مفهوم المحاسبة الدورية للولاة والمحاسبة النهائية يوم القيامة. كما حثّهم على «محاسبة النفس قبل الحساب» ويؤكد بهذا أن تولّي الحكم ليس ترفاً بل أمانة ثقيلة. تجلت عدالة الإمام علي بشدة محاسبته لكل مقصر مهما علا منصبه. وبذلك أصبحت ولاية الإمام علي مدرسة للعدالة الاجتماعية الحقة، التي تجمع بين...
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على اشرف الانبياء والمرسلين سيدنا محمد المصطفى الامين وعلى اله الطيبين الطاهرين لا سيما خليفته ووصيه علي امير المؤمنين.
قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَميعاً بَصيرا) النساء: 58
مقدمة
تعتبر العدالة الاجتماعية من أبرز القيم الإنسانية التي تسعى الأمم لتحقيقها، كونها تشكل الأساس المتين الذي يُبنى عليه استقرار المجتمعات ورفاهها. في عالم اليوم، تتعدد النظريات والأنظمة التي تطمح إلى تحقيق هذه العدالة، لكن مع تباين التوجهات الفكرية والتاريخية تبرز الحاجة إلى نموذج واقعي يدمج بين الأصالة الفكرية والتنفيذ العملي الناجح.
من بين الأعلام الذين خدموا هذا المبدأ وتبنينه في واقعهم السياسي والاجتماعي، نجد الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام الذي كان سبّاقًا في طرح مفهوم العدالة الاجتماعية ليس من منطلقات مثالية فقط، بل من خلال تطبيقاتها الواقعية في الحكم والسياسة. فالإمام علي عليه السلام أسس لنموذج حكم إنساني، جمع بين العدالة والرحمة، وفصل بين السلطات على أساس من المساواة والعدالة في الحقوق والواجبات. وتعد تجربته في هذا المجال فريدة، حيث لم يكن يقتصر تطبيق العدالة في إدارته على المجال السياسي فقط، بل شملت جميع جوانب الحياة: الاقتصادية، الاجتماعية، والعقائدية.
يتناول هذا البحث دولة الإنسان في فكر الإمام علي عليه السلام ومفاهيم العدالة الاجتماعية من خلال دراسة نصوصه، بخاصة من كتاب نهج البلاغة والمصادر الحديثية الأخرى التي تتحدث عن فكره في الحكم والإدارة، ليكشف لنا كيف تمكّن هذا الإمام من توظيف العدالة الاجتماعية في دولته رغم التحديات السياسية والاجتماعية التي واجهها.
وسوف نرتب البحث من خلال جهات بحثية:
الجهة الاولى: الأسس الفكرية للدولة في فكر الإمام علي عليه السلام
1. الإنسان محور الدولة
في فكر الإمام علي عليه السلام، يُعتبر الإنسان هو الأساس الذي تقوم عليه الدولة، وتدور حوله جميع مفاصل الحكم والسياسة. تختلف هذه الرؤية عن باقي الأنظمة التي قد تؤسس الدولة على الأرض أو المصالح المادية أو حتى على العنصر القومي أو العرقي. ولكن الإمام علي عليه السلام لم يعتبر الدولة مجرد جهاز سياسي يهدف إلى التحكم أو الإثراء الشخصي، بل كانت أداة لخدمة الإنسان وضمان حقوقه الأساسية.
الإنسان في نظر الإمام علي ليس مجرد مخلوق مادي، بل هو روح وجسد، بحاجة إلى دولة تحترم هذا التوازن وتحقق له حياة كريمة، بالعدالة الاجتماعية والحقوق المتساوية. يقول عليه السلام في خطبة له:
“الناس صنفان: إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق”.
هذه المقولة تلخص منهج الإمام في التعامل مع الإنسان، حيث يرى أن الإنسان ينبغي أن يُعامل بكرامة واحترام بغض النظر عن دينه أو عقيدته، بل بناء على إنسانيته المشتركة مع الآخرين.
2. العلاقة بين السلطة والحق
من المبادئ الأساسية التي رسخها الإمام علي عليه السلام في فكره السياسي هي أن السلطة لا تعني التسلط أو التفوق على الآخرين، بل هي أمانة في يد الحاكم. فهو يرى أن الحاكم يجب أن يكون خادمًا للمجتمع لا سيدًا عليه. وبذلك، يؤكد الإمام علي أن الدولة يجب أن تكون منبثقة عن رضا الناس ومصلحة الجماعة، مع تأكيده على ضرورة أن تكون السلطة قائمة على الحق والعدل.
الف: السلطة تكليفٌ لا تشريف
الإمام علي عليه السلام رفض الخلافة في البداية بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله، لأن الناس لم يجتمعوا عليه. ثم قبلها بعد مقتل عثمان بشرط أن تكون أداةً لإقامة الحق:
قال عليه السلام:
“لولا حضور الحاضر، وقيام الحُجّة بوجود الناصر، وما أخذ الله على العلماء ألّا يُقارّوا على كِظّةِ ظالم، ولا سَغبِ مظلوم، لألقيتُ حبلها على غاربها.”(نهج البلاغة، الخطبة 3 - الشقشقية)
فالسلطة عنده واجب شرعي لإقامة العدل ورفع الظلم، لا رغبة في الحكم.
باء: الحق يسبق السلطة ويوجّهها
الإمام يرى أن الحاكم لا يملك شرعية مطلقة، بل هو محكوم بالحق، ويُحاسَب على تنفيذه، كما في قوله:
“إنّ حقًّا على الإمام أن يحكم بالحقّ، ويؤدّي الأمانة، فإذا فعل ذلك فحقٌّ على الناس أن يسمعوا له ويطيعوا.” (نهج البلاغة، الخطبة 34)
فالسلطة مشروطة بالحق، والطاعة مشروطة بعدالة الحاكم.
جيم: رفض الحاكمية بغير الحق
حين نازعه الخوارج وقالوا “لا حكم إلا لله”، قال عليه السلام:
“كلمة حقّ يُراد بها باطل، نعم إنّه لا حكم إلا لله، ولكن هؤلاء يقولون: لا إمرة، وإنه لا بدّ للناس من أمير، بَرٍّ أو فاجر.”(نهج البلاغة، الخطبة 40)
يعني أن الإمام لا ينكر مرجعية الحق، لكنه يؤكد أن السلطة لا بد أن تُمارس ضمن هذا الحق، لا أن تُلغى بدعوى الشعار.
3. التمييز بين دولة القوة ودولة الإنسان
في ظل التحديات التي تعرضت لها الدولة الإسلامية في عهد الإمام علي عليه السلام، كانت بعض القوى السياسية تسعى لتحقيق دولة القوة، التي تفرض سلطتها بالقوة العسكرية أو السياسة الانتهازية. في مقابل ذلك، كان الإمام علي عليه السلام يؤكد في خطبه على ضرورة التمييز بين دولة القوة ودولة الإنسان.
والمتأمل في جملة كلماته عليه السلام سوف تتضح لديه رؤية الإمام للمجتمع المدني الذي يجب أن تكون فيه الدولة حامية للحقوق العامة ومساواة بين جميع الأفراد.
الجهة الثانية: مفهوم العدالة الاجتماعية في رؤية الإمام علي عليه السلام
وفي هذه الجهة عدة نقاط:
النقطة الاولى: العدالة الاجتماعية بين المفهوم والممارسة
تُعد العدالة الاجتماعية أحد المفاهيم المركزية في فكر الإمام علي عليه السلام كما اشرنا الى ذلك، وهي لا تقتصر عنده على العدل القضائي أو الإداري، بل تشمل منظومة شاملة من التوازن في توزيع الحقوق، وحماية المستضعفين، وضمان الكرامة الإنسانية لكل فرد في المجتمع، بغض النظر عن طبقته أو دينه أو موقعه الاجتماعي.
وقد جسّد الإمام هذا المفهوم في كلماته وممارساته وسياسته، مما يجعل تجربته أنموذجًا رائدًا للعدالة المتجذرة في القيم الإلهية والفطرة الإنسانية، لا في الاعتبارات الطبقية أو الفئوية.
النقطة الثانية: تحديد مفهوم العدالة الاجتماعية عند الإمام عليه السلام
يمكن تعريف العدالة الاجتماعية في فكر الإمام علي عليه السلام بأنها:
“توزيع متوازن للحقوق والفرص والمسؤوليات، بما يضمن كرامة الإنسان، ويرفع الظلم، ويحقق المساواة الفعلية، ضمن إطار أخلاقي ديني يحفظ وحدة الأمة ويصون حقوقها”.
قال عليه السلام في إحدى خطبه:
“إنّ الله فرض على أئمة العدل أن يقدّروا أنفسهم بضعفة الناس، كيلا يتبيغ بالفقير فقره”. [نهج البلاغة، الخطبة 209]
هذه الخطبة تكشف عن فلسفة الإمام في الحكم؛ فالحاكم يجب أن يشعر بمعاناة الفقير قبل أن يفكر في امتيازات السلطة، أي أن العدالة تبدأ من الشعور بالآخر، لا من سنّ القوانين فقط.
النقطة الثالثة: أنواع العدالة في الدولة العلوية
الف: العدالة الاقتصادية
من أبرز صور العدالة الاجتماعية التي ركز عليها الإمام، العدالة الاقتصادية، أي توزيع الثروة بطريقة تكفل الكرامة وتمنع الاحتكار والاستغلال.
من أقواله عليه السلام: “ما رأيت نعمة موفورة إلا وإلى جانبها حق مضيّع”. [نهج البلاغة، الحكمة 328]
وكان يوزع بيت المال بالسوية، لا يفضل فيه أحدًا على أحد، حتى اعترض عليه من تربوا على الامتياز الطبقي من الصحابة، فقال لهم:
“أتأمرونني أن أطلب النصر بالجور؟! لا والله لا أطور به ما سمر سمير وما أمّ نجم في السماء نجما” [نهج البلاغة، الخطبة 126].
لا أطور به: لا أقاربه. والسمير: الدهر أي لا أقاربه مدى الدهر ولا أفعله أبدا.
فكان مبدأه واضحًا: لا عدالة مع امتيازات طبقية، ولا سلطة مقابل تضييع حق.
باء: العدالة الحقوقية
كان الإمام علي عليه السلام يساوي بين الناس في الحقوق والكرامة. وقد تجلى ذلك في قضائه لنفسه مع يهودي أمام القاضي شريح، حيث لم يمنح نفسه أية امتيازات قضائية مع أنه رأس الدولة، وقال شريح: “هذا هو العدل في أسمى صوره”.
كما أوصى مالك الأشتر في عهده قائلًا: “واشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبة لهم، واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعًا ضاريًا تغتنم أكلهم” [نهج البلاغة، عهد الإمام لمالك]
جيم: العدالة الأخلاقية والاجتماعية
كان الإمام يرى أن التفاوت الاجتماعي يجب ألا يتحول إلى ظلم أخلاقي أو احتقار اجتماعي، بل دعا إلى احترام الكادحين والمحرومين، فقال:
“عجبتُ للغني البخيل، يستعجل الفقر الذي منه هرب، ويفوته الغنى الذي إياه طلب، فيعيش في الدنيا عيش الفقراء، ويُحاسب في الآخرة حساب الأغنياء” [نهج البلاغة، الحكمة 126]
وفي موضع آخر قال: “ما جاع فقير إلا بما مُنِع غني”[نهج البلاغة، الحكمة 328]
فالإمام لا يرى الفقر قدَرًا مقدرًا دائمًا، بل نتيجة لغياب العدالة وفساد التوزيع.
النقطة الرابعة: العدالة ليست شعارًا بل شرط للبقاء السياسي
يؤكد الإمام علي عليه السلام أن العدالة هي أساس الشرعية السياسية للحاكم، فلا قيمة لبيعة أو طاعة إذا غابت العدالة:
قال عليه السلام:
“فإنّ في العدل سعة، ومن ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق” [نهج البلاغة، من كتابه إلى عامله على البصرة عثمان بن حنيف].
ويُفهم من هذا أن من يضيق ذرعًا بالعدالة فإنّه ليس أهلاً لتحمل أعباء الحكم، لأن البديل – وهو الجور – أشد فتكًا بالدولة والمجتمع.
الجهة الثالثة: نظم العدالة في الدولة العلوية
يتجلّى فكر الإمام علي (عليه السلام) حول العدالة الاجتماعية والإدارية في دولة الإنسان من خلال تشريعاته وتعاليمه العملية. فمن ناحية إدارة المال العام وبيت المال، أكد الإمام علي أن أموال المسلمين عامة لا خاصّة له أو لغيره، وجعل توزيعها وفق مبدأ المساواة والعدل.
فقد جاء في نهج البلاغة خطبة للإمام (خطبة 231) يقول فيها:
«إِنَ هَذَا الْمَالَ لَيْسَ لِي وَ لَكَ وَإِنَّمَا هُوَ لِلْمُسْلِمِينَ وَجَلَبُ أَسْيَافِهِمْ فَإِنْ شَرِكْتَهُمْ فِي حَرْبِهِمْ شَرِكْتَهُمْ فِيهِ وَ إِلَّا فَجَنَا أَيْدِيهِمْ لَا يَكُونُ لِغَيْرِ أَفْوَاهِهِم».
يشير هذا القول إلى أن الغنائم والفيء منحصرة بأصحاب السيوف الذين قاتلوا، وأن المال العام ملك جماعي للمسلمين، لا يجوز لأحد الاستئثار به إن لم يكن من المجاهدين.
كما عارض الإمام علي بشدّة أية إسراف أو تفضيل في توزيع بيت المال. وهو معروف بزهده وكفّه عن الأموال الزائدة، وعندما تولّى الخلافة أمر بإعادة كل ما وهبه عثمان بن عفّان من بيت المال للمسلمين،
قائلاً: «ألا إن كلَّ قطيعة أقطعها عثمان، وكل مال أعطاه من مال الله، فهو مردود في بيت المال… فإن في العدل سعة، ومن ضاق عنه الحق فالجور عليه أضيق».نهج البلاغة (للصبحي صالح)؛ ص57.
وفي هذا الموقف يبيّن الإمام علي أن أي هبة أو مال عام لم يُصرف بحقه – حتى لو كانت لحاجة ما أو صدقات – يعدّ من حق الجميع ويُعاد إلى الخزينة.
وقد كان نهج الإمام علي في الإنفاق العام قائماً على الزهد والكفاف؛ إذ كان يحثّ ولاة الأمر على قهر هواهم والاقتصار على الحد الأدنى من الحاجات. ونبذ شهوات النفس بما يحقق الاقتصاد العادل في نفقات الدولة.
وتتضح معالم هذه الفكرة من خلال جملة من الامور:
1- نظام القضاء وتعزيز مساواة الناس أمام القانون
كان القضاء في عهد الإمام علي أحد أهم مرتكزات إحقاق العدل، فاهتم بتعيين القضاة الأتقياء الأكفاء ومراقبة أعمالهم. دعا الإمام في وصيته إلى مالك الأشتر أن تكون القاضية معاييرها التقوى والورع وأن يحذر من استخدام القاضي للنفوذ في إظلام الحقوق.
ومن الأمثلة الشهيرة ما أورده ابن أبي الحديد في شرحه لنهج البلاغة عن خطاب الإمام لشريح بن الحارث (قاضي الكوفة)، حين اشتراه داراً بكلفة مالية عالية، فقال له الإمام (عليه السلام):
« فَانْظُرْ يَا شُرَيْحُ لَا تَكُونُ ابْتَعْتَ هَذِهِ الدَّارَ مِنْ غَيْرِ مَالِكَ أَوْ نَقَدْتَ الثَّمَنَ مِنْ غَيْرِ حَلَالِكَ فَإِذَا أَنْتَ قَدْ خَسِرْتَ دَارَ الدُّنْيَا وَ دَارَ الْآخِرَة!».نهج البلاغة (لصبحي صالح) ؛ ص364
يبيّن هذا التنبيه ضرورة استقامة القاضي وأمانته المالية، فالفِقه الديني والأخلاق الشخصية يجب أن تسيران معاً فيمن يتولّى القضاء.
وعموماً، شدّد الإمام علي على أن جميع الناس سواء أمام قاضي الحقّ؛ فلا فضل بين أحد إلا بالتقوى والأمانة. فالتطبيق العادل للقانون يستلزم عدم التمييز بين مختلف الفئات. وقد أشار الإمام في مكان آخر إلى تساوي الرعية واختلاف أدوارهم في المجتمع دون امتياز خاص، حيث قسم الأمة إلى طبقات ذات وظائف متكاملة مع تحديد نصيب لكل طبقة بما شرعه الله:
«واعلم أن الرعية طبقات لا يصلح بعضها إلا ببعض، ولا غنى ببعضها عن بعض؛ فمنها جنود الله، ومنها كتّاب العامة والخاصة، ومنها قضاة العدل، ومنها عمال الإنصاف والرفق، … ومنها الطبقة السفلى من ذوي الحاجة والمسكينة؛ وكلٌ قد سمّى الله سهمه».نهج البلاغة (لصبحي صالح).
وهذا النص يُظهر حرص الإمام على تحقيق التوازن الاجتماعي من خلال إعطاء كل طبقة حقوقها دون تفريط أو تمييز.
كذلك استقى الإمام علي نماذج عدلية من سيرته العملية وقصصه مع الصحابة؛ فكان يحلّ المنازعات بما يحقق العدالة ويصون حقوق المظلومين. فقبل كل شيء، كان يذكر ولاة القضاة بعقاب الله ومراقبة الضمير:
«حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزنوها قبل أن تُوزنوا» (غرر الحكم و درر الكلم ؛ ص352)،
وهو ما عبر به الإمام علي عن مبدأ المحاسبة الذاتيّة لأداء الأمانات وعدم التهاون في الحقوق.
2- سياسة اختيار الولاة والموظفين ومبدأ المحاسبة
في شأن تعيين الولاة وكبار الموظفين، وضع الإمام علي معايير أخلاقية ومهنية صارمة. فقد نصح مالك الأشتر بأن يُقدم الصالحين والورعين على المناصب الحساسة، مع التأكيد على كفاءة العارفين بأمور الحكم وإدارة شؤون الناس.
كما كرّر علي (عليه السلام) في كلامه ووصاياه ما صحّ عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) من وجوب الاستماع إلى العامة وعدم الاحتقار لهم، مستعيراً قوله: «لا فرق بين عربي وعجمي إلا بالتقوى». ودعا الإمام إلى أن يكون شغل الولي خدمة الرعية لا انتهازاً لجمع الثروات أو إطلاق السلطة.
ومن الأسس الرئيسة التي أرساها الإمام علي مفهوم المحاسبة الدورية للولاة والمحاسبة النهائية يوم القيامة. كما حثّهم على «محاسبة النفس قبل الحساب» ويؤكد بهذا أن تولّي الحكم ليس ترفاً بل أمانة ثقيلة.
وأخيراً، تجلت عدالة الإمام علي بشدة محاسبته لكل مقصر مهما علا منصبه. وبذلك أصبحت ولاية الإمام علي مدرسة للعدالة الاجتماعية الحقة، التي تجمع بين الشريعة الحكيمة، والنية الصادقة، ومحاسبة الحاكم نفسه قبل محاسبة الرعية.



اضف تعليق