تأتي المكانة العظيمة لعيد الغدير من كونه العيد الأكبر من بين جميع الأعياد الإسلامية بما فيها عيديّ الفطر والأضحى المباركيْن. ونستل هذا التدوين العتيد من بعض الآيات القرآنية المتَّفق على تفسيرها، فضلا عن الأحاديث النبوية الشريفة الداعمة، وأقوال وأحاديث الأئمة المعصومين عليهم السلام.

وفي هذا المنوال نثبت آية قرآنية كريمة أنزلها الله تعالى في يوم الغدير، جاء في نصها: (اليَوْمَ أكمَلتُ لَكُمْ دينَكُمْ وَأتمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتـي وَرَضيتُ لَكُمُ الإسْلامَ ديناً. سورة المائدة:3). وقال رسولُ الله (صلى الله عليه وآله) عن هذا اليوم: (هو اليومُ الذي أكملَ اللهُ فيه الدينَ وأتمَّ علَى أمّتِي فيه النعمةَ ورَضِي لهُم الإسلامَ ديناً.../ المصدر: أمالي الصدوق ص125 ح 8­ المجلس26). وهذا معناه أنّه بإعلان ولاية أمير المؤمنين عليّ (سلام الله عليه) كفريضة من الله تعالى على المسلمين، يكون قد كمُل الإسلام، وبه تمّت نِعَمُه تعالى على الخلق. كما أكد ذلك سماحة المرجع السيد صادق الشيرازي.

وقد ثبت للقاصي والداني، المؤيد والمعارض، أن يوم الغدير هو المناسبة الإسلامية العظيمة التي دوَّن أحداثها وأثبت أقوالها رسول الأمة صلى الله عليه وآله، فأمر طبيعي جدا أن يكون هذا العيد منطلقا للفضائل العظيمة التي تحرس الإنسان من هفواته، وصغائر غرائزه وتسمو به إلى مصاف عليا من المكارم والمحاسن في كل الشؤون الحياتية والعلاقات المسنودة بالقيم العظيمة.

فالغدير كما يصفه السيد المرجع صادق الشيرازي في محاضرة خاصة يقول فيها إن (الغدير روضة الفضائل والأخلاق والمكارم والمحاسن، بل هو المكارم بعينها، والتطوّر الحضاري والمعنوي كلّه يدين له بذلك؛ لاعتباره أهمّ عامل في حفظ كيان الدين والملّة، ويعدّ إنكاره بمثابة إنكار لجميع القيم الإسلامية السامية).

فما نعيشه اليوم من حضارة ويسر على المستويين المعنوي والحضاري يعود في أصله لفضائل هذا اليوم الراسخ في ذاكرة التاريخ، وكل ما تحقق من سبل العيش الرغيد، والتطور الذي تحفل به الإنسانية يعود إلى وقائع هذا اليوم التي صنعها الرسول صلى الله عليه وعلى آله وتفوّه بها وأعلنها على ملأ المسلمين جهرا نهارا، لذلك فإن من ينكر وقائع هذا اليوم وما حصل فيه بحضور المسلمين، وقد استمعوا إلى نبيهم الأكرم وهو يعلن عليّا بن أبي طالب خليفة له على أمة الإسلام، فإن الذي ينكر هذه الوقائع كأنه ينكر الإسلام وتعاليمه وقيمه العظيمة، فلا مجال لرفض ما قاله الرسول الأكرم على رؤوس الأشهاد.

لذلك نجد أن حصافة العقل ومرونة الفكر والثبات المبدئي الذي تحلى به الإمام علي عليه الإسلام، هو أصلا مأخوذ من مدرسة المعلم الأول للإمام ونعني به أستاذه وأخاه الرسول محمد صلى الله عليه وآله، لهذا السبب فإن من يدير ظهره لعِلْم الإمام علي ومكانته ويتنكر لحقوقه المثبتة في يوم الغدير، فكأنه يفعل الشيء نفسه مع نبي الإسلام صلى الله عليه وآله.

يقول سماحة السيد صادق الشيرازي في هذا الموضوع تحديدا:

(إنّه لمن تعاسة الإنسان وسوء حظّه أن يطلب العلم والمعرفة من غير طريق محمّد وعلي وآلهما (سلام الله عليهم). ومهما كان العلم المستحصل من غيرهم فلا قيمة له، لأنه مفرّغ من القيم الأخلاقية والمعنوية).

وفي حال ضحالة واضمحلال القيم الأخلاقية يتحول كل شيء إلى عدم وعبث لا يرقى لخدمة الإنسانية في أي شيء، وانطلاقا من هذه الرؤية، فإن عيد الغدير استحق بجدارة تلك المكانية الإسلامية الأعلى في الأعياد، إذ لا عيد يضاهيه، فهو عيد المسلمين الذي وضعت فيه أقدامهم على الجادة الصواب، حين أعلن الرسول الكريم بأن خليفته من بعده هو أمير المؤمنين علي عليه السلام، وحصل ذلك بكلام واضح فصيح أتمّه قولا جهارا معلنا فيه أن من والى عليّ والى الرسول الكريم، والعكس يصح بطبيعة الحال، فكل من يرفض الانصياع لهذا الأمر النبوي ليس هو من الإسلام بشيء، لسبب أنه يتنكر لأعظم وأكبر أعياد المسلمين الذي يقول فيه سماحة المرجع الشيرازي:

(طبقاً للروايات الإسلامية فإنّ عيد الغدير هو أفضل الأعياد الإسلامية وأعظمها حرمة، بل هو عيد الله الأكبر).

كما أن هنالك خصائص تلتصق بالغدير حصرا، ولا تشطّ إلى سواه من أعياد ولا أيام ولا مناسبات إسلامية أخرى، فقد تخصص هذا اليوم العظيم بإعلان إلهي لمواهب الإمام علي عليه السلام، فقد ورد في ذلك نص قرآني كريم، تلاه الرسول الأعظم على المسلمين الحاضرين آنذاك وهذا النص يقول بوضوح: ((اليَوْمَ أكمَلتُ لَكُمْ دينَكُمْ وَأتمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتـي وَرَضيتُ لَكُمُ الإسْلامَ ديناً). فهل ثمة وضوح أكثر من ذلك، وقد كرره الرسول الأكرم في حديثه الشريف الذي يحمل المضموم والمعنى نفسه، واستنادا إلى ذلك تجسدت المزايا العظيمة لهذا العيد الأغرّ، تلك التي أكّدها السيد صادق الشيرازي في محاضرته عن عيد الغدير حين قال سماحته:

لقد امتاز الغدير بجملة من الخصائص البارزة ومنها:

- أن فيه الإعلان عن مواهب الله تعالى للإمام أمير المؤمنين (سلام الله عليه).

- أنّ فيه يتحقّق العيش الرغد.

نعم عيد الغدير إذا ما تمسك به المسلمون، وتبنّوه فكرا وتطبيقا، فإنهم سوف يُسعَدون بالعيش الغيد، ويحفلون بالأمن والسلام، ويتصدرون الأمم الأخرى علما وتقدما ومكانة لأنها استحقاق لمن يتمسك بالتنصيب الإلهي النبوي للإمام علي بن أبي طالب الذي تم في مثل هذا اليوم على لسان أبي القاسم محمد صلوات الله عليه وعلى بنيه من الأئمة المعصومين الذين صاروا لأمة الإسلام مدارس للحق والحرية ولكل القيم التي حفظت وكفلت سلامة العيش ودقة المنهج ونقاء المبادئ.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
0