الإمام المهدي المنتظَر (عجل الله فرجه) هو حلم البشرية المستمر على طول التاريخ، وأمل المستقبل، وينبع مفهوم الانتظار من الحاجة الأساسية البشرية للتحول نحو عالم إنساني أفضل وأعظم وأرقى وأجمل، وأكثر ازدهارا، هذا هو الحلم الدائم، وكثير من الذين كتبوا نظريات حول حتميات التاريخ وحلم تشكيل الحكومة العالمية المثالية، كانوا ينتظرون تحول البشرية نحو عالم أكثر ازدهارا وسلاما واستقرارا.

والعالم على مر التاريخ ولاسيما في هذا الزمن المعاصر الذي تطورت فيه التكنولوجيا بشدة، يعيش أزمة من الشك وعدم اليقين والخوف والقلق واليأس، لذلك ترنو أنظار العالم نحو الإمام المنتظر (عجل الله فرجه)، وهو انتظار في كل الأديان لهذا المنقذ الذي ينقل العالم من الجور إلى العدل، ومن الحرب إلى السلام ومن الفقر الى الغنى ومن الجهل الى العلم.

الانتظار مشروع بناء

ان فلسفة الانتظار تعتمد على كونه منهج هو فعل وحركة وبناء، ولا يعني اللاشيء واللاعمل واللافعل، فالبعض قد يتصور أن الانتظار هو أن لا يفعل الإنسان شيئا وينتظر ساكنا!، الانتظار هو أن يفعل ويعمل ويتحرك من أجل تحقيق ذلك الأمل والمشروع الذي يجسده، وأن يحقق آمال رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام) والحجة المنتظر (عجل الله فرجه).

آمال من أجل الوصول إلى المشروع النبوي والعلوي إلى خاتمة الأئمة (عليهم السلام)، لذلك فإن مشروع الانتظار هو مشروع بناء، وفعل مستمر وبناء تراكمي للشخصية والمجتمع والقدرة الذاتية على مواجهة التحديات.

قد يتساءل أحدهم ويقول ماذا أفعل أنا، فربما لا يظهر الإمام المنتظر في هذه الفترة التي اكون فيها موجودا؟، إن البناء التراكمي هو توارث الأجيال لهذا البناء، وهو مشروع عمل وفكر وثقافة وبناء اجتماعي ونفسي، فهو عبارة عن عملية تراكم متواصل بين الأجيال المتعاقبة، فالانتظار يمنح الإنسان بعدين هما بعد الأمل وبعد الحركة، فالأمل يعطيه طاقة لمواصلة الحياة والعيش، فعن رسول الله (صلى الله عليه وآله): (الأمل رحمة لامتي، ولولا الأمل ما رضعت والدة ولدها ولا غرس غارس شجرا)، لكن الأمل لا يمكن أن يكون حقيقيا إلا إذا تحرك الإنسان نحو هذا الأمل بالعمل الجاد، أما إذا كان مجرد أمنية بلا عمل فانه يكون مجرد أمنية والامنية هي مجرد وهم مادامت خالية من السعي والعمل. فعن الإمام الصادق (عليه السلام): (طوبى لمن لم تلهه الأماني الكاذبة). وعن الامام علي (عليه السلام): (بادروا بالعمل وسابقوا الاجل، فإن الناس يوشك أن ينقطع بهم الامل ويرهقهم الاجل).

بينما أمل الانتظار هو عملية حركة بنائية مستمرة، من أجل الوصول إلى المستقبل، وصولا تصاعديا وكماليا وتكامليا، يصل فيه هذا العمل إلى الجيل المقبل، من خلال الحركة والعلم والفهم والمعرفة والبناء، فيورّث ذلك للجيل الجديد ويتم تسليمه الراية، في عملية تصاعدية، لا يمكن أن تكون تراجعية وإنما هي حركة تكاملية نحو الامام.

الوصول إلى مشروع الإمام المنتظر (عجل الله فرجه) هو حركة كمالية، أي تكاملية من أجل بلوغ الكمال، يدخل فيها بعد أساسي هو الامتحان والابتلاء والاختيار، لذلك فان أحد أهم أهداف غيبة الإمام الحجة عملية امتحان شيعته وامتحان البشرية كلها في زمن الغيبة، لذا على كل فرد أن يعرف بأنه يعيش في حالة امتحان واختبار وابتلاء.

لكن البعض يتصور إننا نعيش في فراغ!، بل نحن في مرحلة عمل يقوم في جوهره على الامتحان والاختبار الذي يريد أن يجعل الإنسان في حالة تكامل مستمر، إلى أن تصل البشرية إلى مرحلة معينة، حيث تكون مستعدة لاستقبال الإمام الحجة المنتظر (عجل الله فرجه).

الانتظار مشروع حضاري، لبناء تاريخ مشرف للإنسان، وبالنتيجة يجب صقل شخصية الإنسان وجوهره، وبناء الاستعداد الذاتي والنفسي والاجتماعي والفكري والعقلي للإنسان، حتى يكون مستعدا للمرحلة المقبلة.

بناء التكامل المعنوي للإنسان

لقد حدث عندنا تحول كبير في عالم التكنولوجيا، في عصر الحداثة عصر الصناعة، وعصر ما بعد الحداثة عصر المعلومات والرقمنة او العصر الرقمي، هذا التحول الذي حصل، كله كان تحوّلا ماديا، لم يكن فيه بناء لجوهر الإنسان أو لعقله وإيمانه ونفسه، وما حدث هو تقدم مادي فقط وليس تكاملا معنويا، والأصل في التقدم الانساني هو بناء التكامل المعنوي للإنسان لكي يرتقي بنفسه، المادة محدودة لاتحقق التقدم الجوهري في اخلاق الامم، فكم جاءت أمم وذهبت بعد أن شيدت البروج والقصور والقلاع، وعاشت أمجادا زاهرة من النواحي المادية.

فالإنسان يجب أن يرتقي بنفسه من خلال عملية البناء المعنوي، ويرتقي بمعناه الداخلي ليصل إلى مرحلة متكاملة من النضج النفسي والكمالي والفكري والعقلي، لأن الإنسان يسير في حركة بعيدة المدى على مرّ التاريخ لتحقيق الغايات الكبرى، بقيادة الأنبياء والأئمة إلى خاتم الأئمة (عليهم السلام).

وهذا الأمر لابد أن نفهمه، حتى نستطيع أن نورث أجيالنا المقبلة تلك العقلية وذلك البناء التراكمي، ولو توقف التراكم المنهجي سوف نورث الأجيال المقبلة ضعفا وتخلفا.

ومعنى بناء الإنسان ان نبني فيه الاستعداد العقلي والنفسي والفكري، وهذا يعني التكامل في مقابل التناقص، النهضة في مقابل التخلف، وهذا مقياس ومعيار مهم جدا لعملية فهم الانتظار باعتباره منهجا متكاملا في عصر الغيبة.

استشراف المستقبل

عندما نعيش أيامنا يجب أن نحسب ونعدّ منجزاتنا، فماذا أنجزنا في حياتنا المعنوية والعلمية والفكرية، في عملية تفاعلية مع منهج الإمام الحجة (عجل الله فرجه)، فالانتظار هو امتحان واختبار كبير لنا جميعا، وهذه سنة العقلاء، في عملية بناء الأفضلية والتكامل وعملية بناء استشراف المستقبل.

لا يمكن أن ندخل للمستقبل ونكون جاهزين له دون أن ندخل في امتحانات وابتلاءات، تجعلنا قادرين على الدخول للمستقبل، ولذلك يقول الله سبحانه وتعالى في الآية القرآنية: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) العنكبوت 1، 2، 3.

حيث يكون الإنسان في مواجهة مواقف متناقضة وصعبة، قد تهتز فيها شخصية الافراد، إنه ليس مجرد كتابة كلمات في ورقة، وإنما يكون في مواجهة مجموعة مواقف كبيرة وصعبة، وقد يبتلي الإنسان بنفسه في عملية الظلم إذا كان في السلطة وامتحان في المال والإيمان والعلم، حتى يتغربل الإنسان من خلال هذه الأعمال، وليعلم الله الصادق من الكاذب.

الاقتراب من الإمام الحجة

إن أي شخص اذا اراد أن يصل إلى مرتبة أستاذ جامعي لابد أن تكون لديه الكفاءة والقابلية والقدرة، وأن يكون قد اجتاز امتحانات كثيرة حتى يصل إلى مرتبة أستاذ جامعي، ويكون قادرا على يعطي للطالب الدروس التي يحتاجها في عملية بنائه العلمي والاكاديمي، كذلك عملية الوصول إلى الإمام الحجة هناك حاجة إلى عملية بناء مستمرة وعبور الامتحانات بنجاح، حتى تتراكم القابليات والقدرات للقرب من الإمام الحجة المنتظر (عجل الله فرجه).

فكل شخص لابد أن يجعل لنفسه معايير ليفهم هل هو قريب من الإمام الحجة المنتظر (عجل الله فرجه) من الناحية الفكرية، والعلمية واجتناب الذنوب والمعاصي، وتطور الشخصية نفسيا واخلاقيا، حتى يكون من المنتظرين المخلصين للأمام الحجة المنتظر (عجل الله فرجه).

وإذا أردنا أن نكون من الموالين له، لابد أن نعمل بكل جد واجتهاد من أجل بناء مساهمتنا ومشاركتنا في عملية الانتظار، عبر التكاملية الفردية والاجتماعية، والتكاملية التصاعدية التراكمية نحو المستقبل.

إن الأمم التي تعيش الآن في هذا العصر، هي نتيجة لتلك التراكمات التي حصلت في الماضي، من قبل الأمم السابقة، فإذا أردنا أن نحسب بأن الإنسان كان يعيش في العصر الحجري ثم العصر الزراعي ثم العصر الصناعي ثم العصر المعلوماتي، فهي عملية توارثية أو متوارَثة، فكل أمة الآن ترث من الأمة السابقة شيئا جديدا فتنمو الأمم والمجتمعات، او ترث التخلف والفقر والجهل.

نحن كذلك إذا أردنا أن ننمو نحو الإمام الحجة (عجل الله فرجه) ونصل إليه، فلابد أن نورث العملية التكاملية لنا في بناء شخصياتنا ومجتمعاتنا للأجيال اللاحقة.

تحديات عصر الانتظار

إن أهم هدف للانتظار، أن يتم بناء الإنسان خلال الانتظار عبر بناء قدرته وقابليته على تجاوز الامتحان، ومن ثم تصفية الأفضل من هؤلاء الناس الذين خرجوا من الامتحان ناجحين، من خلال معرفة درجة استعدادهم في ترويض النفس وتمحيص الذات، والقدرة على بناء الذات واستثمار هذا الزمن والعمر في عملية بناء الاستعداد الذاتي للوصول إلى الإمام الحجة (عجل الله فرجه) والنجاح في عصر الانتظار.

(وروي عن جابر الجعفي قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام متى يكون فرجكم؟ فقال: هيهات هيهات لا يكون فرجنا حتى تغربلوا ثم تغربلوا ثم تغربلوا، يقولها ثلاثا، حتى يذهب (الله تعالى) الكدر ويبقى الصفو)، فهي عملية تصفية وغربلة، كما يمسك أحدهم الغربال، فيخرج منه الصالح ويفرزُ عنه الحجر، فيبقى اللب والصافي وتفرز عن الأشياء غير الجيدة التي لا تلائم ولا تناسب.

لذلك فإن عصر الانتظار فيه مجموعة من التحديات وهي:

أولا: الإيمان في مقابل الضلال والانحراف

فالإيمان يحصّن الانسان ويجعله بعيدا عن الضلال الذي يُخرِج الإنسان عن طريق الانتظار والعمل في منهاج الإمام الحجة المنتظر (عجل الله تعالى فرجه).

ثانيا: اليقين مقابل الشك، فالفرد في خضم الامتحانات المتلاحقة التي تصيبه، قد يخضع أو يستسلم لحالة الشك والريب والوهم، فاليقين يؤدي الى بناء شخصية متماسكة ومستقرة في الإنسان بشكل دائم.

فالشك قد يفكك شخصية الإنسان، ويحطمها، فيصبح قلقا نفسيا ومرتابا ويعيش حالة من عدم الفهم والغموض والهلع والخوف، لكن في المقابل اليقين قد يجعله متماسكا وقادرا على مواجهة العواصف التي تهبّ عليه.

إن جوهر وأساس هذا الإيمان هو فكرة الإمام المهدي المنتظر: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) البقرة/3، فنحن نعيش حالة الغيب، ولكن مشكلة بعض الناس أنهم يريدون أن يلمسوا كل شيء حسيا، لكن الامتحان الحقيقي يكمن في الايمان بالغيب لأنه الطريق الى الاهتداء واليقين والنجاح، (والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ، أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) البقرة 4/5)

ألا بذكر الله تطمئن القلوب

عملية الغيب هي عملية تفكير مستمر، وعملية مقاومة قوية للانهيار أمام الماديات، لذلك يتّضح هنا الإيمان واليقين، بحيث يتفوق على الحالة المادية التي تحجب الإنسان وتمنعه من الوصول إلى مرتبة أعلى، وأن يعبر الحجُب والجدران التي تمنعه، فبالإيمان واليقين يعبر إلى عالم جديد.

الصالحون الذين يروضون أنفسهم بالورع عن محارم الله والتقوى يصلون إلى مرتبة عالية من الإيمان واليقين، فأصبحوا يعيشون وضع (ألا بذكر الله تطمئن القلوب)، وهذا الاطمئنان يضع الفرد في مسيرة إيجابية نحو الإمام الحجة المنتظر (عجل الله فرجه).

ثانيا: العلم مقابل الجهل

الإنسان الجاهل سواءً كان قاصرا أو مقصّرا، لا يمكن ان يصل إلى مراتب عالية، وإذا أراد أن يصل مثلا إلى مرتبة الأستاذية عليه أن يعبر سلسلة من المراتب المتصاعدة، حتى يصل إلى المرتبة الأعلى، فالعلم هو بناء الإنسان المعرفي الذي سيعطيه القوة في الإيمان واليقين والصحة النفسية، والصحة العقائدية.

العلم هو الذي يعطي للإنسان القدرة على استيعاب فلسفة الغيبة، وهو الأساس الذي يوصل الإنسان إلى الفهم الحقيقي لمعنى الغيبة، وأكثر الناس يسقطون في هذا الامتحان نتيجة للجهل، وعدم التعلم، وإذا قرأنا الروايات التي تتعلق في طلب العلم والتعلم، فإن رسول الله وأهل البيت (صلوات الله عليهم اجمعين) أكدوا على هذا الجانب كثيرا كواجب أساس، فعنه (صلى الله عليه وآله): (طالب العلم طالب الرحمة، طالب العلم ركن الإسلام، ويعطى أجره مع النبيين)، وعن الامام محمد الباقر (عليه السلام): (الكمال كل الكمال التفقه في الدين، والصبر على النائبة وتقدير المعيشة)، وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (لا خير في العيش إلا لرجلين عالم مطاع، أو مستمع واع).

المرجع الديني السيد صادق الشيرازي يقول في كتابه عبير الرحمة: (إن مسؤوليتنا تتمثل أولا في تعلّم الإسلام والعمل به، وتعليمه، وهي تقع على عاتق كل فرد مسلم).

ثالثا: الاستقامة مقابل الاستسلام

فالاستقامة محورية في ممارسة الانتظار، لأنه غالبا ما ينهار الناس أمام الظروف الصعبة، ونعني بالاستقامة أن يمشي الإنسان في الطريق الصحيح، وأن يكون مقاوما إلى أبعد حد في عملية السير بهذا الطريق، حتى يصل إلى الأهداف والغايات، والاستقامة في كل الأحوال تقود إلى طريق النجاح والفلاح والازدهار دائما. وقد قال تعالى: (وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا) الجن ١٦، (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون) الأحقاف ١٣.

الاستقامة تجعلك بالنتيجة متمسكا بمبادئك، وطريقك المستقيم إلى أن تصل إلى النهاية والغاية المطلوبة، ولن يتحقق هذا الهدف إلا بالاستقامة، بعض الناس من الذين كانوا في الأجواء الدينية فقدوا الاستقامة وانحرفوا استعجالا لحصد المكاسب واستسلموا لبريق المغانم، فأضاعوا الدنيا والآخرة. (فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير) هود ١١٢.

الاستقامة اسلوب إيجابي لتحقيق النتائج الجيدة، وكل عمل يدخله الإنسان يحتاج إلى الاستقامة، فإذا دخلتَ في التجارة وتريد أن تحقق الربح الجيد لابد أن تستقيم لكي تحقق أرباحك بعد سنتين أو ثلاث سنوات وحسب نوع العمل الذي عملت فيه، ولاتستعجل في حصد الأرباح والا فسوف تفشل. الاستقامة في العمل تجعل الإنسان يربح في المستقبل، مع الإدارة الجيدة والالتزام الشرعي، وغالبا ما يفشل الناس في حياتهم نتيجة للاستسلام نتيجة لاستعجاله وبالتالي انحرافه ومحاولة الحصد المبكر للنتائج (الأرباح)، هذا الاستعجال يؤدي به إلى الاستسلام والسقوط قبل أن يكمل الطريق.

هذا هو الفرق بين الناجحين والفاشلين، لذلك فإن النجاح في المشروع المهدوي، ومشروع الانتظار لابد أن يكون معتمدا على الاستقامة في الطريق المستقيم والوصول الى البشائر الكبرى.

رابعا: الأمل مقابل اليأس

هناك كثير من الناس عندما يصلون إلى مرحلة معينة ونتيجة للمشكلات الموجودة سوف يفقدون آمالهم، ويفقدون الرؤية للمستقبل، وتسيطر عليهم حالة اليأس والإحباط والتشاؤم، لذا فالأمل مهم جدا في المشروع المهدوي. فعن الإمام علي (عليه السلام): (انتظروا الفرج ولا تيأسوا من روح الله، فإن أحب الأعمال إلى الله عز وجل انتظار الفرج)، وعنه (صلى الله عليه وآله): (أفضل أعمال أمتي انتظار الفرج من الله عز وجل).

خامسا: التوكل على الله مقابل التشاؤم

(الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون) العنكبوت 59. وعن الإمام علي (عليه السلام): الإيمان له أركان أربعة: (التوكل على الله، وتفويض الأمر إلى الله، والرضا بقضاء الله، والتسليم لأمر الله عز وجل).

وعن الإمام الصادق (عليه السلام): (أدنى حد التوكل أن لا تسابق مقدورك بالهمة، ولا تطالع مقسومك، ولا تستشرف معدومك، فتنقض بأحدهما عقد إيمانك وأنت لا تشعر). وعن الإمام علي (عليه السلام): (التوكل من قوة اليقين).

سادسا: الحركة مقابل السكون

فالمجتمع الجامد الراكد الساكن لا يستطيع أن يكون منتظِرا، لأن الانتظار يقوم على فلسفة عمل، وسعي وحركة مستمرة، من أجل بناء الشخصية تدريجيا، كما يبني الإنسان بيته، فيضع حجرا على حجر حتى يصعد البيت ويكتمل.

يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: (إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى) سورة طه، آية 15. فالأمور مخفية وليست واضحة وتحتاج إلى سعي في استكشافها، وباستكشافها يتكامل وينضج.

الكسل محبط والجمود مميت، فهل نحن كسولين نعيش السكون المطبق ومتخلفين نغرق في اللاشيء، أم نحن متحركين نسير في طريق النهضة والتقدم نحو الأمام، وهذه المطابقة في عملية بناء التكامل في عصر الانتظار. وعن الإمام علي (عليه السلام): (إن الأشياء لما ازدوجت ازدوج الكسل والعجز فنتجا بينهما الفقر). وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله): (أما علامة الكسلان فأربعة: يتوانى حتى يفرط، ويتفرط حتى يضيع، ويضيع حتى يأثم ويضجر).

سابعا: اللاعنف في مقابل القسوة

القسوة والعنف دائما وفي جميع الأحوال يخالف منهج أهل البيت (عليهم السلام)، ويخالف المنهج البنائي لقضية الانتظار.

السيد المرجع الشيرازي يذكر هذه النقطة في كتاب قيم وانا أوصي بقرائته عنوانه (عبير الرحمة) حيث يبيّن فيه سماحته صفات الإمام المنتظر (عجل الله فرجه)، هذا الكتاب فيه ثلاثة محاور: المحور الأول: يتطرق فيه حول منهج الإمام المنتظر (عجل الله فرجه) وأن منهجه هو اللاعنف واللين والرحمة على منهج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومنهج الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام).

بعضهم حاول في بعض الروايات أن يلصق العنف بمنهج الإمام الحجة (عجل الله فرجه)، لكن سماحة المرجع الشيرازي يردّ هذه الروايات كلها، ويعتبرها روايات (موضوعة) وليست صحيحة، ويذكر الروايات الصحيحة التي تقول إنه يسير بسيرة جده رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ويسير بسيرة الإمام علي (عليه السلام) وهي سيرة الرحمة والرفق واللين.

وفي المحور الثاني من الكتاب يذكر الطرق التي تقربنا من الإمام الحجة (عجل الله فرجه).

وفي المحور الثالث يتطرق إلى مسؤوليتنا وواجباتنا تجاه الإمام الحجة (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، فهذا الكتاب مهم في فهم منهج الانتظار، وكيف نستطيع أن ننجح في امتحان الانتظار.

اللاعنف منهج العدالة

وفي رواية عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) عنه صلّى الله عليه وآله: (رجل من ولدي.. يرضى بخلافته أهل الأرض وأهل السماء، والطير في الجوّ).

ويقول السيد المرجع في تعليقه على الرواية: (ومعلومٌ أنّ حبّ أهل الأرض إنّما يجتمع مع الرفق وما أشبه). كاللين واللاعنف والحلم والرحمة، وهذه الصفات تؤدي إلى الناس واجتماعهم حول القائد، فكلما كان القائد رحيما ليّنا رفيقا لاعنيفا، يجتمع الناس حوله.

كثير من الحيوانات في حالة انقراض وتلوث، بسبب عنف البشر وتبذيرهم لموارد الأرض، بسبب الاستهلاك المفرط والصناعة الملوثة، وبالنتيجة يتم تدمير الإنسان والحيوان بسبب الكوارث التي تخلقها ظواهر الاحتباس الحراري والاختلال البيئي. فالاختلال الموجود اليوم في مناحي الحياة كافة، هو نتيجة للظلم وعملية الاستغلال الجائر لموارد الأرض واستنزاف الارض، وهيمنة الكبار على الفقراء واشتعال الحروب والصراعات.

لكن الإمام الحجة (عجل الله فرجه) يرفع الاختلال ويحقق التوازن والعدالة الشاملة حيث ينشر العدالة بين الجميع، فتصبح الأرض متوازنة منسجمة متعايشة، ويرفع العنف عن الإنسان والحيوان وعن الكرة الأرضية أيضا، وتحقيق حالة من الانسجام والتعايش والتعاون، وهذا هو معنى القيادة الصحيح والسليم، والقيادة الناجحة التي تستطيع أن تحقق التوازن والمساواة في حياة البشر.

فعن رسول الله ص: (أبشّركم بالمهدي يُبعث في أمّتي على اختلاف من الناس وزلازل، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض، يقسم المال صحاحاً. فقال له رجل: وما صحاحا؟ قال: السوية بين الناس).

فلسفة الانتظار الناجح هو الذي يكون مقرونا بالمعرفة والصبر واليقين والعلم والاستقامة والحركة واللاعنف، وبهذه القيم يكون الانتظار منتجا ومثمرا، فيُطلَق على الإنسان المنتظِر بأنه منتظِر حقا.

* سلسلة حوارات تبث على قناة المرجعية تحت عنوان (جواهر الأفكار)

اضف تعليق