديات والظالمين، ويرفض الذل والهوان والتخلف والاستسلام.

وما أحوج أفراد الأمة في هذا العصر ضياع البوصلة أن يتعرفوا على حقوقهم والمطالبة بها وعدم السكوت أمام من يعتدي عليها مهما كان موقعه ومعتقده مادام بعيدا عن تطبيق العدالة. وفي هذا الزمن ما أحوج الأمة للمرأة الواعية بحقوقها وحقوق أبنائها -فهي الأم والمدرسة لتربية الأبناء على الكرامة والتضحية-، أن تنتهج منهج السيدة فاطمة الزهراء (ع) وتسير على مسارها وتجعلها قدوة في طريق المطالبة بالحقوق وقول الحق ونصرة المظلوم والصبر والصمود، فهو طريق الحرية والعزة والكرامة؛ ومن المستحيل أن يتمكن اي طاغية من النيل من شعب تربى على الكرامة والتضحية والثورة.

إن حياة السيدة فاطمة الزهراء (ع)، مليئة بالعطاء والتضحية والصمود والنهضة، فينبغي على كل إنسان حر شريف ثائر ضد الظلم والفساد والإستبداد الاستفادة العملية من حياتها وإحياء أمرها ونهضتها الخالدة، فهي نور وشعاع للحق والعدالة وللقيم وللروح والعقل، ولكل إنسان يتضامن مع نهضتها التي أثرت في أصحاب الضمائر الإنسانية الحية، ولمن يسير على منهجها للمطالبة بالحقوق والإصلاح وتقديم التضحيات. وستبقى معالم نهضة السيدة الزهراء (ع)..، حية خالدة شاهدة على بطولتها وصمودها وتضحيتها للمطالبة بالحقوق ورفض الظلم، ولتكون الصوت الخالد للعدالة ومدرسة للقيم، وبوصلة للحق في زمن الضياع.

إن الدفاع والتضامن مع كل مظلوم ومضطهد ومعتقل وبالخصوص النساء اللاتي يتعرضن للاعتقال والانتهاك و.. في اي مكان وزمان هو موقف إنساني وديني نبيل ونصر كبير للحرية والكرامة، وتحية إكبار لأمهات وزوجات وبنات وأخوات النشطاء المطالبين بالحقوق وتحقيق الإصلاح، ومنهم المعتقلين وكذلك الشهداء الذين تم قتلهم ظلما لمجرد التعبير عن الرأي أو المشاركة في إحتجاج سلمي.

السلام عليك يا سيدتي يا سيدة نساء العالمين، ويا حبيبة وبضعة الرسول الأمين، وزوجة إمام المتقين، وأم الحسن والحسين، السيدة فاطمة الزهراء.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1