مقدمة تاريخية

التاريخ نبع فيَّاض بدروسه وعِبره، ومن أعظم وأجل وأجمل دروس التاريخ الإسلامي كان ما حدث في يوم 18 ذي الحجة عام 10 من الهجرة الشريفة وهو ما نعرفه بعيد الغدير الأغر.

فلماذا لا نبحث عن هذا الحادث بدل أن ننكره، وهو ثابت في الزمان والمكان؟

ولماذا لا نبحث عن دروسه وعبره ونستفيد من تلك الخطبة الرائعة والراقية جداً التي هي من الخطب القليلة التي حفظها التاريخ كاملة من رسول الله (ص)، بدل أن ننكرها ونؤولها، ونلي عنقها كما تريد السلطات الحاكمة، أو الطغاة من سلاطين هذه الأمة، فقد مضى الجميع ويجب علينا أن نعيد القراءة من جديد وأن نقف على الحق ونلتزم به، وعلى الباطل ونرفضه فالحق أحقُّ أن يتبع.

فحادثة وواقعة الغدير ثابتة في التاريخ، والسيرة، والأدب فلماذا يُحاول البعض في تشويهها أو تشويه صورتها الناصعة من تاريخنا الإسلامي المجيد؟ انطلاقاً من عصبية جاهلية وأهواء نفسية إما لشفاء غيظ وحقد، أو إرضاء لحاكم ظالم وأمير فاسد ومفسد في البلاد والعباد..

منطق التاريخ والسيرة

ونأخذها من سماحة الإمام الشيرازي الراحل حيث يقول: "ذكر ثقاة المفسرين أنها نزلت – آية البلاغ - على النبي الأعظم (ص) لكي يبلِّغ ولاية أمير المؤمنين (ع) إلى الناس، وقد ذكر المفسرون، والمؤرخون، والمحدثون جميعاً في تفسير هذه الآية؛ أنّ رسول الله (ص) قرّر الذهاب إلى الحج في السنة الأخيرة من حياته، والذي عرف فيما بعد بحجة الوداع، فوجّه (ص) نداءه إلى المسلمين كافة يدعوهم فيه إلى أداء فريضة الحج وتعلّم مناسكه منه، فانتشر نبأ سفره، وصدى ندائه في المسلمين جميعاً، وتوافد الناس إلى المدينة المنورة، وانضمّوا إلى موكب الرسول (ص) حتى بلغ عدد الذين خرجوا معه (120) ألفاً على أغلب الروايات، وفي بعض مصادر العامة (180) ألفاً، والتحق بالنبي(ص) ناس كثيرون من اليمن ومكة وغيرهما، ولمّا أدى الرسول (ص) مناسك الحج انصرف راجعاً إلى المدينة، وخرجت المسيرة التي كانت تربو على (120) ألفاً من المسلمين، حتى وصلت إلى أرض تسمى «خُم» وفيها غدير اجتمع فيه ماء المطر يدعى (غدير خم) وكان وصولهم إليه في اليوم الثامن عشر من شهر ذي الحجة من عام حجة الوداع وفي سنة عشر من مهاجره (ص).

وعندما وصلت المسيرة العظيمة إلى هذه المنطقة هبط الأمين جبرئيل من عند الله تعالى على رسول الله (ص) هاتفاً بالآية الكريمة: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) (المائدة: 67) أي: في علي (ع) فأبلغ جبرئيل الرسول (ص) رسالة الله إليه: بأن يقيم علي بن أبي طالب (ع) إماماً على الناس وخليفة من بعده ووصياً له فيهم، وأن يبلغهم ما نزل في علي (ع) من الولاية وفرض الطاعة على كل أحد.

فتوقف النبي (ص) عن المسير وأمر أن يلحق به مَنْ تأخر عنه ويرجع مَنْ تقدم عليه، وكان الجو حاراً جداً حتى كان الرجل منهم يتصبَّب عرقاً من شدة الحر وبعضهم كان يضع بعض ردائه على رأسه والبعض الآخر تحت قدميه لإتقاء جمرة الحر وشدته (الهجير، والهاجرة).

وأدركتهم صلاة الظهر فصلى رسول الله (ص) بالناس ومدَّت له ظلال على شجرات ووضعت أحداج الإبل بعضها فوق بعض حتى صارت كالمنبر، فوقف الرسول (ص) عليها لكي يشاهده جميع الحاضرين ورفع صوته من الأعماق ملقياً فيهم خطبة بليغة مسهبة، ما زالت تصكُّ سمع الدهر، افتتحها بالحمد والثناء على الله سبحانه، وركّز حديثه وكلامه حول شخصية خليفته الإمام أمير المؤمنين (ع)، وذكر فضائله ومناقبه ومزاياه ومواقفه المشرّفة ومنزلته الرفيعة عند الله ورسوله، وأمر الناس بطاعته وطاعة أهل بيته الطاهرين، وأكّد أنهم حجج الله تعالى الكاملة، وأولياؤه المقرَّبون وأُمناؤه على دينه وشريعته، وأنّ طاعتهم طاعة الله تعالى ورسوله ومعصيتهم معصية لله، وإنّ شيعتهم في الجنة ومخالفيهم في النار.

وكان مما قال (ص): (يا أيها الناس، إنه لم يكن نبي من الأنبياء ممن كان قبلي إلا وقد عمره الله ثم دعاه فأجابه، فأوشك أن أُدعى فأجيب، وأنا مسؤول وأنتم مسؤولون، فماذا أنتم قائلون؟» فقالوا: نشهد أنك قد بلَّغت ونصحت وجهدت، فجزاك الله خيراً).

إلى أن قال (ص): (إن الله مولاي وأنا مولى المؤمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم، فمن كنت مولاه فعلي مولاه ـ يقولها ثلاث مرات ـ ثم قال: اللهم والِ من والاه وعادِ من عاداه، وأحب من أحبَّه، وابغض من أبغضه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأدر الحق معه حيث دار، ألا فليبلِّغ الشاهد منكم الغائب). (عيد الغدير: ص11 بحار الأنوار: ج37 في أخبار الغدير ص108)

هذه الحادثة، والرواية، هي مما أطبق عليه علماء التاريخ والسيرة النبوية، ولا يمكن لأحد أن يدرس سيرة رسول الله (ص) إلا أن يمرَّ بها لأنها محطة من أهم وأعظم المحطات الأخيرة في تاريخ السيرة النبوية الشريفة، إذ أن رسول الله (ص) بعدها بشهرين ونصف إلتحق بالرفيق الأعلى ولكن لم يتركوه يلتحق بيسر وبساطة وهدوء بل ملؤوا نفسه غيظاً، وقلبه غضباً عليهم حتى طردهم من بيته ومجلسه، إذ قذفه الرجل واتهمه بعقله حين قال: "إن نبيَّكم يهجر، أو هجر، أو غلبه الوجع"، وكل ذلك لأنه كان يُريد أن يُؤكد ما قاله في يوم غدير خم من الولاية لأمير المؤمنين والوصاية بالثقلين، ولكن الرجل عرف ذلك منه فمنعه كما هو يعترف لعبد الله بن عباس فيما بعد، حيث ذكر أحمد بن أبي طاهر في كتابه؛ تاريخ بغداد، مسنداً محاورة جريأة جرت بين ابن عباس وبين عمر بن الخطاب، قال عمر لابن عباس: يا عبد الله، عليك دماء البُدن إن كتمتنيها، هل بقي في نفسه – علي (ع) - شيء من أمر الخلافة؟ قلتُ: نعم.

قال: أيزعم أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) نصَّ عليه؟

قلتُ: نعم. وأزيدك: سألتُ أبي عمَّا يدَّعيه؟ فقال: صدق.

فقال عمر: لقد كان من رسول الله (صلى الله عليه وآله) في أمره ذرو من قول، لا يثبت حجة ولا يقطع عذراً، ولقد كان يربع في أمره وقتاً ما، ولقد أراد في مرضه أن يُصرِّح باسمه، فمنعتُ من ذلك، إشفاقاً وحيطةً على الإسلام، لا، ورب هذه البُنية، لا تجتمع عليه قريش أبداً، ولو وليها لانتقضت عليه العرب من أقطارها، فعلم رسول الله (صلى الله عليه وآله) أني علمتُ ما في نفسه فأمسك، وأبي الله إلا إمضاء ما حتم".. (شرح النهج ج ٣ ص ٩٧ وعلي ومناوئوه ص ٢٦؛ كشف اليقين: 462/562، كشف الغمّة: 2/46، بحار الأنوار: 38/156)

فالرجل يعلم ما في ضمير رسول الله (ص) ولذا رماه بالهجر والهذيان والتخريف –والعياذ بالله– وليس ذلك فقط بل يعلم ما هو أصلح للإسلام، وهو أحوط عليه من رسول الله (ص) بل من الله رب العالمين لأن رسول الله لا ينطق عن هوى نفسه بل بما يأمره به ربه سبحانه، فالرجل هو الذي حفظ الإسلام وأحاط المسلمين، وليته يرى ما نحن فيه اليوم من الاختلاف والضلال والضياع.

فرسول الله (ص) طلب أن يكتب لهم كتاباً (لن يضلوا بعده أبداً) فمنعه لنضل الطريق أبد الآبدين إلى أن يبعث إلينا مَنْ يجمعنا بعد أن فرَّقنا رجال قريش إلى طرائق قددا، فصرنا ثلاث وسبعون فرقة وفي كل فرقة ربما ثلاث وسبعون وكلها في النار لأنهم على ضلال قطعاً، والفرقة الوحيدة الناجية منا هي (ما أنا عليه وأهل بيتي) كما في حديث الثقلين الذي رفضه ممثل قريش في ذلك اليوم ووضع نظريته وبدعته: "حسبنا كتاب الله"، ولن نعود ونجتمع حتى نعود ونجمع الثقلين (كتاب الله وعترتي أهل بيتي).

الغدير تاريخ مشرق

نعم؛ هذا واقع لا يُنكر إلا من النواصب الذين يبغضون أمير المؤمنين (ع) وربما يتعبَّدون الشيطان بذلك، ولو رجعت الأمة الإسلامية إلى ذلك التاريخ وانطلقت منه كقاعدة تربوية وثقافية ودينية لوجدوه تاريخاً مشرقاً بالمكرمات، والفضائل، ولن تجد تلك الأفكار والفرق الضالة المضلة الذين فرقوا الناس شيعاً وأحزاباً، وكل فرقة وحزب بما لديهم فرحون.

فالغدير يوحِّدنا تحت راية نصبها رسول الله (ص) بأمر من الله تعالى، وأخذ عليها البيعة منهم جميعاً وأشهدهم وحمَّلهم مسؤولية البلاغ والتبليغ (ليبلغ الشاهد منكم الغائب)، ولكن رجال قريش وأصحاب النظرية القرشية في الخلافة والحكم، هم يظنون أنهم يُحسنون صنعاً في حينها، ولكن لو خضع لرسول الله (ص) وسمع كلامه والتزم أمره وأعطاه كتفاً ودواة وكتب رسول الله (ص) وصيته لعصم الأمة من التيه والضلال إلى أبد الدهر، ولكنه اجتهد فأخطأ – كما يقولون لأنه لا اجتهاد في وجود رسول الله (ص) – بل عصى الله ورسوله وظن أنه أحوط للإسلام ويتهم رسول الله (ص) بأبشع أنواع التهم (التخريف) حتى قال روحي فداه: (إن ما أنا فيه خير مما ترمونني به)، أي أن الموت كان أهون عليه من تهمة الرجل القرشي له بالهجر.

الغدير نبع مغدق

والغدير هو ما اجتمعت فيه مياه الأمطار، أو أنه النبع الساكن مقابل الجاري، فهو نبع ولكن لا يجري على الأرض، ولكن عيد الغدير الأغر غير ذلك تماماً لأنه العيد الذي يُغيِّر وجه التاريخ والحاضر ويبني المستقبل بحضارة راقية تنهل من ذاك النبع الزلال، فهو نبع معطاء ومغدق لا ينضب لأنه متصل بالسماء والقرآن الحكيم، وفي الأرض بالرسول الكريم (ص)، والراعي والساقي عليه أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب وأبناؤه (صلوات الله عليهم).

فلو عادت الأمة إلى صاحب الغدير واتبعته وبايعته على الالتزام بولايته قولاً وفعلاً لأكلوا من فوق رؤوسهم ومن تحت أرجهم ولأعطتهم الأرض خيراتها، وأنزلت السماء بركاتها، ولكنهم ذهبوا إلى ذاك السراب الذي يحسبه الظمآن ماء ركضاً خلف رجال قريش وسرابهم الذي أضلهم وأضل كل مَنْ جاء بعدهم إلى قيام الساعة لأنه سراب لا حقيقة له ولا ماء فيه، وأما الغدير فهو حقيقة ثابتة ومترع بالماء الزلال.

ولكن هذه الأمة التي لا يوجد أحد بين الأمم أجحد منها لحق ذوي القربى فيها، وهو الذي جعله الله سبحانه أجراً للرسالة الإسلامية في قوله تعالى: (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) (الشورى: 23)، لكنهم دخلوا الإسلام ولم يدفعوا الأجار والثمن فكانوا كالغاصبين، وليس ذلك فقط بل جعلوهم أعداءهم تبعاً لقريش الظالمة أولاً ثم لبني أمية الشجرة الملعونة في القرآن قال تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآَنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا) (الإسراء: 60)

فقتلوا أهل البيت (ع) تحت كل حجر ومدر حتى كان المنادي ينادي في يوم عاشوراء حيث أبادوهم عن جديد الأرض كما ظنوا: "اقتلوهم ولا تدعوا لهذا البيت من باقية"، فقتلوا الرجال والأطفال وساقوا الحرائر من بنات الوحي والرسالة سبايا على المطايا ينقلوهن في أكثر من أربعين منزلاً إلى أن وصلوا إلى الشام عند الطاغية الباغية يزيد الشر.

في ذلك اليوم الذي حاول فيه صبيان النار الأموية أن يطفؤوا نور الله بأفواههم، ويطمسوا الغدير بالسراب والهجير إلا أن الله سبحانه وتعالى حاشا وكلا أن يطفأ نوره في هذه الحياة المتمثل في أهل البيت الأطهار الأبرار (عليهم السلام).

فعيد الغدير الأغر تاريخ مشرق على الدنيا بالفضائل والمكرمات والقيم الإنسانية، ونبعه مغدق وفيَّاض بكل المعاني النبيلة في هذه الحياة، ولكن هذه الأمة جحدت الغدير وقتلت صاحبه الأمير (ع) وراحت تركض خلف كل جبار متكبر حقير من الحكام والسلاطين فأضلوا العباد وأفسدوا الدِّين والدنيا وما زالت هذه الأمة ترجوا الصلاح من موطن الفساد فيها وهذا من أعجب العجب.

لأن الصلاح يأتي من الصالح لا الطالح، والماء من الغدير لا من سراب الهجير، فمتى تستيقظ هذه الأمة من هذا الكابوس الخطير على وجودها لا سيما في هذا العصر الأغبر؟

اضف تعليق