لم تكن إمامة الأئمة المعصومين (عليهم السلام) مقتصرة على نموذج واحد تطرحه الإرادة الإلهية العليا للقائد المكلف بخلافة الأنبياء والرسل (عليهم السلام) وتمثيل رسالات الله (عز وجل)، وإنما اشتملت الإمامة على تنوع كبير في الأشكال والأنماط، والتي عكست تحديات المرحلة التاريخية وحلولها المطروحة، لتكون الإمامة طيفاً شاملاً يقدم للناس دروساً تقود المكلف إلى معرفة واجباته بحسب تفاعل الإمام المعصوم مع مجريات الواقع.

فمنذ البدء كان الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) قائداً منصباً من الله والناس، ثم تلاه ولداه: الإمام الحسن (عليه السلام) قائداً أراده الله وتركه الناس، والإمام الحسين (عليه السلام) ثائراً على سلطة الغاصبين وخيانة الناس. ففي هذه النماذج الثلاثة كان المعصوم يتبوأ مراتب متنوعة في هرم التكوين السياسي والاجتماعي دون أن يؤثر ذلك على منصبه الإلهي كإمام معصوم مفترض الطاعة، أما الناس (المكلفون) فكانوا يدورون في فلك التغيرات التي تتنازعها الأهواء والرغبات. فالبوصلة تشير دوماً إلى اتجاه واحد شاء من شاء وأبى من أبى، سواء أكان شخصاً بمفرده، أو جماعة متحكمة أو جماهير غفيرة.

وتتوالى النماذج لنجد في بعضها تفاوتاً شديداً يقدم مثالاً رائعاً على قدرة الإمام على إدارة شؤون مسؤولياته الإلهية من كافة المواقع، حيث نجد أن الإمام الكاظم (عليه السلام) يمارس من سجنه تلك المسؤوليات، ثم تنتقل الإمامة إلى ابنه الإمام الرضا (عليه السلام) ليمارسها من منصب ولاية عهد المأمون العباسي، مع ما تخلل ذلك من ضغوط وصلاحيات محددة، لكن الثابت الوحيد في المعادلة كان منصب الإمامة الذي لم تتوقف أعماله نتيجة سجن أو مضايقة من جهة، أو بزيادة المسؤوليات والتحديات من جهة أخرى.

إمامة الإمام المهدي ... متعددة الأبعاد

وبالوصول إلى الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف). نجد أن إمامته امتد تأثيرها في العديد من الأبعاد التي نذكر منها:

1. مكانة الإمام الخاتَم، وبهذا يمتد التأثير منذ إخبار النبي (صلى الله عليه وآله) بإمامته.

2. مكانة الإمام المُخَلِّص، وبهذا يلخص آمال البشرية منذ بداية تداول مفهوم (المُخَلِّص)، وانتهاء بظهوره (عجل الله تعالى فرجه الشريف).

3. مكانة الإمام كغيره من الأئمة. وهي ذات مراحل أربع: قبل الغيبة، الغيبة الصغرى، الغيبة الكبرى، الظهور.

إن المكانة الأخيرة هي التي يقع واجب المكلف ضمن دائرتها، ولا يتحقق التزامه بأداء واجباته تجاه الإمام إلا بملاحقة أحداثها لمعرفة ما يترتب عليه منها، وذلك بحسب حيثيات كل مرحلة:

1. قبل الغيبة: ما يصدر لفظاً عن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، وبه تتحدد تفاصيل التعيين والواجبات المترتبة على ذلك من إمام غير غائب.

2. الغيبة الصغرى: ما يصدر عن النائب المعين من الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف).

3. الغيبة الكبرى: وفيها يتخير المكلف من يراه خليقاً بأن يكون النائب عن الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف) وفق شروط معينة.

4. الظهور: وفي هذه المرحلة يمارس الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف) دوره الطبيعي كما فعل آباؤه (عليهم السلام).

ولا شك في أن المرحلتين الأولى والأخيرة واضحتان لا يتردد فيهما المكلف عن الالتزام بواجبه، لأنه قادر على معرفة الحقيقة من مصدرها، أما المرحلتان الأخريان ففيهما مسؤولية كبيرة تقع على عاتقه لأول مرة منذ بداية تاريخ التكليف، وهي: تحديد مصدر القيادة (نائب الإمام الذي يمارس مهام الإمام).

الغيبة الصغرى (260 – 329هـ)

امتدت الغيبة الصغرى قرابة سبعين عاماً اقتصر فيها واجب المكلف على اتباع النائب المعين من قبل الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، وكان النواب يلي أحدهم الآخر بحسب توصية الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف) بذلك من خلال النائب نفسه، وهذا يعني أن تعيين النائب كان يستلزم ثقة المكلف بالنائب الذي سبقه، وهذا أمر يسير انطلاقاً من ثقة الإمام العسكري (عليه السلام) بالنائب الأول، ثم يكون الأمر بعدها تلقائياً، لكن الأمور لم تستمر على ذلك المنوال، وانتقل المكلف إلى مرحلة جديدة ذات مسؤولية أكبر.

الغيبة الكبرى

بعد أن سرى الخبر باشتداد المرض على النائب الرابع (علي بن محمد السمري)، قيل له: (من وصيك من بعدك؟) فقال: (لله أمر هو بالغه).

وكانت هذه الجملة إيذاناً ببداية عصر جديد، إذ كيف للمكلف أن يعلم بأمر الله الذي لم يصرح به النائب الرابع، لكن تلك الجملة حملت في ثناياها معنى لم تؤده كلماتها، وذلك أن الأمة انتقلت إلى مرحلة تحمل المسؤولية واختيار الأصلح، وأن الثقة بقدرة الناس على معرفة الطريق توثقت بما خبروه من تجارب عاشتها الأجيال قرناً بعد قرن، وترسخ ذلك بفضل الأحاديث الواردة في تحريم توقيت نهاية الغيبة الكبرى بظهور الإمام، ومن ذلك الحديث التالي:

روي أنّ الفُضيل سأل الإمام الباقر(ع): لهذا الأمر وقت؟ فقال (عليه السلام): "كذب الوقّاتون، كذب الوقّاتون، كذب الوقّاتون". (الكافي للكليني).

ثم ظهر الشيخ المفيد

في كتاب حول الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) للسيد الشهيد حسن الشيرازي (قدس سره) نجد ملاحظة مهمة قلَّ من تناولها بالبحث من العلماء والدارسين، وهي أن ظهور الشيخ المفيد (338-413هـ) كزعيم للشيعة في عصره شكّل نقطة تحول في تاريخ مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، فهذا العالم الجليل كان الأول في سلسلة جديدة من الزعماء يعتمد تنصيبهم على خصائص لا تنحصر في مجال واحد، إذ لم يكن "مجرد فقيـه" بحسب التعبير الوارد في كتاب "كلمة الإمام المهدي"، وإنما كانت شخصيته تنطوي على خصائص أخرى جعلت منه موضع إجماع في مرحلة حساسة من مراحل التاريخ. فلقد جاء في هذا الكتاب المهم:

"وبوفاة علي بن محمد السمري وجد الشيعة أن قيادتهم انحصرت في فقهائهم، وفقهاؤهم لا يتميزون عنهم إلا بقسط من المعلومات، فأصيبوا بفراغ قيادي ضاغط. فإجماعهم على الشيخ المفيد دليل على أنهم وجدوا فيه أكثر من مجرد فقيه".

وإذا أمعنا النظر في مجريات الأمور، بدءاً من حيثيات الغيبة الصغرى، وانتقالاً إلى عصر الشيخ المفيد، نجد أن الغيبة الصغرى مثلت مرحلة انتقالية يتكيف فيها المكلف مع مفهوم القيادة غير المعصومة، بعد قرنين ونصف من التعيين الموثوق، إماماً بعد إمام، وسبعين عاماً من النيابة الموثوقة، لتبدأ بعد ذلك آليات مختلفة تسعى للحيلولة دون الوقوع في أحد فخين مهلكين: زعماء مزيفين يستسهلون الكذب لتحقيق مآربهم كـ(الشلمغاني) وغيره، والرأي الجماهيري الذي تحركه الأهواء والشهوات.. وفي تبيان ذلك حديث يطول.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1