وُلد الإمام علي (ع) في الكعبة المشرَّفة، يوم الجمعة 13 رجب، بعد 30 من عام الفيل

مقدمة نورانية

من الروايات المشهورة في الأمة الإسلامية حتى صارت مَثَلاً ينادى به على المآذن والمنابر، وهو حديث جابر بن عبد الله الأنصاري الذي قَالَ: قُلْتُ لِرَسُولِ اَللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ): أَوَّلُ شَيْءٍ خَلَقَ اَللَّهُ تَعَالَى مَا هُوَ؟ فَقَالَ: (نُورُ نَبِيِّكَ يَا جَابِرُ خَلَقَهُ اَللَّهُ ثُمَّ خَلَقَ مِنْهُ كُلَّ خَيْرٍ). (بحار الأنوار: ج۱۵ ص۲4)

فالنور والمخلوق الأول هو ذلك النور الصادر من نور ذات الله تعالى بالحب والمحبة، ولكن هذا النور لم يبقَ وحيداً -لأن الوحدانية والصمدانية لله تعالى وكل شيء اثنين- فقسمه نصفين وجعله في حُقَّة تحت العرش، وهذا ما جاء في رواية طويلة وجليلة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) حيث قال: (يَا عَلِيُّ خُلِقْتُ أَنَا وَأَنْتَ مِنْ عَمُودَيْنِ مِنْ نُورٍ مُعَلَّقَيْنِ مِنْ تَحْتِ اَلْعَرْشِ يُقَدِّسَانِ اَلْمَلِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُخْلَقَ اَلْخَلْقُ بِأَلْفَيْ عَامٍ ثُمَّ خَلَقَ مِنْ ذَيْنِكَ اَلْعَمُودَيْنِ نُطْفَتَيْنِ بَيْضَاوَيْنِ مُلْتَوِيَتَيْنِ، ثُمَّ نَقَلَ تِلْكَ اَلنُّطْفَتَيْنِ فِي اَلْأَصْلاَبِ اَلْكَرِيمَةِ إِلَى اَلْأَرْحَامِ اَلزَّكِيَّةِ اَلطَّاهِرَةِ حَتَّى جَعَلَ نِصْفَهَا فِي صُلْبِ عَبْدِ اَللَّهِ وَنِصْفَهَا فِي صُلْبِ أَبِي طَالِبٍ فَجُزْءٌ أَنَا وَجُزْءٌ أَنْتَ، وَهُوَ قَوْلُ اَللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: (وَهُوَ اَلَّذِي خَلَقَ مِنَ اَلْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً)، يَا عَلِيُّ أَنْتَ مِنِّي وَأَنَا مِنْكَ سِيطَ لَحْمُكَ بِلَحْمِي وَدَمُكَ بِدَمِي، وَأَنْتَ اَلسَّبَبُ فِيمَا بَيْنَ اَللَّهِ وَبَيْنَ خَلْقِهِ بَعْدِي، فَمَنْ جَحَدَ وَلاَيَتَكَ قَطَعَ اَلسَّبَبَ اَلَّذِي فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اَللَّهِ وَكَانَ مَاضِياً فِي اَلدَّرَكَاتِ.. يَا عَلِيُّ مَا عُرِفَ اَللَّهُ إِلاَّ بِي ثُمَّ بِكَ مَنْ جَحَدَ وَلاَيَتَكَ جَحَدَ اَللَّهَ رُبُوبِيَّتَهُ.. يَا عَلِيُّ أَنْتَ عَلَمُ اَللَّهِ بَعْدِي اَلْأَكْبَرُ فِي اَلْأَرْضِ، وَأَنْتَ اَلرُّكْنُ اَلْأَكْبَرُ فِي اَلْقِيَامَةِ). (بحار الأنوار: ج۲۲ ص۱4۷)

وكذلك روي عَنْ سَلْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اَللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) يَقُولُ: كُنْتُ أَنَا وَعَلِيٌّ نُوراً بَيْنَ يَدَيِ اَللَّهِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ اَللَّهُ آدَمَ بِأَرْبَعَةَ عَشَرَ أَلْفَ عَامٍ، فَلَمَّا خَلَقَ اَللَّهُ آدَمَ قَسَمَ ذَلِكَ اَلنُّورَ جُزْءَيْنِ رَكِبَا فِي آدَمَ فَجُزْءٌ أَنَا، وَجُزْءٌ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَنُورُ اَلْحَقِّ مَعَنَا نَازِلٌ حَيْثُمَا نَزَلْنَا). (المسترشد: ج۱ ص4۲۹)

هذا في عالم الأنوار والأشباح والأظلة وأما في هذا الكون والتكوين الأرضي فإن الروايات تشبههما – كما شبهها الله تعالى في كتابه الحكيم – بالشجرة وأصلها حيث قال: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) (إبراهيم/25)، فقال رَسُولُ اَللَّهِ (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ): (خُلِقَ اَلنَّاسُ مِنْ شَجَرٍ شَتَّى وَخُلِقْتُ أَنَا وَاِبْنُ أَبِي طَالِبٍ مِنْ شَجَرَةٍ وَاحِدَةٍ أَصْلِي عَلِيٌّ، وَفَرْعيِ جَعْفَرٌ). (الخصال: ج۱ ص۲۱)

وقال رسول الله (ص): (إِنَّ اَللَّهَ خَلَقَنِي وَعَلِيّاً مِنْ شَجَرَةٍ وَاحِدَةٍ فَأَنَا أَصْلُهَا وَعَلِيٌّ فَرْعُهَا وَاَلْحَسَنُ وَاَلْحُسَيْنُ ثَمَرَتُهَا وَشِيعَتُنَا أَوْرَاقُهَا فَمَنْ تَمَّسَكَ بِهَا نَجَا وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا هَوَى). (الفضائل لابن شاذان: ج۱ ص۱۳۳)

فهذه حقيقة وخلق أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) في عالم النور، ثم في عالم الظهور في هذه الحياة الدنيا وهي خاصة ومتميِّزة ولا يشاركه فيها إلا ابن عمِّه وصنوه سيد الخلق طراً ورسول الله الخاتم الحبيب المصطفى محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله) وذريتهم الطيبة الطاهرة من أئمة المسلمين.

النور شعَّ من الكعبة

ولذا نجد أنه في هذا الكون، وهذه الدنيا أن الكعبة هي بيت الله العتيق، والحرام، وهو محجُّ الناس لأن في ركنه اليماني الجنوبي الحجر الأسعد (الأسود) وهو ملاك وفيه عهد الله وميثاقه للناس ولذا كل مَنْ يحج أو يعتمر يستشهده ويستأديه عهده وميثاقه، ولكن هذا البيت الذي جعله الله له وأمر عباده بالحجِّ إليه والطواف به ومنعهم أن يدخلوا منطقته كلها وما يسمَّى بالحرم إلا محرمين وملبِّين له بالطاعة، ولم يجعله في يوم من الأيام إلا للعبادة وحرَّمه وحرَّم كل ما فيه حتى الطير والوحوش والهوام والأشجار والأحجار وكل ما فيه حرام إلا بحق.

ولكن في بيت الله المخصص للعبادة أرشد الأم وليدها الذي تحمله حيث أنه كان يحدِّثها ويكلمها وما تمرُّ في صنم من أصنام مكة وقريش إلا ويسجد له حيث روي أنها (لَمَّا حَمَلَتْ بِعَلِيٍّ اِزْدَادَ حُسْنُهَا فَكَانَ يَتَكَلَّمُ فِي بَطْنِهَا فَكَانَتْ فِي اَلْكَعْبَةِ فَتَكَلَّمَ عَلِيٌّ مَعَ جَعْفَرٍ فَغُشِيَ عَلَيْهِ فَأُلْقِيَتِ اَلْأَصْنَامُ خَرَّتْ عَلَى وُجُوهِهَا فَمَسَحَتْ عَلَى بَطْنِهَا وَقَالَتْ: يَا قُرَّةَ اَلْعَيْنِ سَجَدَتْكَ اَلْأَصْنَامُ دَاخِلاً فَكَيْفَ شَأْنُكَ خَارِجاً). (المناقب: ج۲ ص۱۷۲)

أو أن الله ألهم تلك السيدة الجليلة الحرة النبيلة فاطمة بنت أسد التي كانت حاملاً في أيامها الأخيرة -كما أوحى إلى أم موسى- أن تخرج وتذهب للطواف حول البيت ولكن ليس طواف عبادة بل طواف ضراعة ودعاء وولادة، حيث أنها ذهبت إلى الركن الشمالي الشامي وما يسمى بالمستجار وراحت تدعو الله سبحانه وتعالى بدعاء ما سمعت قريش مثله، لأنها كانت تدعو الله تعالى وليس آلهتهم المزيفة، وأصنامهم المنصوبة، والعجيب الغريب أنها دعت بحق المولود الذي في بطنها، فما أدراها بأن لهذا المولود حقاً عظيماً عند الله؟

ونأخذ رواية الولادة من كتاب سماحة الإمام الراحل السيد الشيرازي (قدس سره) من حياة الإمام علي (عليه السلام) حيث يروي عن (يَزِيدُ بْنُ قَعْنَبٍ: كُنْتُ جَالِساً مَعَ اَلْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ وَفَرِيقٌ مِنْ عَبْدِ اَلْعُزَّى بِإِزَاءِ اَلْبَيْتِ اَلْحَرَامِ إِذْ أَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَسَدٍ أُمُّ أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) وَكَانَتْ حَامِلَةً بِهِ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ وَقَدْ أَخَذَهَا اَلطَّلْقُ، فَقَالَتْ: (رَبِّ إِنِّي مُؤْمِنَةٌ بِكَ وَبِمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِكَ مِنْ رُسُلٍ وَكُتُبٍ وَإِنِّي مُصَدِّقَةٌ بِكَلاَمِ جَدِّي إِبْرَاهِيمَ اَلْخَلِيلِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) وَإِنَّهُ بَنَى اَلْبَيْتَ اَلْعَتِيقَ فَبِحَقِّ اَلَّذِي بَنَى هَذَا اَلْبَيْتَ.. وَبِحَقِّ اَلْمَوْلُودِ اَلَّذِي فِي بَطْنِي.. لَمَّا يَسَّرْتَ عَلَيَّ وِلاَدَتِي).

قَالَ يَزِيدُ بْنُ قَعْنَبٍ: فَرَأَيْنَا اَلْبَيْتَ وَقَدِ اِنْفَتَحَ عَنْ ظَهْرِهِ وَدَخَلَتْ فَاطِمَةُ وَغَابَتْ عَنْ أَبْصَارِنَا وَاِلْتَزَقَ اَلْحَائِطُ فَرُمْنَا أَنْ يَنْفَتِحَ لَنَا قُفْلُ اَلْبَابِ فَلَمْ يَنْفَتِحْ فَعَلِمْنَا أَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ مِنَ اَللَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ خَرَجَتْ بَعْدَ اَلرَّابِعِ وَبِيَدِهَا أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) ثُمَّ قَالَتْ: (إِنِّي فُضِّلْتُ عَلَى مَنْ تَقَدَّمَنِي مِنَ اَلنِّسَاءِ لِأَنَّ آسِيَةَ بِنْتَ مُزَاحِمٍ عَبَدَتِ اَللَّهَ سِرّاً فِي مَوْضِعٍ لاَ يُحِبُّ أَنْ يُعْبَدَ اَللَّهُ فِيهِ إِلاَّ اِضْطِرَاراً، وَأَنَّ مَرْيَمَ بِنْتَ عِمْرَانَ هَزَّتِ اَلنَّخْلَةَ اَلْيَابِسَةَ بِيَدِهَا حَتَّى أَكَلَتْ مِنْهَا رُطَباً جَنِيًّا، وَأَنِّي دَخَلْتُ بَيْتَ اَللَّهِ اَلْحَرَامَ وَأَكَلْتُ مِنْ ثِمَارِ اَلْجَنَّةِ وَأَرْزَاقِهَا فَلَمَّا أَرَدْتُ أَنْ أَخْرُجَ هَتَفَ بِي هَاتِفٌ: يَا فَاطِمَةُ سَمِّيهِ عَلِيّاً فَهُوَ عَلِيٌّ وَاَللَّهُ اَلْعَلِيُّ اَلْأَعْلَى، يَقُولُ: إِنِّي شَقَقْتُ اِسْمَهُ مِنِ اِسْمِي وَأَدَّبْتُهُ بِأَدَبِي وَوَقَفْتُهُ عَلَى غَامِضِ عِلْمِي، وَهُوَ اَلَّذِي يَكْسِرُ اَلْأَصْنَامَ فِي بَيْتِي، وَهُوَ اَلَّذِي يُؤَذِّنُ فَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِي وَيُقَدِّسُنِي، وَيُمَجِّدُنِي فَطُوبَى لِمَنْ أَحَبَّهُ وَأَطَاعَهُ، وَوَيْلٌ لِمَنْ عَصَاهُ وَأَبْغَضَهُ). (علل الشرایع: ج۱ ص۱۳۵)

والأمر لم يتوقف هنا بل تعداه إلى ما هو أعظم وأجمل حيث انتقل من بطن أمه الرؤوم إلى حضن ورعاية أكرم وأشرف خلق الله محمد بن عمِّه الذي استلمه من أبيه وأمه منذ اللحظة التي خرج منها من الكعبة المشرفة فخرج من الشريف إلى الأشرف، ومن اللطيف إلى الألطف، ومن الخفاء إلى الجلاء، ومن الباطن إلى الظاهر وإلى عالم الأسباب في هذه الدنيا، حيث انتقل إلى رعاية وتربية الرسول الأكرم الذي خصَّه الله بكل النِّعم الظاهرة والباطنة وراح يغذِّي بها أخاه ووصيه لقمة بلقمة، ولحظة بلحظة.

وهذا ما تشهد به أمهما السيدة فاطمة بنت أسد أيضاً حيث قَالَتْ: فَوَلَدْتُ عَلِيّاً وَلِرَسُولِ اَللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) ثَلاَثُونَ سَنَةً فَأَحَبَّهُ رَسُولُ اَللَّهِ (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) حُبّاً شَدِيداً وَقَالَ لَهَا: اِجْعَلِي مَهْدَهُ بِقُرْبِ فِرَاشِي، وَكَانَ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) يَلِي أَكْثَرَ تَرْبِيَتِهِ، وَكَانَ يُطَهِّرُ عَلِيّاً فِي وَقْتِ غُسْلِهِ، وَيُوجِرُهُ اَللَّبَنَ عِنْدَ شُرْبِهِ، وَيُحَرِّكُ مَهْدَهُ عِنْدَ نَوْمِهِ، وَيُنَاغِيهِ فِي يَقْظَتِهِ، وَيَحْمِلُهُ عَلَى صَدْرِهِ وَرَقَبَتِهِ، وَيَقُولُ: هَذَا أَخِي، وَوَلِيِّي، وَنَاصِرِي، وَصَفِيِّي، وَذُخْرِي، وَكَهْفِي، وَصَهْرِي، وَوَصِيِّي، وَزَوْجُ كَرِيمَتِي، وَأَمِينِي عَلَى وَصِيَّتِي، وَخَلِيفَتِي، وَكَانَ رَسُولُ اَللَّهِ (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) يَحْمِلُهُ دَائِماً وَيَطُوفُ بِهِ جِبَالَ مَكَّةَ وَشِعَابَهَا وَأَوْدِيَتَهَا وَفِجَاجَهَا، صَلَّى اَللَّهُ عَلَى اَلْحَامِلِ وَاَلْمَحْمُولِ). (كشف الغمة: ج۱ ص6۰)

هذه الحقائق الكونية والتاريخية التي يحاول البعض أن يجحدوا بها أو ينكرونها لما في أنفسهم وقلوبهم من مرض تجاه أمير المؤمنين (عليه السلام)، ولكن لا يمكن للشمس أن تتغطى بغربال، وللحق أن يبطله شيء من الباطل، وللنور أن تغلبه الظُلمة، ولكنهم حشروا أنفسهم الخبيثة في كهوفهم المظلمة وراحوا يضجون ويعجون ويدَّعون أنه لا وجود للشمس في حياة هذه الأمة التي يدَّعون الانتساب إليها زوراً وبهتاناً، ولو رجعوا إلى أصولهم لعرفوا أنهم أغراب وبعداء عنها بعد المشرقين ببغضهم لأمير المؤمنين الذي جعله الله ورسوله مقياساً للإيمان والكفر، والإسلام والنفاق، وذلك بروايات شبه متواترة وكثيرة جداً لا سيما قوله (عليه السلام) في نهج البلاغة: (لَوْ ضَرَبْتُ خَيْشُومَ اَلْمُؤْمِنِ بِسَيْفِي هَذَا عَلَى أَنْ يُبْغِضَنِي مَا أَبْغَضَنِي وَلَوْ صَبَبْتُ اَلدُّنْيَا بِجَمَّاتِهَا عَلَى اَلْمُنَافِقِ عَلَى أَنْ يُحِبَّنِي مَا أَحَبَّنِي وَذَلِكَ أَنَّهُ قُضِيَ فَانْقَضَى عَلَى لِسَانِ اَلنَّبِيِّ اَلْأُمِّيِّ (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) أَنَّهُ قَالَ: يَا عَلِيُّ لاَ يُبْغِضُكَ مُؤْمِنٌ وَلاَ يُحِبُّكَ مُنَافِقٌ). (نهج البلاغة: ج۱ ص4۷۷)

كما عَنْ أَبِي أَيُّوبَ عَنْ رَسُولِ اَللَّهِ (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) أَنَّهُ قَالَ لِعَلِيٍّ (عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ): (لاَ يُحِبُّكَ إِلاَّ مُؤْمِنٌ وَلاَ يُبْغِضُكَ إِلاَّ مُنَافِقٌ، أَوْ وَلَدُ زِنْيَةٍ، أَوْ مَنْ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهِيَ طَامِثٌ). (الفصول المهمة: ج۳ ص۲۹۰)

فهذه من الأوليات والبديهيات كانت في صدر هذه الأمة بحيث أنهم كانوا يبورون ويختبرون ويمتحنون أولادهم بحب أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) ففي تاريخ دمشق عن محبوب بن أبي الزناد: قالت الأنصار: (إن كنا لنعرف الرجل إلى غير أبيه ببغضه علي بن أبي طالب)، وفيه عن عبادة بن الصامت: (كنا نبور (نختبر ونمتحن) أولادنا بحب علي بن أبي طالب، فإذا رأينا أحدا لا يحب علي بن أبي طالب علمنا أنه ليس منا، وأنه لغير رشدة) (تاريخ دمشق: ٤٢ ص ٢٨٧)

والشيخ الصدوق يروي في الفقيه: (كان جابر بن عبد الله الأنصاري يدور في سكك الأنصار بالمدينة وهو يقول: علي خير البشر فمن أبى فقد كفر.. يا معاشر الأنصار! أدبوا أولادكم على حب علي، فمَنْ أبى فانظروا في شأن أمه). (من لا يحضره الفقيه: ٣ ص ٤٩٣)

والمسعودي في مروج الذهب يروي: في سنة ست وعشرين ومائتين مات أبو دُلف القاسم بن عيسى العجلي، وكان سيد أهله، ورئيس عشيرته من عجل وغيرها من ربيعة، وكان شاعراً مجيداً، وشجاعاً بطلاً، مغنياً مصيباً.. وذكر عيسى بن أبي دلف أن أخاه دُلف - وبه كان يكنَّى أبوه أبا دُلف - كان ينتقَّص علي بن أبي طالب، ويضع منه ومن شيعته، وينسبهم إلى الجهل، وأنه قال يوما - وهو في مجلس أبيه، ولم يكن أبوه حاضرا -: إنهم يزعمون ألا ينتقص علياً أحد إلا كان لغير رشدة، وأنتم تعلمون غيرة الأمير - يعني أباه - وأنه لا يتهيأ الطعن على أحد من حرمه! وأنا أبغض علياً.

قال: فما كان بأوشك من أن خرج أبو دُلف، فلما رأيناه قمنا له، فقال: قد سمعتُ ما قاله دُلف، والحديث لا يكذب، والخبر الوارد في هذا المعنى لا يختلف؛ هو والله لزنية وحيضة! وذلك أني كنتُ عليلاً فبعثت إليَّ أختي جارية لها، كنتُ بها معجباً، فلم أتمالك أن وقعتُ عليها وكانت حائضاً فعلقت به، فلما ظهر حملها وهبتها لي). (مروج الذهب: ٤ ص ٦٢)

فالأمر أوضح من الشمس في كبد السماء الصافية لأنه كما قال رسول الله (ص) له: (يَا عَلِيُّ أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هِبَةِ اَللَّهِ مِنْ آدَمَ، وَبِمَنْزِلَةِ سَامٍ مِنْ نُوحٍ، وَبِمَنْزِلَةِ إِسْحَاقَ مِنْ إِبْرَاهِيمَ، وَبِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، وَبِمَنْزِلَةِ شَمْعُونَ مِنْ عِيسَى، إِلاَّ أَنَّهُ لاَ نَبِيَّ بَعْدِي يَا عَلِيُّ أَنْتَ وَصِيِّي وَخَلِيفَتِي فَمَنْ جَحَدَ وَصِيَّتَكَ وَخِلاَفَتَكَ فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ وَأَنَا خَصْمُهُ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ؛ يَا عَلِيُّ أَنْتَ أَفْضَلُ أُمَّتِي فَضْلاً وَأَقْدَمُهُمْ سِلْماً وَأَكْثَرُهُمْ عِلْماً وَأَوْفَرُهُمْ حِلْماً وَأَشْجَعُهُمْ قَلْباً وَأَسْخَاهُمْ كَفّاً؛ يَا عَلِيُّ أَنْتَ اَلْإِمَامُ بَعْدِي وَاَلْأَمِيرُ وَأَنْتَ اَلصَّاحِبُ بَعْدِي وَاَلْوَزِيرُ وَمَا لَكَ فِي أُمَّتِي مِنْ نَظِيرٍ؛ يَا عَلِيُّ أَنْتَ قَسِيمُ اَلْجَنَّةِ وَاَلنَّارِ بِمَحَبَّتِكَ يُعْرَفُ اَلْأَبْرَارُ مِنَ اَلْفُجَّارِ، وَيُمَيَّزُ بَيْنَ اَلْأَشْرَارِ وَاَلْأَخْيَارِ، وَبَيْنَ اَلْمُؤْمِنِينَ وَاَلْكُفَّارِ). (فضائل أمیر المؤمنین (ع): ج۱ ص۱۰۲)

واختصرها رسول الله (ص) بقوله: (حُبُّهُ إيمانٌ، وبُغضُهُ كُفرٌ). (الأمالي للصدوق: ص65)

مولد النور وتربية الرسول

ولذا أكمل الله تعالى له الفضل وأتم عليه النِّعم بأن كفَّله وربَّاه ربيب الوحي والرسالة فغذَّاه بالآيات القرآنية والسُّور الرَّحمانية منذ لحظاته الأولى في هذه الدنيا، حيث أنه يصف لنا تلك المرحلة المبكرة من عمره الشريف في رحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) في خطبته القاصعة حيث يقول: (أَنَا وَضَعْتُ فِي اَلصِّغَرِ بِكَلاَكِلِ اَلْعَرَبِ وَكَسَرْتُ نَوَاجِمَ قُرُونِ رَبِيعَةَ وَمُضَرَ وَقَدْ عَلِمْتُمْ مَوْضِعِي مِنْ رَسُولِ اَللَّهِ (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) بِالْقَرَابَةِ اَلْقَرِيبَةِ وَاَلْمَنْزِلَةِ اَلْخَصِيصَةِ وَضَعَنِي فِي حِجْرِهِ وَأَنَا وَلَدٌ يَضُمُّنِي إِلَى صَدْرِهِ وَيَكْنُفُنِي فِي فِرَاشِهِ وَيُمِسُّنِي جَسَدَهُ وَيُشِمُّنِي عَرْفَهُ.. وَكَانَ يَمْضَغُ اَلشَّيْءَ ثُمَّ يُلْقِمُنِيهِ وَمَا وَجَدَ لِي كَذْبَةً فِي قَوْلٍ وَلاَ خَطْلَةً فِي فِعْلٍ وَلَقَدْ قَرَنَ اَللَّهُ بِهِ (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) مِنْ لَدُنْ أَنْ كَانَ فَطِيماً أَعْظَمَ مَلَكٍ مِنْ مَلاَئِكَتِهِ يَسْلُكُ بِهِ طَرِيقَ اَلْمَكَارِمِ وَ مَحَاسِنَ أَخْلاَقِ اَلْعَالَمِ لَيْلَهُ وَ نَهَارَهُ وَ لَقَدْ كُنْتُ أَتَّبِعُهُ اِتِّبَاعَ اَلْفَصِيلِ أَثَرَ أُمِّهِ يَرْفَعُ لِي فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَخْلاَقِهِ عَلَماً وَيَأْمُرُنِي بِالاِقْتِدَاءِ بِهِ وَلَقَدْ كَانَ يُجَاوِرُ فِي كُلِّ سَنَةٍ بِحِرَاءَ فَأَرَاهُ وَلاَ يَرَاهُ غَيْرِي وَ لَمْ يَجْمَعْ بَيْتٌ وَاحِدٌ يَوْمَئِذٍ فِي اَلْإِسْلاَمِ غَيْرَ رَسُولِ اَللَّهِ (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) وَخَدِيجَةَ وَأَنَا ثَالِثُهُمَا أَرَى نُورَ اَلْوَحْيِ وَاَلرِّسَالَةِ وَأَشُمُّ رِيحَ اَلنُّبُوَّةِ.

وَلَقَدْ سَمِعْتُ رَنَّةَ اَلشَّيْطَانِ حِينَ نَزَلَ اَلْوَحْيُ عَلَيْهِ (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ مَا هَذِهِ اَلرَّنَّةُ؟ فَقَالَ: هَذَا اَلشَّيْطَانُ قَدْ أَيِسَ مِنْ عِبَادَتِهِ إِنَّكَ تَسْمَعُ مَا أَسْمَعُ وَتَرَى مَا أَرَى إِلاَّ أَنَّكَ لَسْتَ بِنَبِيٍّ وَلَكِنَّكَ لَوَزِيرٌ وَإِنَّكَ لَعَلَى خَيْرٍ). (نهج البلاغة: ج۱ ص۲۸۵)

فهذا النور الرباني والضياء الشعشعاني عندما أراد الله له أن يبزغ ويظهر وينير جعل ذلك ينطلق من بيته الحرام العتيق دون غيره ليقول لعالم والبشرية جمعاء: أن هذا نوري في الأرض فاتبعوه تهتدوا، واقتدوا به تسعدوا، ولا تتركوه فتضلوا وتهلكوا.

اضف تعليق