الحل للازمات التي يمر بها العالم هو انساني وليس تكنولوجيا او اقتصاديا او علميا، فمع التطور الكبير الذي حصل في العقود الأخيرة تزيد الاختلالات وفقدان التوازن مع نمو التوحش والانغلاق على المصالح الذاتية، فالعولمة توصف من قبل بعض المفكرين بانها متوحشة زادت من معاناة الأكثرية العظمى من البشر، حيث اصبحت سلاحا بيد الأقوياء للهيمنة والتحكم دون ان تحقق التوازن المطلوب للعيش في عالم واحد.

ليس عالما واحدا بل عوالم متعددة صنفها المستأثرون للعيش والترف في عالمهم الخاص والضيق، فكان المفروض من العولمة ان تخلق عالما واحدا يتعايش فيه الجميع في حركة إيجابية لتحقيق الربح للكل، ولكن هناك رابحون قليلون جدا وخاسرون كثيرون جدا، لذلك يخسر الجميع في عالم مفكك يغرق بالشك بالحاضر واللايقين من المستقبل.

والأسباب:

1- عالم يمارس القسوة ضد بعضه وينتهك حقوق الاخرين باسم المصالح، فطغى العنف والتطرف والكراهية وسحق الطبقات الضعيفة، فكيف يأمل المستغنون ان يعيشوا في هكذا عالم خطير وهم يمارسون بناء اختلالاته.

2- عالم يمارس اضمار الشر وتفكيك منظومته الإنسانية بغطاءات ايديولجية، البقاء للاقوى، فاضمحلت نوازع الأخير وتضخمت الغرائزية والانانية واللامبالاة.

3- عالم يمارس الازدواجية تحت غطاء الغاية تبرر الوسيلة، فحقوق الانسان والحريات وسيلة للحرب ضد الخصوم او تعزيز الهيمنة لذلك يتحالفون مع شياطين الاستبداد عندما يرون في ذلك مصالحهم وهي ليست مصالح بل أطماع واوهام.

4- عالم يمارس التقدم العكسي، حيث يتقدم سريعا جدا ماديا وتكنولوجيا ولكن يستمر في فقدان عمقه المعنوي والإنساني الذي يشكل المحتوى الاجتماعي المتوازن، فيتحول الانسان الى مجرد آلة وشكل مفرغ من محتواه الداخلي، وتتشكل الفلسفات والايديلوجيات والقيم في اطار هذا المنظور المادي البحت الذي اصبح دينا جديدا يشكل الهويات الجديدة المنعزلة والمشتتة.

لقد كشف فيروس كورونا المستجد في أزمته العظمى عن ذلك الاختلال العميق الذي فرضه هذا التطور الطاغي في اشكاله الهشة في اعماقه، مما سبب قلقا وجوديا وعدم المعنى وغرقا في بحار اللاشيء.

ان ذلك الانحدار السريع نحو الازمات الوجودية المتكاثرة يستدعي الوقوف لإعادة تشكيل المجتمعات البشرية من خلال إعادة النظر في القيم الأخلاقية الحاكمة وبناء منظومة جديدة تتناسب مع شخصية الانسان وفطرته وهويته التكوينية الحقيقية.

الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام) في كلماته وخصوصا في عهده لمالك الاشتر، ركز على بناء المنهج القويم في بناء السياسات الصالحة لتحقيق العدالة والتوازن الاجتماعي، ومحور هذا المنهج هو الانصاف.

الانصاف ان يمارس العدالة الذاتية من خلال نفسه وليس مايفرضه عليه القانون الخارجي بالقوة، لان الكثير من الحقوق قد تضيع بقوة القانون الذي لايرى ابعد من ما هو مدون، لكن انصاف الانسان للآخرين من نفسه يحمي حقوق نفسه والآخرين، لذلك يؤكد الامام علي (عليه السلام) ان العدالة الحقيقية تنبثق من الادراك الذاتي للإنسان للحقوق والواجبات، فهي عدالة إنسانية أخلاقية تعتمد على التقوى والورع وترويض النفس على قواها الذاتية الرادعة عن الاهواء والغرائز والطغيان الاعمى والاستئثار الاهوج.

يقول (عليه السلام): (فَلْيَكُنْ أَحَبَّ الذَّخَائِرِ إِلَيْكَ ذَخِيرَةُ الْعَمَلِ الصَّالِحِ فَامْلِكْ هَوَاكَ وَشُحَّ بِنَفْسِكَ عَمَّا لَا يَحِلُّ لَكَ فَإِنَّ الشُّحَّ بِالنَّفْسِ الْإِنْصَافُ مِنْهَا فِيمَا أَحَبَّتْ أَوْ كَرِهَتْ).

فإمتلاك الانصاف يصنع النضوج الإنساني ويجعله اقوى من اهواء النفس التي تتملكها نوازع الطمع والكره والحسد والاستئثار، والنضوج النفسي يؤدي الى انتاج العمل الصالح والمخرجات السليمة.

(وَأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ والْمَحَبَّةَ لَهُمْ وَاللُّطْفَ بِهِمْ وَلَا تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبُعاً ضَارِياً تَغْتَنِمُ أَكْلَهُمْ): حيث طغيان النفس وغياب الانصاف يؤدي الى تبلد الشعور وهيجان القسوة وسيطرة الكراهية للآخر، حيث تكون الغنيمة والسلطة هدفا مطلقا تبرر كل أنواع التوحش الذي يفترس الآخرين ويقمعهم ويعذبهم ويقتلهم ويصادر حقوقهم ويعنفهم، فالغاية عند هؤلاء الظالمين تبرر كل اشكال السطو على حقوق الاخرين.

فالإنصاف يعني ذلك القلب الذي يفيض بالرحمة ويشعر بآلام الآخرين ومشكلاتهم ويدرك عميق حاجاتهم ويمارس المحبة المتفانية بالعطاء والرفق والتضحية.

(فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ وَإِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ يَفْرُطُ، مِنْهُمُ الزَّلَلُ وَتَعْرِضُ لَهُمُ الْعِلَلُ وَيُؤْتَى عَلَى أَيْدِيهِمْ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأ فَأَعْطِهِمْ مِنْ عَفْوِكَ وَصَفْحِكَ مِثْلِ الَّذِي تُحِبُّ وَتَرْضَى أَنْ يُعْطِيَكَ اللَّهُ مِنْ عَفْوِهِ وَصَفْحِهِ).

فالإنصاف يقتضي ممارسة العدالة الإنسانية مع الجميع واحترام هوياتهم المتنوعة بعيدا عن الفئوية والعنصرية والالغاء، فالاستثناء والالغاء سمة الظالمين والقساة والعنيفين المخزنون بالتعصب والكراهية وسوء الظن، تتملكهم التفاصيل لتسقيط الآخرين وتعنيفهم، لكن المنصفين هم الذين يؤمنون بالتعددية ويمارسون التسامح ولايستغلون أخطاء الاخرين لممارسة البغضاء والعداء والخصومة، لانهم يؤمنون بان العفو يستدرج الرحمة الشاملة ويحقق التوازن الاجتماعي، فالعفو والتسامح منهج يعبر عن تطور النضج الإنساني المتطابق مع سنن الرحمة الإلهية الكونية.

يقول الامام علي (عليه السلام): (فَإِنَّ سُخْطَ الْعَامَّةِ يُجْحِفُ بِرِضَى الْخَاصَّةِ وَإِنَّ سُخْطَ الْخَاصَّةِ يُغْتَفَرُ مَعَ رِضَى الْعَامَّةِ وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الرَّعِيَّةِ أَثْقَلَ عَلَى الْوَالِي مَئُونَةً فِي الرَّخَاءِ وَأَقَلَّ مَعُونَةً لَهُ فِي الْبَلَاءِ وَأَكْرَهَ لِلْإِنْصَافِ وَأَسْأَلَ بِالْإِلْحَافِ وَ أَقَلَّ شُكْراً عِنْدَ الْإِعْطَاءِ وَ أَبْطَأَ عُذْراً عِنْدَ الْمَنْعِ وَأَضْعَفَ صَبْراً عِنْدَ مُلِمَّاتِ الدَّهْرِ مِنْ أَهْلِ الْخَاصَّةِ).

الانصاف يحقق السلم الاجتماعي والتوازن السياسي ويجسد شرعية السلطة والنزاهة الاقتصادية بشرط ان ان لاتكون السلطة تحت هيمنة طبقات خاصة تستأثر بالموارد وتهيمن على السلطة والاقتصاد عبر الفساد والافساد، أليس العالم ومن ضمنه مجتمعاتنا تغرق في تسونامي هائل من الفساد. فالعالم الغني يزداد فقرا وتهميشا وتشريدا بسب احتكار الطبقات الخاصة للثروات بمختلف الاشكال وتحويلها الى سطوة لاستعباد البشر.

فالسلطة الشرعية هي التي تمارس الانصاف من النفس وتحقق الرضا الشعبي العام حتى لو كرهت الطبقات الخاصة هذا الانصاف واخذت تمارس الاعيبها وضغوطها وشراءها للذمم، بل ان هذه الطبقات الخاصة ستدمر السلم الاجتماعي لأنها تمارس كل الأساليب الانتهازية للهيمنة على الثروة، مما يؤدي الى ثورة الشعوب وانتفاضاتها على الفساد الكبير بسبب انعدام العدالة والمساواة، فالحاكم الذي يخضع للطبقات الخاصة لأجل بقائه في السلطة او خوفه سيقود المجتمع نحو التفكك والانحلال والانشطار والصراعات المدمرة، والخضوع للطبقات هي نزعة تدميرية لكل المكاسب الإنسانية المشروعة وانقلاب على الاخلاقيات السليمة، حيث تستدرج هذه الطبقات الخاصة كل الرذائل السيئة التي تنبثق من فسادها المنهجي. وما اكثر الذين حملوا رايات النضال للدفاع عن الحقوق ولكنهم تحولوا نحو الظلام عندما لهثوا وراء الاستغنام والغنيمة.

يقول الامام علي (عليه السلام): (فَفَرِّغْ لِأُولَئِكَ (الْمَسَاكِينِ وَالْمُحْتَاجِينَ) ثِقَتَكَ مِنْ أَهْلِ الْخَشْيَةِ وَالتَّوَاضُعِ فَلْيَرْفَعْ إِلَيْكَ أُمُورَهُمْ ثُمَّ اعْمَلْ فِيهِمْ بِالْإِعْذَارِ إِلَى اللَّهِ يَوْمَ تَلْقَاهُ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ مِنْ بَيْنِ الرَّعِيَّةِ أَحْوَجُ إِلَى الْإِنْصَافِ مِنْ غَيْرِهِمْ).

هؤلاء المهمشين الذين يعيشون على حواف العالم والذين يعيشون تحت خط الفقر، هم الأكثر حاجة للإنصاف، ويبلغ حجم هؤلاء ما يقارب المليار قبل ازمة كورونا وقد يلتحق بهم الملايين، في عالم مكتنز بالأموال يرفض أصحابها ان يسيلوها دون فوائد ربوية، والسلطة الحاكمة غير مهم عندها مصيرهم بل تستخدمهم بالوعود والآمال في أيام الانتخابات ثم تضربها عرض الحائط بعدها. فهل يمكن نجاة هكذا عالم يتكرس فيه الاختلال الأخلاقي الى ابعد حد لايهمه مايجري لهؤلاء، والبعض يستغلهم في الحروب وحروب الوكالة ويحول بعضهم الى مليشيات وعصابات.

العالم الإنساني بحق هو الذي يستنفر جهوده لإنقاذ المهمشين والمساكين الذين لايملكون فرص الحياة الكريمة، ويمارس العدالة الذاتية تجاه نفسه والآخرين حينها سيتحقق الأمن للجميع، فلا أمن لعالم فيه خاسرون خصوصا اذا كانوا كثيرين.

الانصاف ليس منة او تفضل بل هو واجب انساني وواقع تكويني يعبر عن هوية الانسان العاقل، فالإنسان لايستطيع ان يعيش منفصلا عن العالم منعزلا في كهفه بل هو عالم متصل بكل ابعاده يتأثر بأعمال الجميع فاذا غلبت العدالة والانصاف حقق المزيد من التوازن، واذا غاب الانصاف وغلب الظلم تزداد اختلالاته وتنفجر كوارثه.

نحن نحتاج الى عالم أكثر تواضعا وقربا من الآخرين بعيدا عن الانشطارات السياسية والايدولوجية، نحتاج الى عالم يتقي النوازع الطغيانية والسلوكيات السيئة ويتورع عن ارتكاب الظلم بحق الاخرين، وينزع اغلال الكراهية والتحيز الاعمى والتعصب الاهوج، عالم يحب الفقراء ويحترم المساكين ويكسر القيود النمطية التي يحكم بها على الآخرين.

عالم يحتاج الى الامام علي (ع) وقيمه ومبادئه وعدله وتقواه وورعه وانصافه، حتى يتمثل به ويتأسى بأخلاقه وينضج بشخصيته ويتحول بعقلانيته الواقعية، لإيقاف ذلك الانحدار الكبير الذي يعيشه العالم وتغرق فيه مجتمعاتنا، وإيقاف مسلسل الكوارث والأزمات والخسائر.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0