إذا أردنا أن نسقط هذه الحادثة أو بالأحرى ــ الجريمة التاريخية ــ على الواقع، فليس من الصعوبة علينا رؤية ذلك الانحراف التاريخي بوضوح متجليّاً الآن في التنظيمات الإرهابية وخاصة (داعش) مروراً بمسميات عديدة منها في مراحل التأريخ, هذا الامتداد الذي غذّته يد السلطات المنحرفة عن الإسلام وساعدت على تنميته، لا يزال يبث سمومه في الجسد الإسلامي متّخذاً من الإسلام غطاءً لأعماله الإجرامية التي خرجت ليس من إطاره الأخلاقي الخاص فقط, بل من المفهوم الإنساني العام للتأريخ.

ورغم إن الانطباع الذي سيتولد لدينا من حقائق التأريخ يوضح نوع (العلاج) الذي نحتاجه الآن لتلافي الوقوع في تلك الانحرافات مجدداً وفق فهمنا لها، وضمان عدم تكرارها بوضع أصحابها في مواقعهم التي يستحقونها فعلاً, وتحطيم هالات القداسة السلطوية التي أحاطت المنحرفين والمجرمين والقتلة والفاسدين, ولكن ذلك سيحدث تصادماً بين الرؤية العقلانية التي ستفرزها الحقيقة التاريخية لدى المتلقي، وبين المفهوم (المقدّس التاريخي) الذي يرفض رفضاً قاطعاً أيّة رؤية تخالفه, والذي تلقّاه سلفاً حول شخصيات التأريخ دون الرجوع إلى أفعالها وأقوالها, أو حتى السؤال عن سبب تلك الأفعال والأقوال، بل دون التفكير في هذه الأشياء ألبتة! فإن مجرد الوقوف حول ذلك يستدعي من فاعله الاستغفار والرجوع إلى جادة الصواب قبل أن يجرفه الشيطان!!

هناك أشبه ما يكون بالحصانة الأفيونية التي أدمن دارسو التأريخ وقرّاؤه ومتلقوه وضعها على من وضعه التأريخ تحت مظلة (الصحابة)، وهو أشبه عندهم بالخط المقدس! وقد أحاطوا أصحابه بهالة مكتوب عليها (رضي الله عنه) التي تنفي عن صاحبها كل جريمة وبائقة وداهية عظمى، بل إن من يتحدث عن هذه الجرائم التي ارتكبها (رضي الله عنه) سيكون خارجاً من الملة!!

فحاشا صاحبها الـ (رضي الله عنه) من هذه الجرائم، وصحبته وحدها تُجيز له ما لا تُجيز لغيره, وكل أعماله مبررة، فهو الذي به يُعرف الحق من الباطل, ويُقاس مبلغ العدالة والدين بمدى اتّباعه والاقتداء به, وليس كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (لا يعرف الحق بالرجال, اعرف الحق تعرف أهله)!!!.

الضحاك بن قيس الفهري

الضحاك بن قيس بن خالد الأكبر بن وهب بن ثعلبة بن وائلة بن عمرو بن شيبان بن محارب بن فهر بن مالك القرشي..., وهو ابن أخي أبي عبيدة عامر بن الجراح..

ولد هذا المجرم عام (4هـ/628م) وعده التأريخ من ــ صغار الصحابة ــ وهذا لا يعني أنه غير مشمول بحصانة (رضي الله عنه) والتي تُعطى لهم حتى وإن كان من (صغارهم)! وهذه الحصانة لديهم كفيلة بتبرير أي فعل يقوم به! بل وأية جريمة يرتكبها مهما بلغت من البشاعة والفظاعة! حتى وإن قتل المئات والآلاف من الناس, وسفك دماء الأبرياء والصلحاء والأطفال والنساء, وانتهك الحرمات, واستباح المحرمات, وسلب الأموال، فهي أشبه بالحصانة الدبلوماسية التي تعطى للسياسيين القتلة الفاسدين في الحكومات الفاسدة!!

إن الطريف في هذه الحصانة المضحكة المبكية معاً، أنها سوّرت أسماء المحصَّنين بالصحبة ــ وحتى صغارهم ــ بـ (رضي الله عنهم) لتمنع حتى التفكير لدى الانسان بما يخدش ــ ولو بقدر جناح بعوضة ــ من هذه الأسماء، ولكن نجد أن نفس هذه الحصانة تُرفع حتى عن ــ كبارهم ــ بل تُضيَّع دماؤهم إذا كان عدوهم وقاتلهم هو من الذين (رضي الله عنهم) الأموية!!

إن ذلك يدخل من باب التأويل ..! والتأويل يخطئ ويصيب.. والقتلة مأجورون في كلتا الحالتين! يعني أن الحصانة التي يجب أن يتمتع بها صحابة كبار مثل: خزيمة بن ثابت الأنصاري (ذو الشهادتين)، وعمرو بن الحمق الخزاعي، وحجر بن عدي، وأبي الهيثم بن التيهان وأمثالهم سترفع عنهم وتهدر دماؤهم إذا تعارضت مع حصانة (رضي الله عنه) الأموية، بل ستزداد الحصانة الأموية منعة وقوة بعد قتلهم، بل ويؤجر (رضي الله عنه) الأموي على قتلهم لأنه تأوّل فأخطأ فله أجر واحد! أو ربما ــ أخطأنا نحن ــ فهذا التأويل لا نعلمه ولا تحيط به عقولنا القاصرة، ولا يعلمه الا الراسخون في القتل، ففي تقديره (رضي الله عنه) الأموي أنه أصاب وله أجران إن ادعى أنه أصاب!! كما في قتل الصحابي الكبير عمار بن ياسر الذي صرح النبي (صلى الله عليه وآله): بأنه ستقتله الفئة الباغية, ولو أخذنا بتأويل أحد الذين (رضي الله عنهم) بأن الذي قتل عمار هو علي لأنه جاء به إلى الحرب! فإن الذي سفك دم عمار وهو معاوية سيحصل على أجرين!! لأنه أصاب بتأويله قتل عمار حسب اجتهاده! فهم كلهم ــ القاتل والمقتول ــ (رضي الله عنهم)! وهم عدول! وهم أمَنة الأمة! وهم النجوم بأيهم اقتدينا اهتدينا!!!

أما إذا نقضنا هذا التأويل بقول أمير المؤمنين (عليه السلام) لما سمع معاوية يتنصّل من قتل عمار ويتهمه بدمه فقال: (أنحن قتلنا حمزة أيضاً!!) فإن ذلك يدعونا لنقض هذه الحصانة من جذورها ــ وإلا ستكون كارثة ــ والنظر إلى الصحابة وفقاً لما جسّدوه هم أنفسهم في سيرتهم من الخير والشر بعيداً عن التعصّب المذهبي والأهواء السياسية، فسيرة الصحابي هي المحك الذي يعرف به الصالح من الطالح منهم والمؤمن من المنافق. وهذا الذي طالما أراده الشيعة في كل عصورهم.

جاسوس معاوية

عندما ولى عثمان الوليد بن عقبة على الكوفة جاء معه إليها أخوه عمارة، ولما عزل عثمان الوليد عن الكوفة لم يخرج عمارة منها معه، بل بقي فيها ليصبح فيما بعد جاسوساً لمعاوية بها على أمير المؤمنين علي (عليه ‏السلام)، وعمارة هذا وأخوه الوليد هما أخوا عثمان بن عفان وأمهم جميعاً أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس.

كان لعمارة تاريخ مليء بالقبائح والرذائل، فهو رفيق عمرو بن العاص في رحلتهما الفاشلة إلى الحبشة للإيقاع بالمسلمين الذين هاجروا إليها، وكلاهما كان يشبه صاحبه غدراً وكفراً ونذالةً وسفالةً وانحطاطاً، وبلغا من الشر والرذيلة إلى الحد الذي تبرّأ منهما قومهما وتعاهدوا على عدم أخذ جريرة أي أحد منهما بأحد من قومه، فعندما سافرا إلى الحبشة خاف العاص بن وائل ــ أبو عمرو ــ على نفسه لأنه يعرف أن ابنه قد جُبل على الشر، فمشى إلى رجال بني المغيرة و بني مخزوم، فقال: إن هذين الرجلين قد خرجا حيث علمتم، وكلاهما فاتك صاحب شر غير مأمونين على أنفسهما، ولا أدري ما يكون منهما؟ وإني أبرأ إليكم من عمرو وجريرته، فقد خلعته، فقال عند ذلك بنو المغيرة وبنو مخزوم: وأنت تخاف عمروا على عمارة!! ونحن فقد خلعنا عمارة و تبرأنا إليك من جريرته فحل بين الرجلين قال قد فعلت فخلعوهما و برئ كل قوم من صاحبهم وما يجري منه)!!

وأظن أن هذا يكفي للتعريف بمدى الغاية من الانحطاط الذي وصل إليه عمارة وهو أحد النماذج الذين ضمّتهم مائدة معاوية السياسية وكان شريكاً في أعماله الإجرامية إضافة إلى عمرو بن العاص.

وكانت لهما في الطريق إلى الحبشة وفي الحبشة قصص مخزية يخجل المرء من ذكرها لما احتوت من أحداث فاضحة ونزوع نحو التهتك والمجون والخلاعة وانسلاخ الغيرة وقد آثرنا عدم ذكرها هنا لأن الأثنين من الذين (رضي الله عنهم)!

رسالة الجاسوس

بعد عودة الإمام علي (عليه السلام) إلى الكوفة من صفين، كان الجاسوس يدوّن ما جرى في الكوفة من أحداث خطيرة، فهو في قلب الحدث، رأى اعتراض الخوارج على التحكيم، وجدالهم مع الإمام علي (عليه السلام)، ومن ثم انقلابهم عليه، وإثارتهم الفتن، وخوضهم في دماء المسلمين، ونشر البدع والضلالات، حتى وأد أمير المؤمنين (عليه السلام) هذه الفتنة التي كادت تنهش البلاد والعباد في النهروان، كما رأى الجاسوس الخلايا النائمة التي تستيقظ في الظلام لتثير الفتن وعلى رأسها الأشعث المنافق الخبيث، ورأى كل الفوضى والبلبلة التي أحدثها المنافقون بعد النهروان فكتب إلى معاوية ما نصه:

(أمّا بعد ، فإنّ عليّا خرج عليه عليَة أصحابه وقرّاؤهم ونسّاكهم فخرج إليهم فقتلهم، وقد فسد عليه جنده، وأهل مصره (الكوفة)، ووقعت بينهم العداوة وتفرّقوا أشدّ الفرقة، فأحببت إعلامك لتحمد اللّه‏! والسلام).

هذه هي ساحة معاوية وهو بطلها الفذ الذي لا ينازعه فيها أحد سوى السفلة الذين ضمّتهم مظلته السياسية كابن العاص والمغيرة وزياد...، إنها ساحة الغدر والمكر والمؤامرات وشن الغارات على القرى الآمنة وقتل الأبرياء والضعفاء والشيوخ والنساء والأطفال...، ساحة الجبناء الذين ترتعد فرائصهم من ذي الفقار وسيوف الأشتر والمرقال عند المواجهة ليغيروا على الرجال بغتة وهم آمنون ويغدروا بهم...، ساحة الأنذال المشبوهي النسب...، ساحة الدهاء الذي لم يعرف يوماً معنى الشرف، أما في ساحة الحرب فقد كانت سوأة معاوية كفيلة بحقن دمه.

أصداء الرسالة

لنترك أصداء هذه الرسالة يرويها لنا التأريخ وكيف بذر هذ الجاسوس الخبيث هذه البذرة القاتلة في رأس الكفر لتلد فيه هذه الفكرة الشيطانية ولنرى كيف يتصيد معاوية مثل هذه الفرص ليستغلها لصالحه بأساليبه الدنيئة القذرة التي أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها غير شريفة، وأن صاحبها عن الشرف بمنأى بعيد فضلا عن الدين والاخلاق، لنستمع إلى ما جرى على أثر تلك الرسالة من حيثيات في مجلس معاوية من أبي إسحاق إبراهيم بن محمد الثقفي الكوفي المتوفى سنة (283هـ) في كتابه الغارات المجلد الأول حيث يقول ما نصه:

(كان عبد اللّه‏ بن مَسعدة الفزاري صبيّاً من سبي بني فزارة على عهد رسول اللّه‏ (صلى ‏الله ‏عليه‏ و‏آله) فوهبه لابنته فاطمة، فكان عندها وعند علي (عليهما السلام) ثمّ خرج مع جنود الفتوح إلى الشام فلحق بمعاوية، فصار من أشدّ الناس على علي (عليه ‏السلام) !

يروي الثقفي بعد ذلك عن هذا المنحرف ــ عبد اللّه‏ بن مَسعدة الفزاري ــ فيقول: (كنّا مع معاوية معسكرين خارج دمشق وقد بلغنا أمر الخوارج ولم يبلغنا ما بعده، فكنّا نتخوّف أن يفرغ علي من الخوارج عليه ثمّ يقبل إلينا، إذ جاءنا كتاب عُمارة بن عقبة من الكوفة، فقرأه معاوية عليّ وعلى أخيه عتبة بن أبي سفيان والوليد بن عقبة أخي عمارة، وأبي الأعور السلمي، ثمّ نظر إلى الوليد وقال له: (لقد رضي أخوك أن يكون عينا لنا)! فضحك الوليد وقال: (إنّ في ذلك لنفعا)..!!

بهذه الحثالة من مجرمي التأريخ واللصوص والقتلة والأفاكين والجواسيس والمنافقين كان معاوية يحارب أمير المؤمنين (عليه السلام)...

وهل أحقر من معاوية لاستغلال مثل هذه الفرصة فبدأت خطته الشيطانية بشن الغارات على أطراف حكومة الإمام (عليه ‏السلام)، وافتتح منهجه القذر هذا بهذه الغارة

الغارة الجبانة

نترك الحديث عن هذه الغارة الجبانة كما صورها التأريخ وبدون مؤثرات ففيها من البشاعة والدموية والإجرام ما يترك انطباعاً وتصوراً عن وحشية معاوية والضحاك اقوى من كل المؤثرات وهي كما جاءت في كتاب الغارات أيضاً المجلد الأول (ص275) حيث جاء ما نصه:

(دعا معاوية الضحاك بن قيس الفهري وقال له: سر حتى تمر بناحية الكوفة وترتفع عنها ما استطعت، فمن وجدته من الأعراب في طاعة علي فأغر عليه، وإن وجدت له مسلحة أو خيلاً فأغر عليهما، وإذا أصبحت في بلدة فأمس في أخرى، ولا تقيمن لخيل بلغك أنها قد سرّحت إليك لتلقاها فتقاتلها. فسرّحه فيما بين ثلاثة آلاف إلى أربعة آلاف، جريدة خيل.

فأقبل الضحاك يأخذ الأموال ويقتل من لقي من الأعراب، حتى مرّ بالثعلبية، فغار خيله على الحاج، فأخذ أمتعتهم، ثم أقبل مقبلاً فلقي عمرو بن عميس بن مسعود الذهلي، وهو ابن أخ عبد الله بن مسعود صاحب رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فقتله في طريق الحاج عند القطقطانة، وقتل معه ناساً من أصحابه)!!!.

وليتخيل القارئ نفسه وهو يواجه هؤلاء العصابة من اللصوص والقتلة وهم يغيرون على الناس ويقتلون كل من وجدوه أمامهم ويسرقون ما يجدونه عنده ولا يراعون إلا ولا ذمة في أي إنسان حتى وإن كان من الذين (رضي الله عنه) كعمرو بن عميس!! ولكن مهلاً فلا نستطيع أن نطلق على كل ما فعله الضحاك مع الناس الأبرياء من قتل وسلب ونهب بأنه جريمة، بل تأول وأخطأ!! أو ربما أصاب ــ ونحن لا ندري ــ لأنه من الذين (رضي الله عنه) أيضاً!!!

عمرو بن عميس

عَمْرو بْن عميس بْن مسعود ابن أخي صاحب رسول الله عَبْد اللَّهِ بْن مسعود رضي الله عنه.

لا يحتاج هذا الرجل الشهيد الذي قتل ظلما وعدوانا إلى شهادة الشاهد أو التنقيب في المصادر عن سيرته فيكفيه فخرا وصف أمير المؤمنين (عليه السلام) له بـ (العبد الصالح) وهذا أرفع وسام وأسمى غاية يمكن للمرء الحصول عليها

إصداء الغارة في الكوفة

ـــ (يا أهلَ الكوفة، أُخرُجوا إلى العبد الصالح عَمْرو بْن عميس، وإلى جيوشٍ لكم قد أُصيب منها طرف، اخرجوا فقاتلوا عدوَّكم، وامنعوا حريمكم إن كنتم فاعلين).

بهذه الكلمات نعى أمير المؤمنين (عليه السلام) الصحابي الجليل عمرو بن عميس، وطلب من أصحابه الخروج لقتال أولئك اللصوص القتلة والحد من سفكهم للدماء البريئة والقصاص منهم للأنفس التي أزهقوها ومنها العبد الصالح عمرو بن عميس. ثم أشار (عليه السلام) إلى مسألة مهمة بل في غاية الأهمية لكي يثير حمية أصحابه وهي الدفاع عن الأعراض ففي هذه الفقرة إشارة واضحة منه (عليه السلام) إلى سفالة العدو وانحطاطه، وهي في نفس الوقت تنبيه قوي يمس الإنسان في الصميم ولكنهم:

(ردُّوا عليه ردًّا ضعيفًا، ورأى منهم عجزًا وفشلًا)، فقال:

(واللهِ لَوَدِدتُ أنّ لي بكلّ مئة رجلٍ منكم رجلًا منهم. وَيْحكُم! اخرجوا معي ثمّ فُرّوا عنّي إن بدا لكم، فَواللهِ ما أكرهُ لقاء ربّي على نيّتي وبصيرتي، وفي ذلك رَوحٌ لي عظيم، وفَرَج من مُناجاتكم ومُقاساتكم ومُداراتكم مثلما تدارى البكار العمدة أو الثياب المتهرئة، كلما خيطت من جانب تهتكت من جانب على صاحبها).

(ثمّ خرج عليه السلام يمشي حتّى بلغ الغَريَّين، ثمّ دعا حُجرَ بن عَديّ الكِندي من خيله، فعقد له رايةً على أربعة آلاف، ثمّ سرّحه فخرج حتّى مرّ بالسماوة، فلقيَ بها امرأ القيس بن عديّ الكلّبي، أصهار الحسين عليه السلام، فكانوا أدلّاءَه على الطريق وعلى المياه، فلم يزل مُغِذًّا في أثر الضحّاك حتّى لقيه بناحية تدمر فوافقه، فاقتتلوا ساعة، فقُتل من أصحاب الضحّاك تسعة عشر رجلًا، وقُتل من أصحاب حُجرٍ رجلان، ثمّ حجز الليلُ بينهم، فمضى الضحّاك، فلمّا أصبحوا لم يجدوا له ولا لأصحابه أثرا).

هذا هو الضحاك الجبان الذي فر من قوة عسكرية تعادله في العدة والعدد وسيفضح نفسه هو بنفسه في خطبته ويعترف في خطبته في الكوفة عندما ولاه معاوية عليها أنه جبن عن لقاء حجر وهرب ليلا إلى معاوية...!

الضحاك من قريب

لننظر إلى صورة الضحاك من قريب وقد رسمها إنسان لا يخطئ في رسم الأوصاف التي تليق بكل من يصفه حسب حسبه ونسبه، شرفه ولؤمه، سموه ووضاعته، فضله وضحالته... إنه عقيل بن أبي طالب أعلم نسابي العرب وألمهم بطارفهم وتليدهم...

لقد شاع خبر هذه الغارة الجبانة في البلاد، وتناقلته الأفواه، وسمع به عقيل، وكان في مكة المكرمة..، ولعل أصحاب معاوية حاولوا إضافة اسم الحيرة إلى الأماكن التي أغار عليها الضحاك لبث الإحباط والخوف في قلوب الناس بأن الضحّاك استطاع الإغارة على الحيرة وأخذ من أموال الناس ما شاء ثمّ انكفأ راجعاً سالماً! ممّا يهوّل الخذل في أهل الكوفة وهذه من أساليب معاوية القذرة في الحرب الدعائية، ووصل كل ذلك إلى أسماع عقيل بن أبي طالب وكان في الحجاز فكتب إلى أخيه أمير المؤمنين (عليه السلام) رسالة فيها وصف للضحاك يدل على انحطاطه ووضاعته ونذالته، وقد أرسل عقيل الرسالة بيد عبد الرحمن بن عبيد بن أبي الكنود الأزدي الكوفي وهذا نصها:

(لعبد اللّه‏ علي أمير المؤمنين من عقيل بن أبي طالب، سلام عليك، فإنّي أحمد إليك اللّه‏ الذي لا إله إلاّ هو، أمّا بعد، فإنّ اللّه‏ حارسك من كل سوء وعاصمك من كل مكروه وعلى كل حال إنّي خرجت إلى مكة معتمرا ... فلمّا قدمت مكة سمعت أهلها يتحدّثون: أن الضحّاك بن قيس أغار على الحيرة فاحتمل من أموالهم ما شاء ثمّ انكفأ سالما! فاُفّ لحياة في دهر جرّأ عليك الضحّاك، وما الضحّاك؟ فُقع بقرقرة ! وقد توهّمت حيث بلغني ذلك: أنّ شيعتك وأنصارك خذلوك! فاكتب إليّ يابن أُمّي برأيك، فإن كنت الموت تريد تحمّلت إليك ببني أخيك وولد أبيك فعشنا معك ما عشت ومتنا معك إذا مت! فواللّه‏ ما أُحبّ أن أبقى في الدنيا بعدك فواقا (بين الحلبتين) وأقسم بالأعز الأجل إنّ عيشاً نعيشه بعدك في الدنيا لغير هنيء ولا مريء ولا نجيع ! والسلام عليك ورحمة اللّه‏ وبركاته).

هذا هو الضحاك (فُقع بقرقرة) وهو الكمأة البيضاء التي تنجلها الدواب بأرجلها، يشبّه بها من لا خير عنده من الرجال، كما فسّر ذلك ابن السكيت في كتاب اصلاح المنطق.

علي هو علي

وقد رد الإمام علي عليه ‏السلام على رسالة أخيه بهذه الرسالة:

(من عبد اللّه‏ علي أمير المؤمنين إلى عقيل بن أبي طالب، سلام عليك، فإنّي أحمد إليك اللّه‏ الذي لا إله إلاّ هو، أمّا بعد، كلأنا اللّه‏ وإيّاك كلاءة من يخشاه بالغيب إنه حميد مجيد. وقد وصل إليّ كتابك مع عبد الرحمن بن عبيد الأزدي تذكر فيه: أنّك لقيت عبد اللّه‏ بن سعد بن أبي سرح مقبلاً من قديد في نحو من أربعين شابّاً من أبناء الطلقاء متوجّهين إلى المغرب (الشام). وإنّ ابن أبي سرح طالما كاد اللّه‏ ورسوله وكتابه وصدّ عن سبيله وبغاها عوجا، فدع ابن أبي سرح ودع عنك قريشاً وخلّهم وتركاضهم في الضلال، وتجوالهم في الشقاق! ألا وإنّ العرب قد اجتمعت على حرب أخيك اليوم اجتماعها على حرب النبي صلى‏ الله ‏عليه ‏و‏آله قبل اليوم! فأصبحوا قد جهلوا حقّه وجحدوا فضله وبادوه بالعداوة ونصبوا له الحرب وجهدوا عليه كلّ الجهد وجرّوا عليه جيش الأحزاب! اللهمّ فاجز قريشا عنّي الجوازي فقد قطعت رحمي وتظاهرت عليّ ودفعتني عن حقّي، وسلبتني سلطان ابن اُمّي، وسلّمت ذلك إلى من ليس مثلي في قرابتي من الرسول وسابقتي في الإسلام، إلاّ أن يدّع مدّع ما لا أعرفه، ولا أظنّ اللّه‏ يعرفه، والحمد للّه‏ على كلّ حال.

وأمّا ما ذكرت من غارة الضحّاك على أهل الحيرة ، فهو أقلّ وأذلّ من أن يلمّ بها أو يدنو منها، ولكنّه أقبل في جريدة خيل فأخذ على السماوة حتّى مرّ بواقصة وشراف والقطقطانة فما والى ذلك الصّقع، فوجّهت إليه جنداً كثيفاً من المسلمين، فلمّا بلغه ذلك فرّ هاربا، فلحقوه ببعض الطريق وقد أمعن، وكان ذلك حين طفلت الشمس للإياب، فتناوشوا القتال قليلاً كلا ولا، فلم يصبر لوقع المشرفية وولّى هاربا، وقتل من أصحابه تسعة عشر رجلاً ونجا جريحاً بعد ما أخذ منه بالمخنق ولم يبقَ منه إلاّ الرمق، فلأيا بلأي ما نجا.

وأمّا ما سألتني أن اكتب إليك برأيي فيما أنا فيه، فإنّ رأيي جهاد المحلّين حتى ألقى اللّه‏، لا يزيدني كثرة الناس معي عزّة ولا تفرّقهم عنّي وحشة، لأنّي محقّ واللّه‏ مع الحقّ، واللّه‏ ما كرهت الموت على الحقّ، وما الخير كلّه بعد الموت إلاّ لمن كان محقّا.

وأمّا ما عرضت به عليّ من مسيرك إليّ ببنيك وبني أبيك، فلا حاجة لي في ذلك، فأقم راشداً محموداً، فواللّه‏ ما أحبّ أن تهلكوا معي إن هلكت، ولا تحسبنّ ابن أُمّك ـ ولو أسلمه الناس ـ متخشّعا ولا متضرّعا، ولا مقرّا للضيم واهيا، ولا سلس الزمام للقائد، ولا وطئ الظهر للراكب المقتعد وإنّي لكما قال أخو بني سليم :

وإن تسأليني: كيفَ أنتَ ؟ فإنّني *** صبورٌ على ريبِ الزمانِ، صليبُ

يعزّ عليَّ أن تُرى بي كآبةٌ *** فيشمتُ عادٍ ، أو يُساءُ حبيبُ)

وأظن أن وصفا آخرا للضحاك جاء في رد الإمام أمير المؤمنين لعقيل وهو بهذه الكلمات: (وأمّا ما ذكرت من غارة الضحّاك على أهل الحيرة ، فهو أقلّ وأذلّ من أن يلمّ بها أو يدنو منها، ولكنّه أقبل في جريدة خيل فأخذ على السماوة حتّى مرّ بواقصة وشراف والقطقطانة فما والى ذلك الصّقع، فوجّهت إليه جنداً كثيفاً من المسلمين، فلمّا بلغه ذلك فرّ هاربا، فلحقوه ببعض الطريق وقد أمعن، وكان ذلك حين طفلت الشمس للإياب، فتناوشوا القتال قليلاً كلا ولا، فلم يصبر لوقع المشرفية وولّى هاربا، وقتل من أصحابه تسعة عشر رجلاً ونجا جريحاً بعد ما أخذ منه بالمخنق ولم يبقَ منه إلاّ الرمق، فلأيا بلأي ما نجا).

وليس أدل من هذا الوصف على جبن الضحاك وسيعير بهذا الجبن من أهل الكوفة كما سيأتي في خطبته والرد عليها..

جرح غائر

تركت هذه الغارة الجبانة أثراً مُؤلماً في قلب أمير المؤمنين (عليه السلام) وجرحاً عميقاً لا يندمل، وكيف يسمع بكل هذه المآسي ولا يلتهب قلبه ناراً وألماً وحزناً ولوعةً وهو أرفق الناس بالمسلمين وأشفقهم عليهم بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فخطب في أصحابه مؤنّباً إيّاهم على تخاذلهم وتقاعسهم، ويستنهضهم لقتال العدو فقال في خطبته:

(أَيُّهَا النَّاسُ، الْمجْتَمِعَةُ أبْدَانُهُمْ، الُمخْتَلِفَةُ أهْوَاؤُهُمْ، كَلامُكُم يُوهِي الصُّمَّ الصِّلابَ، وَفِعْلُكُمْ يُطْمِعُ فِيكُمُ الاْعْدَاءَ! تَقُولُونَ فِي الَمجَالِسِ: كَيْتَ وَكَيْتَ، فَإذَا جَاءَ الْقِتَالُ قُلْتُمْ: حِيدِي حَيَادِ! مَا عَزَّتْ دَعْوَةُ مَنْ دَعَاكُمْ، وَلاَ اسْتَرَاحَ قَلْبُ مَنْ قَاسَاكُمْ، أَعَالِيلُ بِأَضَالِيلَ، دِفَاعَ ذِي الدَّيْنِ المَطُولِ، لاَ يَمنَعُ الضَّيْمَ الذَّلِيلُ! وَلاَ يُدْرَكُ الْحَقُّ إِلاَ بِالْجِدِّ! أَيَّ دَار بَعْدَ دَارِكُمْ تَمْنَعُونَ، وَمَعَ أَىِّ إِمَام بَعْدِي تُقَاتِلُونَ؟ المَغْرُورُ وَاللهِ مَنْ غَرَرْتُمُوهُ، وَمْنْ فَازَبِكُمْ فَازَ بَالسَّهْمِ الاْخْيَبِ، وَمَنْ رَمَى بِكُمْ فَقَدْ رَمَى بِأَفْوَقَ نَاصِل. أَصْبَحْتُ وَاللهِ لا أُصَدِّقُ قَوْلَكُمْ، وَلاَ أَطْمَعُ فِي نَصْرِكُمْ، وَلاَ أُوعِدُ العَدُوَّ بِكُم. مَا بَالُكُم؟ مَا دَوَاؤُكُمْ؟ مَا طِبُّكُمْ؟ القَوْمُ رِجَالٌ أَمْثَالُكُمْ، أَقَوْلاً بَغَيْرِ عِلْم! وَغَفْلَةً مِنْ غَيْرِ وَرَع! وَطَمَعاً في غَيْرِ حَقٍّ)؟!

الضحاك الذليل

رغم أنه قدم أعمالاً إجرامية وباع دينه ونفسه لسيده معاوية، ووقف معه في صفين، ورغم أن معاوية كافأه على ذلك فولاه الكوفة ودمشق وقلده منصب رئيس شرطته، إلا أن ضحالة نفسية الضحاك وخسته وحقارته لم تكن تخفى على معاوية، فهما من نفس البؤرة القذرة وقد جمعتهما الصفات المشتركة كما يقول المتنبي:

شبيه الشيء منجذب إليه *** وأشبهنا بدنيانا الطغام

ولكن معاوية كان أحقر من الضحاك نفسه عندما أهانه وأذله في مجلسه رغم إخلاصه له كما في هذه الحادثة:

دخل الضحاك يوما على معاوية فقال له معاوية:

تطاولتُ للضحاكِ حتى رددته *** إلى حسبٍ في قومهِ متقاصر

فقال الضحاك: قد علم قومنا أنا أحلاس الخيل.

فقال: صدقت، أنتم أحلاسها ونحن فرسانها يريد معاوية أنتم راضة وساسة، ونحن الفرسان.

وأصل كلمة الحلس هو كساء يكون تحت البرذعة أي أنه لازم ظهر الفرس كما يلزم الحلس ظهر البعير والدابة.

الضحاك في الكوفة

ولى معاوية الضحاك على الكوفة فبلغه أن البعض يشتم عثمانا فخطب فيهم قائلا:

(بلغني أن رجالاً منكم ضُلّالاً يشتمون أئمة الهدى، ويعيبون أسلافنا الصالحين. أما والذي ليس له ند، ولا شريك لئن لم تنتهوا عما يبلغني عنكم لأضعن فيكم سيف زياد ثم لا تجدونني ضعيف السورة، ولا كليل الشفرة.

أما إني لصاحبكم الذي أغرت على بلادكم فكنت أول من غزاها في الإسلام، وشرب من ماء الثعلبية، ومن شاطئ الفرات، أعاقب من شئت، وأعفو عمن شئت، لقد ذعرت المخدرات في خدورهن وإن كانت المرأة ليبكي ابنها فلا ترهبه ولا تسكته إلا بذكر اسمي، فاتقوا الله يا أهل العراق، أنا الضحاك بن قيس، أنا أبو أنيس، أنا قاتل عمرو بن عميس)!!!

عجبا والله إنه يفخر بإرعابه النساء والأطفال؟ إنه يفتخر بالعار نفسه!! وجاءه الجواب من عبد الرحمن بن عبيد الذي كان شاهداً على (شجاعة الضحاك وبسالته في الحرب)! فقد كان من ضمن الجيش الذي أرسله أمير المؤمنين (عليه السلام) لمطاردة الضحاك فقال له مستهزئاً به وجاعلا منه ومن حديثه أضحوكة في المجلس حين ذكره بفراره ليلا في تدمر:

(صدق الأمير، وأحسن القول، ما أعرفنا والله بما ذكرت، ولقد لقيناك بغربي تدمر فوجدناك شجاعاً مجرباً صبوراً) !!!!.

ثم جلس وقال: (أيفخر علينا بما صنع ببلادنا أول ما قدم وايم الله لأذكرنه أبغض مواطنه إليه).

فسكت الضحاك قليلا وكأنه خزي واستحيا

كان رد عبد الرحمن ثقيلا على الضحاك فوجم ولم يدر بم يجيب وخاف الناس على عبد الرحمن من الضحاك فقال محمد بن مخنف له: لقد اجترأت حين تذكره هذا اليوم وتخبره أنك كنت فيمن لقيه. فقال: لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا) .

ولكن الضحاك احتملها عليه وأراد أن يعرف فارساً واجهه ذلك اليوم ولم يعرفه فقال له بعد أن علم أنه كان حاضرا في ذلك اليوم:

(لقد رأيت منكم بغربي تدمر رجلاً ما كنت أرى أن في الناس مثله، حمل علينا فما كذب حتى ضرب الكتيبة التي أنا فيها، فلما ذهب ليولي، حملت عليه فطعنته فوقع، ثم قام فلم يضره شيئاً، ثم لم يلبث أن حمل علينا في الكتيبة التي أنا فيها فصرع رجلا، ثم ذهب لينصرف فحملت عليه فضربته على رأسه بالسيف، فخيل إلي أن سيفي قد ثبت في عظم رأسه، فضربني فو الله ما صنع سيفه شيئاً ثم ذهب فظننت أنه لن يعود فو الله ما راعني إلا وقد عصب رأسه بعمامة ثم أقبل نحونا فقلت: ثكلتك أمك أما نهتك الأوليان عن الإقدام علينا. قال إنهما لم تنهياني إنما أحتسب هذا في سبيل الله ثم حمل ليطعنني فطعنته وحمل أصحابه علينا فانفصلنا وحال الليل بيننا...)

يثبت الضحاك جبنه وغدره أكثر بعد كل حادثة وحديث إنه يعترف هنا إنه طعن الرجل وهو مولٍ ــ أي في ظهره ــ باعترافه هو في هذه الفقرة: (فلما ذهب ليولي، حملت عليه فطعنته فوقع)!! وموقفه هذا يبين أنه كان غادرا فهو يقف قريبا من مبارزة الفرسان وعندما يحظى بفرصة من الخصم وهو منشغل بالقتال فإنه يستغلها كما هو واضح في الفقرة الثانية من حديثه التي يقول فيها: (حمل علينا في الكتيبة التي أنا فيها فصرع رجلا، ثم ذهب لينصرف فحملت عليه فضربته على رأسه بالسيف)

ونترك للقارئ التأمل في باقي الفقرات فربما يكتشف أشياء أخرى تدل على (بطولته وشجاعته) ونعود إلى عبد الرحمن الذي أجابه:

ـــ هذا يوم شهده هذا يعني ربيعة بن ماجد ــ وأشار إلى رجل بجانبه ــ وهو فارس الحي وما أظنه يخفى أمر هذا الرجل.

ــ أتعرفه؟

ــ نعم.

ــ من هو؟

ـــ أنا !!!

ـــ فأرني الضربة التي برأسك. فأراه فإذا هي ضربة قد برت العظم منكرة فقال له فما رأيك اليوم أ هو كرأيك يومئذ قال رأيي اليوم رأي الجماعة.

نهاية الضحاك

(مَن سلّ سيف البغي قُتل به) صدقت يا سيدي يا أمير المؤمنين، لقد كنت شمساً وصراطاً وهدياً ونوراً ولكنهم كانوا صُمّاً وبُكماً وعُمياً وبُغاةً على الحق الذي انت عليه.

لقد كانت نهاية الضحاك بسيوف الأمويين الذين قتلوه (غدرا) كما كان يقتل الأبرياء غدرا هكذا أعد الله للظالمين مصيرا: (وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِۚ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِۖ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا)

حضر الضحاك موت معاوية وصلى عليه وكان يشغل منصب نائبه على دمشق ويدير أمور أهلها، وبقي من رجال الدولة الأموية في عهد يزيد بن معاوية وحتى موت معاوية بن يزيد عندما بايعه الناس في دمشق بحكومة مؤقتة حتى اجتماع الناس على خليفة يختارونه، وكانت دعوة ابن الزبير قد انتشرت في تلك الفترة وقويت فبايع الضحاك ابن الزبير وشتم يزيد بن معاوية مما أدى إلى حالة من الفوضى العارمة كادت أن تخرج من سيطرته وتتحول إلى حرب بين المؤيدين والمعارضين حتى استطاع تهدئة الأمور ومن ثم اتفق مع بني أمية على أن يركنوا في أمرهم إلى حسان بن مالك بن بجدل ويأخذوا برأيه في الخليفة القادم.

وكان حسان في الأردن وهو أخ ميسون بنت بجدل أم يزيد وكان يريد البيعة لابن أخته خالد بن يزيد، ولما جاء اليوم المقرر للسفر تراجع الضحاك عن اتفاقه مع الأمويين ولم يسافر معهم لأن أكثر جيشه لم يكن على هوى حسان فجمعهم وأخذ البيعة منهم لابن الزبير

وكان هذا رأي مروان أيضا بعد أن استفحل امر ابن الزبير وليس لهم قوة تقف بوجهه وكان قرار مروان أن يذهب إلى مكة ليبايع ابن الزبير ويأخذ منه أمانا لبني أمية، فإنه كان قد أمر بإجلائهم عن المدينة.

ولكن حدث ما جعله ينثني عن عزمه ويغير من قراره حيث التقى في سفره بعبيد الله بن زياد والحصين بن نمير، وعمرو بن سعيد بن العاص، فعرضوا عليه الدعوة إلى نفسه ورغبوه بذلك، وضمن له عبيد الله بن زياد إزالة العقبة الكبيرة من طريقه وهي الضحاك

وذهب عبيد الله بن زياد إلى دمشق ليخدع الضحاك ويخذل الناس عنه، ورغبه بالدعوة إلى نفسه وهذه كانت المكيدة التي نصبها له وانخدع الضحاك بكلام ابن زياد فدعا إلى نفسه ثلاثة أيام ثم قال له ابن زياد: إن من يطلب ما تطلب لا ينزل المدن والحصون، وإنما ينزل الصحراء ويدعو إليه بالجنود، فبرز الضحاك إلى مرج راهط فنزله، وأقام ابن زياد بدمشق، وبنو أمية بتدمر، وخالد وعبد الله عند خالهم حسان بالجابية.

ثم بايع الناس مروان وضم إليه بني أمية وسار بهم لقتال الضحاك والتقيا في مرج راهط وكانوا ثلاثة عشر ألف رجل وكان مع الضحاك ثلاثون ألفا فتصافوا وتقاتلوا بالمرج عشرين يوما، يلتقون بالمرج في كل يوم فيقتتلون قتالا شديدا.

المكيدة

ذكر المدايني في كتاب (المكايد): لما التقى مروان والضحاك بمرج راهط اقتتلوا فقال عبيد الله بن زياد لمروان: إن فرسان قيس مع الضحاك ولا تنال منه ما تريد إلا بكيد فأرسل إليه فاسأله الموادعة حتى تنظر في أمرك على أنك إن رأيت البيعة لابن الزبير بايعت. ففعل فأجابه الضحاك إلى الموادعة وأصبح أصحابه قد وضعوا سلاحهم وكفوا عن القتال فقال عبيد الله بن زياد لمروان: دونك. فشد مروان ومن معه على عسكر الضحاك على غفلة وانتشار منهم فقتلوا من قيس مقتلة عظيمة. وقتل الضحاك يومئذ. قال: فلم يضحك رجال من قيس بعد يوم المرج حتى ماتوا. وكان يوم المرج عام (64هـ/685م)

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
0