تطورات العمليات العسكرية والانتصارات المهمة، التي حققتها القوات العراقية والحشد الشعبي في حربها المستمرة ضد عصابات داعش الارهابية في جبهات عديدة من ارض العراق، ما تزال محط اهتمام اعلامي واسع, حيث عدها بعض الخبراء انجازات كبيرة قد تعجز عن تحقيقها جيوش وقوات اخرى بمستويات وقدرات اكبر مما تملكه القوات العراقية، التي استطاعت تغيير موازين القوى لصالحها وهو ما اجبر تنظيم داعش الارهابي والقوى الداعمة له، على اعتماد خطط واجراءات مضادة من اجل التشويش على هذه الانتصارات من خلال استعمال الحرب الاعلامية المزيفة هذا بالإضافة الى تحريك الخلايا النائمة وشن بعض الهجمات الارهابية هنا وهناك، في محاولة لأثبات القدرات وتحويل الانتباه عن هزائمه.

من جهة اخرى اكد بعض المراقبين على ضرورة ان تقوم الحكومة العراقية بتعزيز قدرتها العسكرية وتأمين مواقعها المحررة، وعدم ترك ثغرات امنية قد يستغلها عناصر تنظيم داعش في ضرب بعض المدن او المقرات المهمة، خصوصا وان هذا التنظيم يعتمد وبشكل اساسي على أساليب الغدر والخيانة وحرب العصابات والتفجيرات الانتحارية من اجل استنزاف قدرات الجيش والقوى الامنية وتشتيت العمليات العسكرية. وفيما يخص بعض تطورات هذا الملف فقد بدأت القوات العراقية بدعم من قوات الحشد الشعبي وابناء العشائر عملية واسعة النطاق لاستعادة مناطق في محافظة صلاح الدين، شمال بغداد، من سيطرة عصابات داعش وفقا لبيان رسمي. وافاد البيان "انطلقت عمليات كبرى لتطهير جزيرة سامراء" الواقعة على بعد 110 كلم شمال بغداد. واكد مشاركة "قوات من الجيش وجهاز مكافحة الارهاب والشرطة الاتحادية وقوات الحشد الشعبي باسناد مدفعي وجوي من القوة الجوية العراقية".

ومناطق غرب سامراء من الاماكن التي يستغلها تنظيم داعش للتحرك بين محافظات صلاح الدين والانبار ونينوى. وتشن قوات عراقية بمساندة التحالف الدولي بقيادة واشنطن عمليات في مناطق متفرقة في شمال وغرب البلاد، لاستعادة السيطرة على مناطق تخضع لسيطرة التنظيم المتطرف.

هجمات بغداد

في السياق ذاته يقول بعض القادة العسكريين ومسؤول إقليمي إن الهجمات الدموية التي يشنها منذ شهور تنظيم داعش في العاصمة العراقية وحولها قد تكون مؤشرا على أن القوات العراقية أنهكها انتشارها على مساحة كبيرة بعد ما حققته من انتصارات في الآونة الأخيرة في استرداد أراض من التنظيم. وكانت القوات العراقية المدعومة بغارات جوية تشنها طائرات تحالف دولي بقيادة أمريكية قد استعادت مدينة بيجي الشمالية في أكتوبر تشرين الأول وفي الرمادي الواقعة على بعد 100 كيلومتر إلى الغرب من بغداد في نهاية العام الماضي.

لكن القادة العسكريين قالوا إن تصميم الحكومة على التحرك لاسترداد مدينة الموصل معقل التنظيم في شمال البلاد هذا العام حال دون تعزيز المكاسب العسكرية التي تحققت على المشارف الشمالية والشرقية لمدينة الرمادي. وقال القادة إن ذلك سمح لمقاتلي داعش بإعادة التجمع والاستمرار في إرسال الأسلحة من عمق "ما يسمى دولة الخلافة" إلى الفلوجة والكرمة غربي بغداد مباشرة اللتين قال مسؤولون أمنيون إن منفذي الهجمات التي وقعت انطلقوا منهما.

وقد أسفر هجوم انتحاري مزدوج في حي مدينة الصدر في بغداد عن سقوط 78 قتيلا. كما أعلن التنظيم أنه كان وراء هجوم على مواقع للشرطة والجيش في ضاحية أبو غريب الغربية أسفر عن مقتل 24 فردا من قوات الأمن وأتاح لمقاتلي التنظيم السيطرة على أكبر صومعة للحبوب في البلاد معظم ساعات اليوم.

وقال مسؤولون عراقيون ومتحدث باسم التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة إن هجمات بغداد تهدف في المقام الأول إلى رفع الحالة المعنوية لمقاتلي التنظيم بعد ما خسروه من أرض في الرمادي قبل شهرين. لكن الهجمات أثارت تساؤلات عن الأمن في العاصمة التي يعيش فيها أربعة ملايين نسمة وقدرة الحكومة على خوض معركة الموصل هذا العام دون السماح للمناطق التي تم استردادها بالوقوع في أيدي التنظيم مرة أخرى.

وأقرب مواقع لتنظيم داعش من بغداد هو مدينة الفلوجة الواقعة على مسافة 50 كيلومترا إلى الغرب والتي تحاصرها القوات العراقية منذ أشهر. وقال مسؤولون إن منفذي الهجمات التي وقعت تمكنوا من اختراق دفاعات الجيش في تلك المنطقة وفي محيط منطقة الكرمة. وقال اثنان من ضباط الجيش العراقي يرابطان قرب الرمادي إن نقص القوات أدى إلى إبطاء تقدم الجيش بدرجة كبيرة في الضواحي الشمالية والشرقية للمدينة. وقد تم نشر معظم قوات مكافحة الإرهاب الخاصة التي كانت رأس الحربة في عملية استعادة المدينة في مواقع أخرى واستبدلت بها وحدات أقل كفاءة من الجيش والشرطة.

وقال ضابط برتبة عقيد من الفرقة التاسعة "بعد الاستيلاء على الرمادي خفتت العمليات العسكرية. وكان ذلك خطأ تكتيكيا لأنه أتاح لمقاتلي داعش الفرصة لالتقاط الانفاس وإعادة التجمع." وأضاف "نحن بحاجة لمزيد من التعزيزات لسد الفجوة التي تركتها قوات مكافحة الإرهاب إذا كنا نريد الحفاظ على الزخم." كما انتقد العقيد قرار الحكومة بحشد مئات الجنود هذا الشهر وإرسالهم إلى مخمور وهي قاعدة تقع جنوبي الموصل. وقال "كل جندي ضروري لتطهير جيوب داعش الباقية من المناطق الريفية حول الرمادي. وهذا ما أسميه تخبط تكتيكات الجيش."

وقال فاضل أبو رغيف المحلل الأمني الذي يعمل في بغداد إن هجوما من جانب القوات العراقية استمر تسعة أشهر في الكرمة "لم يحقق أي نصر يستحق الذكر" ما سمح لمقاتلي داعش هناك بشن هجوم أبو غريب. وقال المتحدث العسكري العراقي العميد يحيى رسول إن العراق لديه ما يكفي من القوات للعمليات على جبهات متعددة. وقال "نحن لن نهمل شيئا. كل شيء مخطط. فهناك قيادة العمليات المشتركة ولجنة للتخطيط تضم ضباطا كبارا على مستوى عال من الكفاءة ونحن نعمل على وضع الخطط."

ويقول فالح العيساوي نائب رئيس المجلس المحلي في محافظة الأنبار التي تقع فيها مدينتا الرمادي والفلوجة إن هجوم أبو غريب يجب أن يكون إنذارا للحكومة لمراجعة تأمين العاصمة. وأضاف "عندما يسيطر مقاتلو داعش على منطقة على بعد 15 دقيقة بالسيارة من بغداد فهذا يعني أن هناك أخطاء أمنية خطيرة تحتاج لمعالجتها." وقبل 20 شهرا هدد تنظيم داعش باجتياح بغداد خلال تقدمه عبر المناطق الشمالية والغربية من العراق بعد عبور الحدود السورية لكن العاصمة شهدت هدوءا نسبيا منذ ذلك الحين.

وقالت السلطات هذا الشهر إنها تعيد تنظيم الحواجز الأمنية وتسد الثغرات في محيط العاصمة بغداد في محاولة لمنع وقوع مزيد من هجمات المتشددين. وفي هجوم أبو غريب قال مسؤولون أمنيون إن المسلحين تسللوا إلى المدينة من الكرمة والفلوجة باستخدام سيارات رباعية الدفع حتى يستطيعوا استخدام الطرق الترابية وتفادي اكتشافهم من قبل القوات العراقية.

قد استعادت القوات العراقية السيطرة ا على أبو غريب بما في ذلك صومعة الحبوب وجبانة تحصن بها مقاتلو داعش لساعات. وأشار العيساوي ومسؤول بوزارة التجارة إلى أن من دوافع الهجوم رغبة داعش في الاستيلاء على القمح المخزن في الصومعة لتغذية السكان في المناطق المحاصرة في الفلوجة والكرمة لكنهما أضافا أن المقاتلين لم يتمكنوا من أخذ مؤن قبل فرارهم. وقال فاضل المحمداوي الضابط في الجيش برتبة مقدم إن الجيش واصل مطاردة المسلحين في المناطق الريفية حول أبو غريب ويتحرى وجود خلايا نائمة يشتبه في مشاركتها في الهجمات.

وقال الكولونيل كريستوفر جارفر الضابط بالجيش الأمريكي والمتحدث باسم التحالف إن القادة المحليين كانوا على حق في مخاوفهم بشأن الاحتفاظ بالأراضي التي تم استردادها في الآونة الأخيرة من تنظيم داعش لكنه أضاف أن التخطيط يأخذ مثل هذه المخاوف في الاعتبار. وتابع أن التحالف قام حتى الآن بتدريب حوالي 2000 شرطي من الأنبار حتى يكونوا القوة الرئيسية في الرمادي. بحسب رويترز.

وقال جارفر إن التشكيل الذي هاجم أبو غريب لم يكن "كبيرا بصفة خاصة" ويظهر أن التحالف والعراقيين يحققون نجاحا في منع داعش من تنفيذ عمليات كبرى للتزود بالمؤن والمناورة. وقال "لا يمكنك قط إحكام السيطرة بحيث لا يمكن لشخص مدرب تدريبا جيدا الدخول إلى منطقة والخروج منها." لكنه أضاف أن الجيش العراقي "يحافظ الآن على مواقعه وحتى إذا تراجع تكتيكيا كما شهدنا في بعض المرات فهو يعاود استرداد الأرض." وقال جارفر إن تحديد أفضل السبل لتعبئة الموارد المحدودة والتقدم صوب الموصل أمر متروك للحكومة العراقية.

معارك الفلوجة

على صعيد متصل اندلعت المعارك بين رجال عشائر عراقية وتنظيم داعش داخل مدينة الفلوجة معقلهم الأبرز في محافظة الانبار، بحسب مسؤولين عراقيين. وتقع الفلوجة على بعد نحو ستين كيلومترا الى الغرب من بغداد وهي بعد الموصل ثاني مدن العراق تحت سيطرة الجهاديين الذين يتراوح عددهم فيها بين 300 و400 مسلح. واحكم التنظيم المتشدد سطوته على المدنيين في الفلوجة بعد اعتقالات وتنفيذ سلسلة اعدامات علنية في المدينة.

وقال عميد في الجيش العراقي طلب عدم الكشف عن اسمه ان "المواجهات المسلحة بين ابناء عشائر الفلوجة وتنظيم داعش اندلعت في حي الجولان الواقع في شمال غرب الفلوجة وحي النزال الواقع وسط المدينة، بحسب المصدر الذي قال ان الجيش قصف مواقع داعش في ضواحي المدينة. وسقط عدد من القتلى في صفوف مقاتلي العشائر وعناصر التنظيم الجهادي، بحسب المصدر الامني لكنه لم يكن بوسعه تحديد اعداد القتلى.

وقال احد زعماء العشائر الشيخ مجيد الجريصي ان القتال كان مستمرا في وسط وجنوب غرب المدينة. واضاف ان "ذخيرة مقاتلي العشائر بدأت تنفذ، ونحن بحاجة الى مساعدة الحكومة". وقال "نخاف ان تنفذ هذه الذخيرة بشكل كامل، لانه فيما بعد سيقوم تنظيم داعش باعتقالهم وذبحهم". ونفذ تنظيم داعش مجرزتين بحق العشرات من ابناء عشيرة البو نمر في عامي 2014 و2015 بسبب معارضة هذه العشيرة سيطرة الجهاديين على محافظة الانبار.

بدوره، اكد سعدون عبيد الشعلان وهو مسؤول محلي ان ابناء العشائر وضعوا قناصين على اسطح المباني في حي العسكري الواقع شرق الفلوجة. وقال ان "رجال العشائر كانوا بحاجة الى تجهيزات، ونحن سنحاول الحصول على الدعم من الحكومة". ودارت اشتباكات عنيفة في الفلوجة بين عدد من ابناء العشائر و"الحسبة" التابعة لتنظيم داعش والمكلفة تطبيق الشريعة في المدينة. وانضم افراد من عشيرة الجريصات والمحامدة والحلابسة الى القتال الذي بدأت وتيرته تتصاعد. بحسب فرانس برس.

وتفرض القوات العراقية بمساندة مقاتلين من عشائر الانبار والحشد الشعبي ، حصارا شديدا حول الفلوجة التي مايزال عشرات الاف المدنيين داخلها. ويهدف الحصار الى استعادة السيطرة عليها من المتطرفين. والفلوجة هي اول مدينة خضعت لسيطرة داعش قبل الهجوم الكاسح الذي شنه التنظيم على مدينة الموصل في حزيران/يونيو 2014 وانهارت على اثرها قطاعات الجيش ليسيطر التنظيم بعدها ثلث مساحة العراق. واضافة الى الفلوجة يسيطر التنظيم على مدينتي الموصل وتلعفر في نينوى وعلى الحويجة في محافظة كركوك.

العبادي وإيران

الى جانب ذلك وبينما كان القتال على أشده في العراق خلال الصيف الماضي صادف الميجر جنرال الإيراني قاسم سليماني معارضة غير متوقعة لخططه من أجل إنزال الهزيمة بتنظيم داعش. وسليماني هو قائد فيلق القدس الإيراني وقد كان شخصية محورية في الحرب على التنظيم في العراق وهي حرب لم يكن الجيش العراقي قائدها بل قادتها فصائل شيعية مسلحة. لكن مسؤولا في الحكومة ودبلوماسيين اثنين قالوا إن رئيس الوزراء حيدر العبادي قال لسليماني في أغسطس آب الماضي إن مهمة شن هجوم على مدينة الرمادي السنية يتعين تركها للجيش العراقي.

وقالت المصادر إن العبادي (64 عاما) الذي ينتمي للطائفة الشيعية أراد إبعاد الفصائل لتجنب إثارة التوترات الطائفية. وامتنع مكتب العبادي عن التعقيب على هذه الرواية التي ترددت في الدوائر الدبلوماسية في بغداد على مدى أشهر. ونفى ثلاثة ساسة عراقيين أن أحداثها وقعت فعلا. غير أن المسؤول الحكومي والدبلوماسيين قالوا إن هذه الحادثة واحدة من سلسلة من الخطوات التي أخذها العبادي لتأكيد سلطته كزعيم والنأي بنفسه عن طهران والفصائل المسلحة التي هبت لنجدة بغداد عام 2014 وفي أوائل 2015.

وقالوا إن العبادي بدأ يسعى للمصالحة بين الشيعة والسنة وتحسين العلاقات مع دول عربية سنية مثل السعودية. وإذا استطاع رأب الصدع بين الطائفتين كما وعد فسيقطع شوطا كبيرا في مهمة إعادة توحيد البلاد التي مزقتها الخلافات منذ سقوط صدام حسين عام 2003. وقال المسؤول الحكومي والدبلوماسيان إن العبادي اعترض على هبوط طائرة سليماني في مطار بغداد دون إذن مسبق. كما استاء العبادي من استخدام سليماني قاعة رسمية لكبار الزوار في المطار عند دخوله العراق رغم أنه لم يأت بدعوة رسمية من الحكومة العراقية.

وقالت المصادر إن تدهور العلاقات بين الاثنين بدأ في أغسطس آب عندما حضر سليمان اجتماعا لكبار المسؤولين الأمنيين في العراق كان العبادي يعقده وتصرف بأسلوب وصفه أحد المصادر بأنه "متسلط وكأن العراق محمية إيرانية". وقالت المصادر إن هذا دفع العبادي لسؤال سليماني عن سبب حضوره الاجتماع. ثم غادر الجنرال الإيراني القاعة. وقال دبلوماسي غربي "العبادي شكك في سبب وجوده. كانت مسألة تتعلق بالسيادة العراقية والشعور الوطني."

وقال المسؤول الحكومي العراقي إنه لم يحدث اشتباك بين العبادي وسليماني لكن العلاقة بينهما تتسم بالعملية. وأضاف "لا نستطيع أن نقول إنها دافئة". وأيا كان الحال فقد تراجع سليماني عن المشهد العام في العراق في الأشهر الستة الأخيرة. كما كادت تختفي صوره في ميدان المعركة وملصقاته التي كانت في كل مكان وعلى شاشات التلفزيون في كل مكان. ومن المرجح أن يكون لها التغير حدودا. وقال هشام الهاشمي مستشار الحكومة العراقية والخبير في شؤون تنظيم داعش إن حلفاء إيران في المعسكر الشيعي الذي ينتمي إليه العبادي يقاومون موقفه في حين أن انهيار أسعار النفط خفض ميزانية الحكومة.

وفي الوقت الحالي يبدو أن العبادي يحاول تحقيق ما وعد به في خطابه أمام البرلمان عام 2014 الذي رسم فيه رؤية لدولة متحدة يقوم الحكم فيها على أساس اللامركزية. وكان النصر الذي حققه الجيش في الرمادي على التنظيم المتشدد لحظة حاسمة. فقد استطاعت فرقة خاصة من الجيش العراقي إخراج التنظيم من المدينة أكبر مدن غرب العراق في الأيام الأخيرة من عام 2015. وجاء الدعم من الطائرات الحربية الامريكية بينما حافظت العشائر السنية على الوضع خلف خطوط الجيش.

ويستعد الجيش الآن لمهاجمة التنظيم في الفلوجة حصن الجهاديين الاسلاميين غربي بغداد ويخطط لبدء حملة على الموصل أكبر مدن الشمال. وكان سقوط الموصل في أيدي التنظيم عام 2014 هو السبب في خروج نوري المالكي سلف العبادي من منصبه. وقد اتهم كثير من نواب العراق المالكي بأنه وراء هزيمة الجيش في تلك المدينة. ومن العوامل الرئيسية أن المالكي فقد دعم آية العظمى علي السيستاني الذي يمثل المرجع الأعلى لملايين الشيعة ويملك سلطة لا يستطيع أحد يذكر من الساسة العراقيين أن يتحداها علانية.

ودعا السيستاني إلى التوافق على مرشح وكان العبادي هو الذي خلف المالكي لأسباب منها دعوته إلى رأب الصدع الطائفي بين السنة والشيعة. وقد نشأ رئيس الوزراء الجديد في بغداد بين السنة والمسيحيين وغيرهما من الطوائف. وقال مصطفى العاني المحلل الأمني العراقي لدى مركز الخليج للأبحاث ومقره جنيف "كان والده طبيبا معروفا. وتعود العبادي على العيش مع الطوائف الأخرى." وبعد أن أمضى العبادي أكثر من 20 عاما في منفى في بريطانيا حيث درس في مدينة مانشستر الشمالية وعمل مهندسا كهربائيا عاد إلى العراق عام 2003 في أعقاب الغزو الذي أطاح بحزب البعث وبحكم صدام.

والعبادي مثل المالكي عضو في حزب الدعوة الشيعي الذي نفذ مع جماعات شيعية أخرى حملة بدأتها الولايات المتحدة للتخلص من حزب البعث وهو ما أدى إلى عزل السنة من المناصب في الحكومة والجيش والشرطة. وقبل عشر سنوات أيد العبادي هذه الحملة لكنه وعد عندما أصبح رئيسا للوزراء بتوحيد البلاد. وفي البداية واجه صعوبات في تأكيد سلطته. واعتبره بعض المسؤولين الأمريكيين حينذاك زعيما ضعيفا يحتاج لدعم الفصائل المسلحة.

لكن هذه الصورة بدأت تتغير في الشهور القليلة الماضية. وفي التاسع من فبراير شباط جدد محاولته للقضاء على الفساد. وقال العبادي إنه يريد إجراء تعديل حكومي يختار فيه وزراء من الخبراء التكنوقراط. وقال المسؤول الحكومي إن هذه الخطوة فاجأت عدة جماعات في الائتلاف الحاكم. وأضاف "أصدر الإعلان مباشرة لوسائل الاعلام دون التشاور مع قيادات الحزب." كما حسن العبادي العلاقات مع السعودية خصم إيران على المستوى الإقليمي. وفي ديسمبر كانون الأول الماضي أعادت الرياض فتح سفارتها في بغداد بعد 25 عاما من إغلاقها في أعقاب الاجتياح العراقي للكويت. وقال السفير السعودي ثامر السبهان لصحف إن هذه الخطوة قد تفتح الباب لمزيد من التعاون في مواجهة التطرف.

ونجحت العلاقات بعد توثيقها في أول اختبار لها في يناير كانون الثاني عندما أعدمت السعودية رجل الدين الشيعي نمر النمر. فقد قاومت الحكومة العراقية ضغوطا من جماعات شيعية لقطع العلاقات وعرضت بدلا من ذلك الوساطة بين الرياض وطهران. وقال دبلوماسي أوروبي "العبادي نأى بنفسه عن إيران. لم يزر طهران سوى مرتين أو ثلاثة في 18 شهرا وليس مثل سلفه الذي كان يذهب إليها طول الوقت." وقال العبادي إن إقناع العراقيين السنة بأنه صادق فيما يقول لن يكون مهمة سهلة. وقال رئيس البرلمان سليم الجبوري أبرز الشخصيات السنية في الدولة إن العبادي يبدي نوايا طيبة لكنه لا يستخدم كل سلطته لإنجاز ما وعد به.

ويشعر كثير من الساسة الشيعة أن العبادي مجامل أكثر مما يجب. ومازالت الأحزاب السياسية الشيعية تؤيد إجراءات التخلص من جذور حزب البعث التي تؤثر على عشرات الآلاف من السنة. كما تعارض إقامة الحرس الوطني الذي من شأنه استيعاب قوات إقليمية مثل السنة ممن يقاتلون تنظيم داعش. وقال المسؤول الحكومي إن أغلب الساسة الشيعة مازال لديهم مشاعر قوية مناهضة للسنة. وأضاف أنه بعد دعوة العبادي في الآونة الأخيرة إلى الإصلاح ناقش بعض مسؤولي الحكومة من الشيعة تغيير رئيس الوزراء. بحسب رويترز.

وقال الدبلوماسي الأوروبي إن المقاومة التي واجهها العبادي جعلت من الصعب تنفيذ تغيير حقيقي. وأضاف "مازال الإحساس الموجود هو أن على السنة أن يدفعوا ثمن ما فعلوه في عهد صدام." ويزيد من صعوبة الأمر الانخفاض الحاد في أسعار النفط والأزمة الاقتصادية المتنامية. وقال الدبلوماسي نفسه "بالنسبة لرئيس الوزراء لا يمكنك الامتناع عن الإنفاق على الجيش وإلا فلن تتمكن من هزيمة" داعش. وأضاف "لديه أموال أقل بكثير من أي ممن سبقوه منذ 2003 للتحرك بها".

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1