ما الذي يجعل التربية أكثر صعوبة من التعليم؟، سؤال طالما بحث في الاجابة عنه العلماء والمعنيون بهذا الشأن، ولعدم وجود الاجابة الدقيقة والشاملة، نجد أن التعليم يتعرض لمختلف الازمات رغم وجود الامكانات والقدرات في بلد مثل العراق، حيث المال والخبرات والعقول والرصيد الثقافي والمعرفي، بيد أن الناتج –على الاغلب- من كل هذا يبتعد كل البعد عن الغايات الانسانية المفترضة، حتى بات العلم وسيلة للتكسّب والإثراء بالنسبة للبنين، أما للبنات فهو "سلاح" يدفعن به مخاطر الفقر والطلاق وغيرها!

فما هي الصورة المتكاملة والصحيحة لنموذج الانسان العالم الذي يتحمل مسؤولية مجتمعه ويوظف علمه في طريق التطور والنمو؟

الامام زين العابدين، عليه السلام، الذي تمر هذه الايام ذكرى استشهاده في الخامس والعشرين من شهر محرم الحرام، والمعروف ببرنامجه الروحي والاخلاقي بهدف إصلاح النفوس التي قادت اصحابها للمشاركة في قتل أبيه الامام الحسين، عليه السلام، وهو صاحب السجدات الطويلة، والأدعية والمناجاة العظيمة، مع كل ذلك، يفكر في أمر التربية، وتربية من؟ هل أسرته وأبناؤه و أبناء عشيرته والمقربين منه وحسب؟

كلا؛ وانما تربية آلاف من العبيد والإماء كان يشتريهم ثم يصيّرهم أحراراً ليتحولوا من عبيد يكبلهم التمييز والتهميش والحرمان من كل شيء، الى علماء وخطباء ينشرون قيم الدين والفضيلة، ويحملون راية الاسلام الى بلاد الهند شرقاً، والى المغرب العربي غرباً، وحتى الى بلاد الحبشة وغيرها، فقد افتتح الامام السجاد داراً للتربية وليس فقط للتعليم، وربما جاز لنا التعبير أنه، عليه السلام، أول من قَرَن التربية بالتعليم، بل ومنحه الأولوية للمرة الاولى في العالم.

ثورة علمية صامتة ضد التجهيل

مما كان يحنّ اليه بشدّة الأمويون الى جاهليتهم الاولى؛ التنكيل بالعبيد والإماء، وإبعادهم عن أي شكل من اشكال الوعي والثقافة، ليبقوا أدوات طيّعة أقرب ما يكونوا الى الحيوانات، فكانوا يرون من حقهم ان يفعلوا بهم ما يشاؤون، ولذا يشير المؤرخون الى ظهور طبقة اجتماعية جديدة في الامة وهي؛ "الموالي" في العهد الاموي الذي تلبّس برداء الاسلام، وكان معاوية أول من حمل راية العنصرية الجاهلية وأقحمها في نظام الحكم الاسلامي منذ أن تولّى قيادة الامة بعد التوقيع على الهدنة مع الامام الحسن المجتبى، عليه السلام، فخلال الاربعين سنة من الهجرة النبوية، دخل خلق كثير في الاسلام من البلاد المختلفة في العالم ممن دخلها الاسلام بشكل او بآخر، فكانوا يجدون انفسهم امام مفترق طريقين في العقيدة التي اعتنقوها حديثاً؛ الطريق الذي سمعوا عنه بانه يؤدي الى الكرامة الانسانية والعدل والمساواة والحرية وغيرها من القيم السماوية التي لم يبق منها سوى أحاديث يتناقلها الرواة عن النبي الأكرم، وفي آيات القرآن الكريم الذي كان يقرأ بشكل سطحي بغية كسب الاجر والثواب، وليس للتطبيق على الواقع العملي. أما الطريق الآخر الذي حوّله معاوية ومن بعده الى أمر واقع مفروض عليهم، فهو الذي يذهب بإسلامهم الى مزيد من العبودية والتجهيل والتهميش في كل شيء مما يشعرهم بالضعة والمهانة.

ينقل التاريخ رسالة كتبها معاوية لواليه على العراق؛ زياد بن ابيه، مشحونة بالروح العنصرية والقومية، يوصيه بها بأن "أنظر إلى الموالي ومن أسلم من الأعاجم –غير العرب- فخذهم بسنة فلان... فان في ذلك خزيهم وذُلهم"! وتضمنت الرسالة المطولة توصيات مؤكدة بتعريض غير العرب الى الإذلال والتهميش في مجال العلم وتقسيم الثروة من بيت المال، بل وحتى في وقوفهم للصلاة خلف الامام، بأن يكونوا في الصفوف المتأخرة!

عندما كان المسلم غير العربي يواجه طريقة تعامل كهذه، وهو في ظل دولة اسلامية، لم يكن أمامه سوى طريق واحد لتغيير هذا الواقع، وهو المشاركة في الثورات والانتفاض على الولاة في الامصار المختلفة، لاسيما تلك التي رفعت شعار الثأر لدماء الامام الحسين، عليه السلام، ومن بقي ورضي بالواقع المُر، فانه سيكون فيما بعد الصورة السلبية للاسلام الى البلاد البعيدة.

وهذا ما حال دونه الامام السجاد فضمّن الاخلاق والآداب في منهج تربيته لمن كان يشتريه من العبيد والإماء، فهل كانت تكفي المحاضرات وإلقاء الاحاديث والروايات عن النبي الاكرم، بخصوص الأخوة الاسلامية، والتكافل والتعاون بين المسلمين بغض النظر عن العرق واللون؟ ولذا قدم الامام السجاد النموذج الحقيقي للإسلام في داره لآلاف العبيد الذين دخلوه عبيداً ثم خرجوا منه أحراراً، حيث السماحة، والعفو، والتكريم، والى جانب هذا؛ كان يضعهم في أجواء الدعاء والمناجاة، فاذا كان الواحد منّا يتأثر بما يقرأه من الصحيفة السجادية، وذلك بعد اربعة عشر قرناً من الزمن، فما بالنا بذاك الانسان الذي كان يرى ويسمع الامام امامه وهو يتهجّد ويتعبّد ليل نهار.

سُئلتْ جاريةُ عن عبادة الإمام السجاد فقالت: هل أُطنب أم أختصر في الاجابة؟ فقيل لها بل اختصري، فقالت: ما فرشتُ له فراشاً بليلٍ قط ولا قدمتُ إليه طعاماً بنهارٍ قط، وهذا يعني أنه كان يعيش في عبادة دائمة.

وقد حصل أن إحدى الجواري حملت ابريقاً للإمام السجاد ليغسل يديه، فسقط من يدها على وجه الامام فشجّت رأسه وسالت الدماء، فقبل ان تشعر بالخوف من العقاب، رفع الإمام رأسه اليها وقال: "إنك حرّة لوجه الله".

وكان العبيد والإماء يراقبون تصرفات وسلوك الامام مع المجتمع، بل حتى وأعداءه كما حصل مع هشام الوالي الأموي على المدينة وكان يؤذي الإمام السجاد، وعندما جاء أمرٌ بعزل هشام من ولاية المدينة، أوقفوه في مكان عام وأخبروا الناس ومن له حقٌّ على هشام فليأتِ ويأخذ حقَّه منه، وكان هشام يقول أنه لم يخشَ أحداً كما يخشى الإمام السجاد لأنه لم يُسئ لأحد بقدر ما أساء إليه، ولكنَّ الإمام السجاد حين كان يمر بهشام وهو في وضعه البائس ذاك، يوصي الذين معه بأن لا يتعرضوا لهشام بسوء، وعندما يمر الإمام السجاد قريباً منه كان يقول: {الله أعلم حيث يجعل رسالته}، وهذا إقرار من عدو أموي، فكيف يكون الامام السجاد في عيون عبيده وإمائه والحال هكذا؟

منهج تربوي وتعليمي قبل وبعد التخرّج

من المعروف أن الامام السجاد كان يشتري العبيد والإماء كل عام ويعتقهم لدى حلول عيد الفطر السعيد، وحسب المصادر، فانه، عليه السلام، كان يشتري اعداداً كبيرة منهم كل عام، ويحدد لهم فترة زمنية للتربية والتعليم، بما يفسّر لنا الكم الهائل من المسلمين العبيد في الدولة الاسلامية آنذاك، ومحاولة الإمام استيعابهم بأكبر عدد ممكن في فترة زمنية لا تطول، لاسيما اذا عرفنا أن الظروف السياسية لم تكن مضمونة للإمام السجاد، رغم ما يذكر التاريخ من انشغال الامويين في تلك الحقبة بالصراع الدموي على الحكم واستمرار الحال حتى موت آخر حاكم أموي. فقد اشترى الامام خلال فترة حياته في المدينة، حوالي مائة ألف عبد وأمة، وصيّرهم احراراً بعد تلقيهم كامل العلوم والمعارف والآداب.

ليس هذا وحسب؛ فالذي يتخرج من بيت الامام السجّاد، لم يكن يذهب الى حال سبيله، إنما يبقى برعاية الإمام السجاد، حيث جاء في "أعيان الشيعة" إن الامام كان يدفع الاموال لمن يتخرج من بيته للمساعدة على تأسيس مشروع له في بلاده، او المساعدة على التبليغ ونشر رسالة جدّه المصطفى، صلى الله عليه وآله، الى ابناء مجتمعه، ولعل هذه تُعد من النقاط الحساسة والهامة في مشروع التوعية والتثقيف الذي انطلق على يد الامام السجاد، عليه السلام، فالمراكز التعليمية لدينا في الوقت الحاضر؛ سواءً الاكاديمية منها او الحوزوية، تبذل قصارى جهدها في تعليم، وربما تربية الطالب، ليتخرج عالماً في تخصصه، ثم يذهب الى حال سبيله، ليتصرف كما يشاء في مجال تخصصه، اذا كان طبيباً، او مهندساً، او عالماً في الاقتصاد او القانون وغيرها، وكذا الحال يصدق –احياناً- على بعض الحوزات العلمية، فهي ترى في ترك طالب العلم لوحده في معترك الحياة، نوعاً من التمرين على الاستقلالية ومواجهة تحديات الحياة، بيد أن الامر ربما لا ينجح مع الكثير عندما تقسو الحياة ويتعرض خريج الحوزة العلمية لظواهر اجتماعية، او افكار مستوردة ذات شعبية واسعة، فانه سيبذل جلّ عمره ووقته لمواجهة هذه التحديات قبل التفكير في نشر ما لديه من رسالة يحملها للمجتمع والامة.

ان المنهج التربوي للإمام السجاد هو الذي ضمن للإسلام المحبوبية والانتشار في تلك الحقبة الزمنية، حيث كانت المظالم والمفاسد على أشدّها، فقد كانت الأخلاق المحمدية والقيم الانسانية تخفف مشاعر التناقض بينما سمعوه، وبينما يروه أمامهم، بل ويعزز الثقة في نفوسهم من أن الاسلام بخير، وإن السلطة الأموية، وحتى العباسية وأية سلطة ديكتاتورية فاسدة اخرى، لن تكون كل شيء مهما فعلت، ولا ننسى أن انطلاق المشروع التربوي للإمام السجاد جاء في وقت مبكر جداً، حيث كانت الامة خارجة للتوّ من صدمة كربلاء، وما جرى على الامام الحسين، عليه السلام، وأهل بيته، فكانت أحوج ما تكون لشريحة متعلمة ومسؤولة في آن، تحمل على عاتقها تكريس قيم الدين والاخلاق في حياة الامة، والأهم من كل هذا؛ وضع الحد الفاصل والقاطع بين إسلام السلطة الفاسدة، وبين الإسلام المحمدي الأصيل.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1