أمير المؤمنين يكشف عن حقيقة مذهلة؛ أن ظلم العباد، لاسيما اذا كان من أهل بلد بحق اصحاب جاليات اخرى، لن يكون مطلقاً مدعاة للذكاء والشطارة والتفوق، بقدر ما يزرع بذور الكراهية والحقد والشقاق لتظهر في قادم الايام على شكل حركات تمرد وتشكيك بالدين والعقيدة...

"إن في العدل سِعة، ومن ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق"

أمير المؤمنين، عليه السلام

في قلب أقدس بقعة في الأرض يولد آخر وصي لآخر نبي في الأرض ليكون الامتداد الطبيعي للرسالة الخاتمة بكل ما تحمل من بشائر خلاص للبشرية مما كانت عليه من الظلم والحرمان والتخلف، منها؛ بشرى العدالة والمساواة التي لم يتذوقهما البشر منذ قرون قبل فجر الإسلام. 

جاء العدل ليقرع الظلم ويعطي كل ذي حق حقه، وإن كان انساناً يفتقد الى قوى المال والسلاح والسلطة، كما جاءت المساواة لتضع جميع الناس في صف واحد أمام مسؤولياتهم وواجباتهم، فقد عمّت الفرحة العظمى سكان الجزيرة العربية، وبشرى مستقبلية لأهل العالم، فكان النبي الأكرم، يوزع غنائم الحروب بالسوية على جميع المسلمين، كما كان يعدل بالحفاظ على الحقوق الاجتماعية، فهو لم يتسبب بإذلال وجهاء المجتمع بحجة الاجتماع تحت راية الاسلام دون تمييز. 

وعندما يمتد شعاع الهداية الى مساحات أكبر ويدخل الى الاسلام منتمين جدد من أعراق وقوميات عديدة، يتبلور الدور الحضاري لأمير المؤمنين، عليه السلام، في فتح نافذة عالمية للعدل والمساواة بعد أن فتح العالم نوافذه على الاسلام، بمعنى أن غير العرب سيحظون بهذه النعمة الإلهية العظيمة في المجتمع الاسلامي، فهل يكون الامر سهلاً على العرب الذين تصوروا أن الرسالة وما فيها من قيم ومبادئ إنما هي حكراً لهم دون غيرهم ؟!

القيم الانسانية عالمية 

بالطبع؛ الحرية–مثلاً- ليست مقتصرة على ابناء لون، او قومية من البشر، إنما العدل الإلهي اقتضى ان يحظى جميع بني آدم بهذه المكرمة ماداموا في هذه الحياة الدنيا، فكان لابد من رجال أشداء وأكفاء يحملون مشعل الحرية لاستقطاب الناس والتأكيد لهم بأنهم أحرار وليسوا عبيداً، ومن هؤلاء الرجال الذين عرفهم التاريخ والانسانية؛ أمير المؤمنين، علي بن أبي طالب، عليهما السلام، حمل راية الحضارة الاسلامية في جبهة الحق في حياة رسول الله، صلى الله عليه وآله، ليقدم للناس في تلك البرهة الزمنية بأن الحرية والعدل والمساواة للجميع دون استثناء، فهي قيم عالمية تعزز مصداقية الإسلام في تكامليته القيمية بعد سلسلة طويلة من الرسالات السماوية المتعاقبة على البشرية. 

جيء بأسرى الحرب مع الفرس الى الحاكم الثاني بعد رسول الله، عمر بن الخطاب، وبينهم نساء وفتيات، وكان أمير المؤمنين، و ولديه الحسن والحسين، عليهم السلام، حاضرين المشهد مع عدد غفير من المسلمين بعد انتهاء الحرب لصالح المسلمين، وهزيمة جيش الفرس في العراق.

حالة الذل والهوان، و قساوة بعض المسلمين في التعامل مع الأسيرات، أثار فيهنّ الشجن والأسى فقالت إحداهنّ: -مضمون الرواية التاريخية- "يا ويل خسرو بعد سبي نسائه"، ويشيرون الى الملك خسرو برويز، آخر حاكم في الدولة الفارسية ينهار أمام المدّ الاسلامي، هنا انتبه عمر بن الخطاب الى الموقف، وتصور أن الأسيرات إنما يتكلمون بالسوء عليه، فأمر بضربهنّ، ولكن التدخل السريع لأمير المؤمنين حال دون ذلك، وأوضح له بأنهنّ شكون وضعهنّ المزري فقط، ثم سعى لإطلاق سراحهن وفق المبدأ الانساني السامي لرسول الله: "ارحموا عزيز قوم ذلّ"، وحصل ما حصل من زواج الإمام الحسين، عليه السلام، بإحدى بنات الملك الفارسي، وكان اسمها "شاهزان" التي شاء الله أن يكون من هذا الزواج، وفي هذا الموقف التاريخي العظيم؛ ولدٌ يمضي على طريق نشر القيم العالمية، وهو؛ الامام علي بن الحسين، زين العابدين، عليه السلام.

الثمن الباهظ

أن يسود العدل البشرية، أمرٌ يسرّ القلوب ويطمئن النفوس، لاسيما من يعدونها خشبة خلاصهم من الظلم والجور من الأقوى، بيد أن المشكلة تكمن في نقطة التقاطع بين هذه القيمة الحضارية وبين مصالح أصحاب الرساميل، وأصحاب النفوذ السياسي والعسكري، وكانت أول نقطة تقاطع انفجارية في تاريخ الاسلام؛ عند ظهور "الارستقراطية" والطبقية لأول مرة في الإسلام في عهد الحاكم الثالث: عثمان بن عفان بعطائه اللامحدودة لبني قومه وأسرته، ومن أبرز سيئاته؛ تمكين معاوية سياسياً وعسكرياً ليعلن تمرده فيما بعد على الدولة الاسلامية واتخاذ الشام منطلقاً ليس فقط للفتن والدسائس، وإنما لإحياء الثقافة الجاهلية القائمة على تفضيل الأقوى في المجتمع، فلا معنى لشيء اسمه العدل بوجود أصحاب الثروة، والسلطة، والمكانة الاجتماعية، لاسيما اذا أخذ هذا العدل بيد الفارسي، والحبشي، والرومي، و رصفه الى جانب العربي من قبيلة قريش –مثلاً- تحت راية الإسلام، وما فيه من مؤاخاة ومساواة، فهذا يمثل تهديداً ماحقاً لمن يعدون انفسهم الورثة الوحيدين لرسالة الاسلام، وأن محمداً نبياً عربياً منهم!

واذا كانت الثارات للدماء الجاهلية المسفوحة بسيف أمير المؤمنين خلال المعارك الى جانب رسول الله، من عوامل نشوء الضغينة والعداء له، عليه السلام، فان عقدة الأفضلية والتفوق، ورفضهم معالجتها بقيم السماء، ومنها؛ العدل، تكون من أبرز عوامل عداء الأمويين لشخص أمير المؤمنين، بل وإزاء منهج أهل بيت رسول الله، صلى الله عليه وآله، في قادم الأيام والسنين، لأنه، عليه السلام، أراد خلال توليه الزعامة السياسية تطبيق منهج السماء بإحلال العدال محل الظلم والجور، وأن يعيش المسلمون وغير المسلمون في كنف الإسلام، بسلام وأمان و كرامة.

وفي اليوم الثاني من توليه "الخلافة" صعد المنبر وخطب في الناس: "ألا إن كل قطيعة أقطعها عثمان، وكل مال أعطاه من مال الله، فهو مردود في بيت المال، فإن الحق القديم لا يبطله شيء، ولو وجدته وقد تزوج به النساء، وفرق به في البلدان لرددته الى حاله، فإن في العدل سِعة، ومن ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق".

وفي هذا المقطع من خطبته، عليه السلام، يكشف جانباً من فلسفة العدل وجوهره الايجابي النافع بلفظة "السِعة"، بمعنى أن الجور والظلم عين الضيق والنكد والكراهية، وكل ما يتصل بالمفاهيم السلبية في العلاقات الاجتماعية، كما نلاحظه اليوم في المجتمعات الاسلامية، وفي جميع انحاء العالم، ثم إن الإمام امير المؤمنين يكشف عن حقيقة مذهلة؛ أن ظلم العباد، لاسيما اذا كان من أهل بلد بحق اصحاب جاليات اخرى، لن يكون مطلقاً مدعاة للذكاء والشطارة والتفوق، بقدر ما يزرع بذور الكراهية والحقد والشقاق لتظهر في قادم الايام على شكل حركات تمرد وتشكيك بالدين والعقيدة، كما حصل في الدولة الأموية، وحتى في الدول والانظمة السياسية المتعاقبة، وحتى يومنا هذا.

وقد اتفق معظم المؤرخين على أن أكثر السيوف المرفوعة ضد حكام الجور والظلم في العهود الاسلامية الاولى، كانت لمن يُسمون "الموالي"، وهم المنحدرون من أصول غير عربية، دخل آباؤهم الاسلام في عهد رسول الله، ومن جاء بعده، وكان الظهور الأول لهذه الحركة الاجتماعية، وفيما بعد ظهرت على شكل ثورات وانتفاضات مسلحة، في عهد المختار الثقفي الذي ثار على الدولة الاموية في العراق وانتزعها منهم، وأحكم سيطرته على الكوفة والبصرة والموصل لفترة من الزمن بفضل الموالي الذين وجدوا في شخصيته الرسالية المتأثرة بمنهج أهل بيت رسول الله، خشبة خلاص لهم من الظلم والجور والتمييز، ثم حصل ما حصل بعد ذلك.

لقد ضمن أمير المؤمنين لجميع الناس إبان حكمه، العيش الكريم في الحياة، بغض النظر عن كونه مسلماً أو غير مسلم، فقيراً كان أو غنياً، جاهلاً كان أو عالماً، فالأمن الغذائي، والاجتماعي، والاقتصادي، مضمون للجميع بشكل عادل، يبقى للمسلم حقوق وعليه واجبات خاصة، أما غير المسلم فانه يعيش في كنف الدولة الاسلامية من خلال إعطاء الجزية "الرسوم" لقاء توفير الأمن له من كل النواحي، ولم يحرم الإمام شخصاً من فرصة عمل لديه، او انتقص من ثروته شيء، كما فعل رسول الله مع المزارعين اليهود في مزارع فدك، فقد أبقاهم يعملون ليعيلون أسرهم، بعد أن أعطاها نحلة الى ابنته الصديقة الزهراء، ثم إن قصة أمير المؤمنين مع ذاك العجوز النصراني الجالس على قارعة الطريق يستعطي الناس، باتت مشهورة، تتداولها المنابر والمجالس من مآثر عدل أمير المؤمنين، وفي تلك الفترة الزمنية التي ربما تكون في القرن السابع الميلادي، عيّن له راتباً تقاعدياً من بيت مال المسلمين، فيما كان أقرانه في البلاد البعيدة باوربا وغيرها، يموتون من الجوع والأوبئة و المعارك الدموية بين القبائل المتناحرة.

ونحن اليوم نستذكر هذه القيمة الحضارية العظيمة في ذكرى مولد امير المؤمنين لنرَ بغير قليل من الدهشة كيف يتخبط "العالم المتحضّر" في مستنقع الظلم والجور، لاسيما في البلاد ذات الإدعاء الطويل والعريض بتطبيق العدل والمساواة وحرية العمل تحت راية "الرأسمالية"، و "دعه يعمل دعه يمرّ"، فالرفاهية، والكرامة، والعلم والمعرفة، ليس للجميع، وإنما لطبقة خاصة من المجتمع في اوربا والولايات المتحدة الاميركية، حتى أصبح طبيعياً مشاهد المشردين في شوارع أميركا، والى جانبه مشاهد اختراق الفضاء والإقامة هناك، وامتلاك أحدث التقنيات الداخلة في الزراعة والصناعة والطب والبناء والحرب.

اضف تعليق