حكومة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) كانت تشمل ما يقارب خمسين دولة بحسب خارطة اليوم، وقد وفّر فيها الإمام (عليه السلام) العدل والرفاه لكل شعبه.

وإن سر بناء تلك الدولة العظيمة، بينه الإمام الشيرازي الراحل فيقول(قده): (طبق الإمام قانون الإسلام بكامله، وقد قال الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله): (الأرض لله ولمن عمّرها). فكان الإمام يعطي الأرض للناس مجاناً، ثم يساعدهم من بيت المال لإحياء الأراضي وعمرانها، وفي حكومته، كانت التجارة والزراعة والصناعة حرة، فكان الناس ينتفعون بمختلف المكاسب، بالإضافة إلى ما كان يقسّم عليهم الإمام من بيت المال، وبذلك تمكن الإمام أن يهيأ لعموم شعبه المسكن والرزق والماء، وهذا ما لم تتمكن منه أكثر البلاد المتقدمة اليوم التي ترى نفسها أنها وصلت إلى قمة الحضارة).

وفي حكومة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، أيضاً، تجلت العدالة بأروع صورها، وفي (قصة الدرع) مثال من مئات الأمثلة على ذلك، فقد تحاكم الإمام (عليه السلام)، وهو الحاكم على أكبر دولة في العالم، مع يهودي من رعيته، في درع لبيت المال، ويحكم القاضي لصالح اليهودي، يدل ذلك على أن الإمام (عليه السلام) كان لا يفرط حتى بدرع واحد مرتبطة ببيت المال، وإن الإمام يترافع إلى القاضي، وإن كان خصمه يهودياً من رعيته، ويدل على أن القضاء مستقل، والقاضي لا يخشى أحداً، وهو يحكم ضد الحاكم الأعلى للبلاد، إذا لم تكن له البيّنة.

وكان من سياسة الإمام (عليه السلام)، أن جعل الحكم استشارياً، يحترم فيه آراء الشعب، يقول (عليه السلام) للناس: إن (من حقكم عليّ أن تعطوني المشورة).

أما حروبه (عليه السلام) فكانت كلها دفاعية، وكان الإمام يقتصر على أقل قدر ممكن من القتل، وبمقدار الضرورة القصوى فقط.

يقول الإمام الشيرازي الراحل(قده): (يعيش الناس في رفاه وسعادة وخير، في كلّ عهد إسلامي طبق الإسلام ولو في أصوله العامة. وللمثال على ذلك ما بينه الأستاذ الأكبر الشيخ جعفر كاشف الغطاء حيث دخل إيران في أيام أحد الملوك القاجارية، وكان يطبّق شيئاً من الإسلام، وكان هو المرجع الأعلى للشيعة، يقول: "إني دخلت إيران ولم أر فيها باكياً ولا باكية ولا شاكياً ولا شاكية". فإن التطبيق النسبي لقواعد الإسلام الكلّية جعل هذا العالم الكبير، العادل الورع، أستاذ الفقهاء، أن يصف إيران في ذلك اليوم بهذا التعبير).

لقد كتب في بناء الدولة العادلة فلاسفة وعلماء قانون ودستور، لكن المحاولات باءت بالفشل، ومازالت تلك التنظيرات مجرد أماني، وقد أنجز الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه السلام) أعظم دولة عدل ورفاه، يقول الإمام الشيرازي الراحل(قده): (كانت حكومة أمير المؤمنين (عليه السلام) مصداقاً لمنهاج الإسلام الصحيح، الذي يوفر رفاه الإنسان، ففي هذا الحكم النموذجي ما يدهش البشر في عصرنا الحاضر، وهنا يتبين السر في قول السيدة الزهراء (عليها السلام): (وطاعتنا نظاماً للملة).

الغدير وسلامة الدين

في حقه، أجمع المفسرين على أن الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، بعد أن تصدق بخاتمه لسائل مرّ بقربه وهو (عليه السلام) راكع في صلاته، نزلت الآية (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون)(المائدة/56).

(إنما وليكم الله)، فالولاية إذاً أولاً لله (عز وجل)، (ورسوله)، ثم لرسوله الأكرم (صلى الله عليه وآله)، (والذين آمنوا)، الواو هنا عاطفة، فتكون الولاية أيضاً للمؤمنين، لكن (الذين) الثانية في الآية غير معطوفة، مجردة من أداة العطف، فهي في محل توكيد للأولى، وهي مقيّدة لها، بمعنى أن المقصد وهو (الولاية) لا ينصرف إلى الذين آمنوا بالمطلق، وإنما هو مقيّد ومحدّد حصراً بالذين (يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون)، حيث إن الواو الأخيرة تفيد الحال، أي حالة الزكاة، خشوعاً وتواضعاً لله، وقد ورد التعبير بالجمع، لترغيب الناس بالاقتداء.

وكان الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله)، قد سأل السائل عمّن أعطاه الخاتم، فأجابه: "ذاك الراكع"، فنزلت الآية الكريمة، أما أن النص لم يسم الإمام (عليه السلام) بالاسم، فذاك لاختبار الناس وامتحانهم، وتمييز المؤمنين عن المنافقين منهم، وقد روى هذه الحادثة الطبري في تفسيره، والسيوطي في الدر المنثور، والخطيب البغدادي في تاريخه عن ابن عباس، وغيرهم من أعلام القوم.

وليكتمل النص الإلهي بالنص النبوي كانت قضية الغدير، فنزلت الآية (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك)(المائدة/67)، فأمر الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) الناس للاجتماع، ثم أخذ (صلى الله عليه وآله) بيد أمير المؤمنين (عليه السلام) ليصدر الأمر النبوي، أنه (مَنْ كنتُ مولاه فهذا عليُّ مولاه، اللهم والِ مَنْ والاه وعادِ مَنْ عاداه).

والأمر هنا مطلق لم يتحدد بموقعة أو زمان، (كدعوى تكليفه القضاء في اليمن)، ولا يقبل الواقع أي اجتهاد في تفسير المفردة (مولاه)، بغير معنى الولاية، وهي ليست رواية مرسلة حتى ترتكز مصداقيتها على حجية السند، وذلك لجهة تواترها وتجاوز رواتها المئات، بل هي ترقى إلى مستوى الدراية، كونها ارتبطت بموقعة شهدها جميع المسلمين، ورواها الجميع من كبار الصحابة وسائر الرواة.

ثم تنزل الآية الكريمة، لتعلن إنجاز المهمة المحمدية، بإكمال الدين وإتمام الرسالة (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً)(المائدة/3)، فيلبي الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) بعدها نداء ربه (عز وجل).

إن الإقرار بولاية الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) من سلامة الدين، وإن هذا الإقرار لا يعني إظهار المحبّة فحسب، بل يجب أن تنعكس هذه المحبّة على قول المُحب وعمله وسلوكه.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0