أسوء ما تعانيه الأمة، منذ عقود طويلة، وما تزال، محنة العلاقة بين القيادة والقاعدة الجماهيرية خلال عملية تغيير واقع حال الى آخر، بغية الإصلاح والتطوير بما يفيد الجماهير والأمة في حل مشاكلها، ويلبي طموحاتها، والمشكلة التي تظهر امامنا –في موارد كثيرة- تقديم هذه الجماهير أثمان باهظة في هذا الطريق، وتواكب المسيرة بتضحيات جمّة، لكن لا تلبث تلاحظ أنها تسير في اتجاه غير الاتجاه الذي تسير فيه القيادة.

طبعاً؛ هنالك نماذج راقية لقادة نجحوا في ثوراتهم من خلال تقدمهم المسيرة الجماهيرية، فكان الانتصار لها قبل أن يكون له، كما هو المثال الأبرز في الشعب الهندي وقصة انتزاعه الاستقلال من البريطانيين.

وما هو أكبر وأهم من مواكبة المسيرة، ومعايشة آلام المحرومين، فهي التضحية بالنفس خلال المواجهة المحتدمة مع السلطة الحاكمة، وليس الوقوف خلف الكواليس بزعم إدارة المواجهة، وعدم خسارة القيادة الموجهة للجماهير. فالقيادة الناجحة، تلك التي تحدد لها أكثر من نائب ينوب عنها في حال أي طارئ، وهنا يضمن النجاح والانتصار لثورته ولشعبه، وهكذا فعل الإمام الحسين، عليه السلام، في كربلاء، وكرر التجربة الإمام موسى بن جعفر الكاظم، عليه السلام، الذي استشهد مسموماً بعد سنين قضاها في سجون بغداد، في عهد هارون العباسي.

المصادر التاريخية تؤكد لنا، أن الحراك الجماهيري بقيادة أهل البيت، عليهم السلام، بلغ مرحلة من النضج في عهد الامام الكاظم، عليه السلام، أن أصبح الشيعة "دولة داخل دولة" في البلاط العباسي، الامر شقّ على العباسيين، وتحديداً هارون الذي لقبوه بـ "الرشيد"، حيث واجه هذا المدّ المتصاعد والمتغلغل بنجاح داخل أجهزة دولته، بوسيلتين طالما استخدمها الحكام، الى يومنا الحاضر؛ الاولى: الإغراء بالمال، والثانية، المطاردة والقمع. ولعل من أبرز أعلام الشيعة في البلاط العباسي، وأكثرهم نجاحاً، علي بن يقطين، أحد أكبر اصحاب الامام الكاظم، وفي نفس الوقت، كان يحتل منصب الوزير ومن المقربين من هارون، وطالما سعى الاخير للإيقاع به بواسطة الوشاة والعيون، لكن الفشل كان حليفه دائماً، نظراً للذكاء الخارق لهذا الصحابي، كما هو الحال لدى الكثير من الاصحاب، والأهم من ذلك، عناية الامام، عليه السلام، بنفسه لهؤلاء، من خلال تجويز العمل بالتقيّة، لذا فشل العباسيون من القضاء على حركة المعارضة الواسعة بشكل كامل، واذا كانت ثمة مواجهة بين المعارضين، وبين السلطة، فكانت في ساحة القتال المكشوفة، حيث تظهر بين فترة وأخرى رايات للحرب لطلب "الرضا من آل محمد". حتى هذه الحركات العسكرية، لم تكن لترمي الى الحصول على مكاسب سياسية، بقدر ما كانت استشهادية وتسجيل موقف تاريخي وبطولي بوجه السلطات العباسية، ونصرة المظلومين والمحرومين. ولعل من أبرز قادة وأبطال هذه الثورات، هم أبناء الامام الحسين المجتبى، عليه السلام، من الحسن المثنى، الذي بقي حيّاً في واقعة كربلاء، ومن تلك الثورات المسلحة والاستشهادية، ثورة "ابي السرايا"، وهو محمد بن ابراهيم بن اسماعيل بن ابراهيم بن الحسن المثنى.

هارون يخشى الثورة الصامتة

لقد تحيّر البلاط العباسي من تنامي قوة الشيعة واتباع الامام الكاظم في بغداد، عاصمة الخلافة، وكذلك في جميع الامصار، فيما الإمام الكاظم، عليه السلام، مستقراً في مدينة جدّه رسول الله، صلى الله عليه وآله، يمارس دوره القيادي بكل هدوء دون أن تأخذ عليه السلطة بمأخذ. فقد كان الامام يواصل الاتصال باتباعه في كل مكان من البلاد الاسلامية، وينشر الوعي والثقافة بين الجماهير والطبقة المحرومة، لاسيما الفلاحين وصغار التجار، وحتى من بعض افراد السلطة، او ما يعبر عنهم اليوم بـ "المنتسبين" الذين يحتفظون بشيء من سلامة النفس والفطرة، بشرط ان يكونوا ممن لا يبيعون انفسهم واخوانهم بأموال هارون، كما فعل البعض. فقد كانت الحقوق الشرعية تأتي الى الامام من كل مكان، كما كانت الرسائل والتوجيهات تصل المؤمنين في جميع انحاء العالم. وهذا ما يقضّ مضجع هارون تحديداً قبل أقطاب حكمه والمقربين منه، لما يعد هذا من نذر خطر ماحق على حياتهم السياسية، بل ووجودهم في الحياة. لذا كان يكثر الوشاة والمقربين من القول لهارون، بانك يقال لك بإمرة المؤمنين، وهنالك خليفة أخر تجبى له الاموال وتجمع له السلاح والرجال وغير ذلك. في إشارة الى الامام الكاظم، عليه السلام.

هذه المكانة التي بلغها الإمام وشيعته، لم تكن بالأمر الهيّن عنده، عليه السلام، لذا وحرصاً منه على أرواح المؤمنين وعامة الناس من بطش السلطة، فانه دعا التقيّة كإجراء أمني ناجح، ألحق بالغ الضرر بالنظام العباسي. ومن الأمثلة على ذلك، ما جاء أحد اصحاب الامام، وهو صالح بن واقد الطبري قال: "دخلت الى موسى بن جعفر، عليه السلام، فقال لي: يا صالح يدعوك الطاغية –هارون- فيحبسك في محبسه ويسألك عني فقل اني لا أعرفه".

يمكن القول؛ إن الحراك الجماهيري – الرسالي بقيادة الامام الكاظم، عليه السلام، كان بالحقيقة، يمثل جسماً واحداً من الرأس الى أقصى نقطة في جسم الحركة المعارضة، فلم يجد هارون، الذي كان يعد نفسه الخليفة القوي المهيمن على اكبر رقعة جغرافية في العالم آنذاك، من أن يذهب بنفسه الى المدينة لإلقاء القبض على الإمام الكاظم، وهو يصلي بجوار مرقد جده رسول الله، فاختار مناسبة الحج لتكون غطاءً شرعياً مبرراً مقبولاً لقدومه المدينة، فجهّز جيشاً من القادة والجنود في قافلة كبيرة، ولما التقى الامام، عليه السلام، سأله: أنت الذي تبايعك الناس سراً...؟! فقال الامام: أنا إمام القلوب وأنت امام الجسوم".

وما يعبر عن مدى خوف هارون من عواقب اعتقال الامام، وردود الفعل الجماهيرية في المدينة والحجاز بشكل عام، فانه طلب بتجهيز محملين، أحدهما يتجه الى طريق الكوفة، وآخر يتجه الى البصرة.

الاعتقال بسبب خطأ جماهيري

روي عن أبي حمزة الثمالي قال: "قلت لابي جعفر، عليه السلام، ان علياً، عليه السلام، كان يقول: الى السبعين بلاء، وكان يقول: بعد البلاء رخاء، وقد مضت السبعون، ولم نر الرخاء، فقال ابو جعفر، عليه السلام، – الباقر- : ياثابت ان الله تعالى قد وقّت هذا الامر في السبعين، فلما قتل الحسين، اشتد غضب الله على اهل الارض فأخره الى اربعين ومائة سنة، فحدثناكم فأذعتم الحديث وكشفتم قناع السر، فأخره الله ولم يجعل له بعد ذلك وقتاً عندنا، ويمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب".

ان عملية تناقل الاحاديث والتصريحات عن الأئمة المعصومين في ذلك الوقت، امراً مشاعاً بين الشيعة، بسبب قسوة الظروف وبشاعة القمع الذي مورس ضدهم في العهد العباسي، فكان الناس ينتظرون كل يوم وكل لحظة ظهور المنقذ الذي يخلصهم مما هم عليه من المحن والعذاب والموت البطيء. فقد كانت السجون في بغداد وبابل والكوفة والبصرة وغيرها، مليئة بالشيعة واتباع الامام الكاظم، عليه السلام، من الرجال والنساء، وتروي الكتب التاريخية ظروفاً غاية في القسوة والمأساوية عن تلك السجون وما كان يعانيه المؤمنون.

ولعل هذا الوضع المتأزم هو الذي حدا بالامام لأن يستقبل قرار الاعتقال برحابة صدر، راضياً بقضاء الله وقدره، ومن أجل تستمر حركة المعارضة والتصدّي للطغيان العباسي، على يد الامام الذي يأتي من بعده، والطليعة الرسالية التي تكون حلقة الوصل بين القيادة والجماهير، فاعتقل الامام، عليه السلام، وقضى شطراً من عمره الشريف في الزنزانات المظلمة لسجون بغداد آنذاك، ثم استشهد بتلك الطريقة المفجعة. فيما احتفظ بأرواح الآلاف بل الملايين من الناس ليواصلوا طريق الثورة ضد الطغيان والانحراف. ولعل اسلوب التنكيل من قبل هارون نفسه، مع جثمان الامام بعد إخراجه من السجن، تمثل حلقة أخيرة من الحقد ورد الفعل الجنوني على صمود الامام الكاظم، ومتانة الجسم الثوري الذي صنعه وتركه حيّاً نابضاً في الامة من بعده، فقد أمر أن يترك على جسر بغداد ثلاثة أيام وينادى عليه بصفات يرتجى منها التقليل من شأنه وحصره في إطار الرفض والمعارضة السياسية للنظام الحاكم، بينما بقي هو الحاكم الحقيقي في القلوب والنفوس، وما يزال.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
0