مع دخول معركة تحرير مدينة الموصل من سيطرة تنظيم داعش الارهابي شهرها الثاني، ماتزال القوات العراقية المشتركة تواصل تقدمها الميداني في كافة المحاور، حيث اكدت قيادة العمليات المشتركة، ان معركة تحرير الموصل تسير وفق الخطة المرسومة لها، وانها حققت نجاحات كبيرة في وقت قياسي. ويرى بعض الخبراء ان هذه المعركة ربما ستستمر لفترة اطول من المقرر، خصوصا وان التنظيم سيسعى الى استخدم المدنيين كدروع بشرية، هذا بالإضافة الى استخدام العمليات الانتحارية وغيرها من الاساليب الانتقامية ضد اهالي المدينة. ومنذ بدء الهجوم في 17 أكتوبر تشرين الأول يواصل مسلحو تنظيم داعش الارهابي، الانسحاب من المناطق والقرى بعد ان تكبدوا هزائم كبيرة اجبرت قادة التنظيم على الفرار الى مناطق اخرى.

وفي هذا الصدد أكد اللواء نجم الجبوري، أن داعش في حالة لا يحسد عليها وأنه بدء الهروب إلى منطقة الجزيرة الغربية بعد تضييق الخناق عليه من قبل القوات الاتحادية. واضاف "العدو بدأ يهرب من المدينة، خاصة وأنه يدرك أن الحصار سيطبق عليه وأن المنفذ الوحيد سيسد في وجهه بشكل كامل". وتابع "الدواعش دائما يستخدمون العوائل كدروع بشرية في تغطية عمليات هروبهم من المنطقة باتجاه الغرب". واضاف الجبوري: "القائد العام للقوات المسلحة حيدر العبادي أمر بأن لا تستخدم الأسلحة الثقيلة مثل المدفعية، وأن تستخدم الأسلحة العالية الدقة والمتقدمة تكنلوجيا حصرا لتجنب تكبد الخسائر بين الناس الأبرياء".

حصار الموصل

وفي هذا الشأن نجح جهاز مكافحة الإرهاب الذي يمثل وحدات النخبة بالقوات العراقية في اختراق الحدود الشرقية للمدينة قبل أسبوعين. ومن المنتظر دخول وحدات عسكرية أخرى من الجهتين الشمالية والجنوبية. وأُحرز تقدم آخر عندما أعلنت وحدات تدعمها إيران سيطرتها على قاعدة جوية غربي الموصل في إطار حملتها لقطع الطريق الرابط بين المناطق السورية والعراقية "لدولة الخلافة" التي أعلنها تنظيم الدولة الإسلامية عام 2014.

ويتيح استيلاء هذه الوحدات المؤلفة أساسا من مقاتلي الحشد الشعبي على قاعدة تلعفر نقطة انطلاق للعمليات ضد أهداف تنظيم داعش داخل سوريا مما يسلط الضوء على احتمال أن تؤدي عملية الموصل إلى إعادة صياغة القوة الإستراتيجية في أنحاء شمال العراق. وإلى الشرق من الموصل سيطرت قوات البشمركة الكردية أيضا على مناطق خارج الحدود التقليدية لإقليم كردستان العراق شبه المستقل.

وأصبح الهجوم لاستعادة الموصل - وهي أكبر مدينة خاضعة لسيطرة التنظيم - أكبر معركة في العراق منذ الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق وأطاح بصدام حسين عام 2003. وأحجمت السلطات العراقية عن نشر جدول زمني لاستعادة المدينة بالكامل لكن من المتوقع أن يستغرق الأمر شهورا. وشن المتشددون هجمات مضادة على القوات المتقدمة لتجبرها على خوض معركة صعبة في شوارع ضيقة تكتظ بالسكان.

ويعتبر الاستيلاء على المدينة ضروريا لتفكيك الخلافة. وقال أبو بكر البغدادي زعيم تنظيم داعش الذي يعتقد أنه فر إلى منطقة نائية قرب الحدود السورية - لأتباعه إنه لا مجال للتراجع. لكن التنظيم ما زال قادرا فيما يبدو على شن هجمات في أنحاء العراق حتى في مناطق الوسط قرب بغداد على الرغم من معركة الموصل. وقالت مصادر بالشرطة إن انتحاريا فجر سيارة ملغومة في حفل زفاف ببلدة سنية إلى الغرب من بغداد وقتل 12 شخصا وأصاب 35 آخرين. وأضافت المصادر أن الهجوم استهدف فيما يبدو مسؤولين محليين سنة يعارضون تنظيم الدولة الإسلامية وكانوا يحضرون حفل الزفاف في بلدة عامرية الفلوجة.

ولم تنشر السلطات العراقية حصيلة لعدد الضحايا جراء الهجوم بشكل عام سواء بين قوات الأمن أو المدنيين أو مقاتلي تنظيم داعش. وتزعم الأطراف المتحاربة إيقاع الآلاف من الضحايا في صفوف الطرف الآخر. وقالت منظمة هيومن رايتس ووتش إن أكثر من 300 شرطي عراقي سابق قتلوا على الأرجح الشهر الماضي ودفنوا في مقبرة جماعية قرب بلدة حمام العليل جنوبي الموصل. وما زالت القوات الحكومية تقاتل في عشر من نحو 50 منطقة بالجانب الشرقي من الموصل التي يشطرها نهر دجلة. ويتحصن المتشددون بين المدنيين كوسيلة دفاعية ضد الغارات الجوية ويتحركون حول المدينة عبر أنفاق ويقودون سيارات ملغومة باتجاه القوات المتقدمة ويهاجمونها باستخدام القناصة وقذائف المورتر..

وتتميز محافظة نينوى المحيطة بالموصل بتنوع عرقي وديني كبير إذ يعيش فيها عرب وتركمان وأكراد ويزيديون ومسيحيون وسنة وشيعة لكن يشكل العرب السنة الأغلبية الساحقة من السكان. وأشارت حكومة إقليم كردستان إلى أنها قد تسعى لتوسيع المنطقة التي تحكمها في شمال العراق لتشمل القرى والبلدات المجاورة التي استولى عليها المقاتلون الأكراد من تنظيم داعش وربما منطقة كركوك الغنية بالنفط. بحسب رويترز.

وذكر تلفزيون روودوا المحلي أن رئيس الإقليم مسعود البرزاني قال إن قوات البشمركة الكردية لن تنسحب من المناطق التي استعادتها من تنظيم داعش في العراق. وأغضبت تصريحات البرزاني الحكومة المركزية في بغداد التي تعارض أي خطط لتوسيع الإقليم شبه المستقل. وقال مكتب رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي إن هناك اتفاقا بين الحكومة والأكراد "يتضمن بندا صريحا بانسحاب قوات البشمركة من المناطق المحررة بعد تحرير الموصل إلى أماكنها السابقة التي كانت تمسكها قبل انطلاق عمليات التحرير." لكنه أضاف في بيان أن الاتفاق لا يشمل المناطق التي انتزعتها قوات البشمركة من تنظيم داعش خلال الفترة من 2014 وحتى بداية عملية تحرير الموصل الشهر الماضي والتي تتضمن منطقة كركوك المتنازع عليها.

تقيد حركة داعش

الى جانب ذلك قال مسؤول أمريكي إن القوات الأمريكية التي تدعم القوات العراقية في معركة استعادة الموصل من تنظيم داعش نفذت ضربة جوية دمرت جسرا على نهر دجلة مما قيد حركة المتشددين بين الأجزاء الغربية والشرقية من المدينة. وتتقدم قوات مكافحة الإرهاب العراقية التي دربتها القوات الأمريكية في شرق الموصل آخر مدينة كبيرة يسيطر عليها التنظيم المتشدد في العراق في حين تحاصر وحدات من الجيش والشرطة والحشد الشعبي والاكراد المدينة من الغرب والجنوب والشمال.

ويتقهقر المتشددون من المناطق المحيطة بالموصل إلى داخل المدينة لكن تقدم الجيش في المرحلة السابقة تباطأ مع تحصن المتشددين داخل المدينة واستخدامهم أكثر من مليون مدني كدروع بشرية وتحركهم داخل أنفاق وتوجيههم ضربات للقوات المتقدمة عن طريق مهاجمين انتحاريين وقناصة وقذائف المورتر. وهناك خمسة جسور على نهر دجلة الذي يقسم مدينة الموصل. وقام المتشددون بتلغيمها كلها بعد أن سيطروا على المدينة قبل عامين أثناء اجتياحهم شمال العراق وإعلانهم إقامة دولة خلافة على أراض في العراق وسوريا المجاورة.

ورغم الألغام كان المتشددون يتمكنون حتى الآن من استخدام الجسور القائمة التي لم تدمرها بعد الضربات الجوية. وقال الكولونيل جون دوريان من القوات الجوية وهو متحدث في بغداد باسم التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة إن غارة جوية دمرت الجسر الرابع وهو الجسر الأبعد جنوبا. وأضاف "يعوق ذلك حرية حركة داعش في الموصل ويحد من قدرتها على توفير الإمدادات والتعزيزات لمقاتليها في مختلف أرجاء المدينة."

وقبل شهر دمرت ضربة جوية أمريكية الجسر الثاني في وسط المدينة وبعد ذلك بأسبوعين دمرت ضربة جوية الجسر الخامس إلى الشمال. لكن المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة أبدت قلقها من أن يعطل تدمير الجسور إجلاء المدنيين. وقال جول ميلمان المتحدث باسم المنظمة للصحفيين في جنيف "هذا مبعث قلق للمنظمة الدولية للهجرة لأنه سيترك مئات الألوف دون طريق مختصرة للخروج من منطقة القتال."

ومعركة الموصل التي بدأت قبل أسابيع أكبر عملية عسكرية في صراعات العراق المستمرة منذ أكثر من عشر سنوات عندما قادت الولايات المتحدة غزوا أدى إلى الإطاحة بحكم صدام حسين. وتشير تقديرات الجيش العراقي إلى وجود نحو خمسة آلاف مقاتل من تنظيم داعش في الموصل. وتحاصر قوات قوامها مئة ألف مقاتل المدينة وتضم جنود الجيش العراقي ومقاتلين أكرادا ووحدات شيعية.

وتعتبر السيطرة على الموصل حاسمة بالنسبة لتفكيك دولة الخلافة. وطلب زعيم داعش أبو بكر البغدادي الذي يعتقد أنه انسحب إلى منطقة نائية قرب الحدود السورية من مقاتليه البقاء والقتال حتى النهاية. وكانت وحدات مكافحة الإرهاب وفرقة مدرعة من الجيش هي فقط التي اخترقت حدود المدينة من جهة الشرق. ولم تدخل بعد وحدات من الجيش والشرطة من الشمال والجنوب.

وقال مصدر أمني كردي إن أربعة قادة في التنظيم أسروا خلال عملية خاصة بالقرب من بلدة البعاج القريبة من الحدود السورية. ولم يكن البغدادي ضمنهم. ولم يؤكد التحالف هذه العملية. وقال تنظيم داعش إنه شن هجوما على الجبهة الشمالية الغربية للموصل حيث سيطر على منطقة حرة ومستودعات نفط واقعة على بعد نحو 12 كيلومترا من حدود المدينة. ولم يؤكد الجيش هذا الزعم. بحسب رويترز.

وانتزعت قوات الحشد الشعبي السيطرة على قاعدة جوية في تلعفر غربي الموصل في إطار حملتهم لقطع الطريق بين الأجزاء التي يسيطر عليها التنظيم المتشدد في سوريا والعراق. وقالت المنظمة الدولية للهجرة إن أعداد النازحين بسبب القتال في الموصل وحولها تراجعت قليلا فيما يشير إلى أن بعضهم بدأ في العودة لديارهم في المناطق التي استعادتها قوات الحكومة. وقال ميلمان "عدد 68112 نازحا يمثل فعليا تراجعا طفيفا عنه قبل بضعة أيام... هذا جدير بالذكر لأنه يشير إلى أن البعض بدأ فعلا في العودة للمناطق الآمنة في المنطقة."

مواصلة الدعم

من جانب اخر قال وزير الخارجية العراقي إبراهيم الجعفري إن معركة انتزاع السيطرة على مدينة الموصل من تنظيم داعش تحقق تقدما وعزا ذلك إلى تماسك فاق التوقعات داخل قوات الأمن العراقية والتحالف بقيادة الولايات المتحدة. وأضاف أن من الصعب التكهن بالمدة التي سوف تستغرقها المعركة لكنه أشار إلى أن أكثر من ألف مقاتل من داعش قتلوا واحتجز 650 منهم وتم تحرير نحو ثلث المنطقة.

وقال الجعفري للصحفيين بعد اجتماع مع نظيره الألماني فرانك فالتر شتاينماير إن هذه إشارات جيدة للغاية عن النتائج الإيجابية للعمليات وإن العملية تسير على نحو أفضل من المتوقع. وأضاف أن المعركة يجب أن تستمر لكن من الواضح أن تماسك القوات والتحالف لعب دورا كبيرا حتى الآن. وتابع الجعفري أنه يتوقع من الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب مواصلة دعم العراق في معركته ضد داعش بالإضافة إلى جهود إعادة الإعمار المطلوبة بعد تحرير الموصل. وقال إن العراق سيكون بحاجة إلى برنامج على غرار خطة مارشال التي ساعدت الولايات المتحدة بموجبها ألمانيا على إعادة إعمار بنيتها التحتية واقتصادها بعد الحرب العالمية الثانية. بحسب رويترز.

وأضاف أن العراق لا يبرم اتفاقات مع الإدارات بشكل منفرد ولكن مع الدول. واستمر الدعم الاستراتيجي للعراق رغم انتقال السلطة من الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن إلى الرئيس باراك أوباما وقال الجعفري إنه يتوقع الأمر نفسه مع التغيير المقبل في البيت الأبيض. وأشار إلى أن الاستراتيجيات لا تتغير مع الرؤساء وأن الاتفاقات توقع ثم تكون ملزمة لكل الأطراف المعنية. وتابع قائلا إن العراق لن يقبل أي تدخل تركي في المنطقة الحدودية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0