في ظل تزايد الهجمات الارهابية الدموية التي استهدفت العديد من دول العالم، تفاقمت المخاوف الدولية من انتشار إيديولوجية التطرف، وخصوصا تلك التي يتبناها تنظيم داعش الذي يسيطر على مناطق شاسعة من سوريا والعراق الذي يمتلك قدرات وإمكانات هائلة تمكنه من الضرب في أماكن متعددة. وبحسب تقرير صادر من مجلس الأمن الدولي وكما نقات بعض المصادر، فان أعداد المقاتلين الأجانب الملتحقين بجماعات متطرفة قد تعدت 25 ألف مجند من أكثر من 100 دولة، وأغلب هؤلاء ينتمون إلى داعش.

وهو ما يشكل تهديدا إرهابيا فوريا وعلى المدى الطويل. ويعدّ هذا التقرير هو الأول من نوعه الذي تطرح فيه الأمم المتحدة وجهة نظر عالمية حول مشكلة المقاتلين الأجانب، حيث أشارت الأمم المتحدة إلى أن معدل تدفق المقاتلين يعدّ راهنا أكبر منه في أي وقت مضى، لا سيما الذين يتدفقون إلى سوريا والعراق، مع تفاقم الأزمة الواضح أيضا في ليبيا. وهنا يبرز خطر ذهاب وعودة المقاتلين الأجانب إلى بلدانهم والتهديدات التي يشكلونها على الأمن الوطني جراء ذلك، إذ تشير الإحصائيات إلى أنه من بين كل تسعة مجندين عائدين، هناك احتمالية أن ينفذ واحد منهم أو أن يحاول تنفيذ عملية إرهابية في بلده الأصلي أو في بلد آخر، وهذا ما يدفع الحكومات حول العالم لتشديد الاحترازات الأمنية تحسبا لأي هجمات متطرفة.

على صعيد آخر، أعلن الأمين العام لمنظمة الشرطة الدولية (الإنتربول) يورغن شتوك، في مدينة برشلونة الإسبانية، أن الإنتربول حدّد هويات أكثر من أربعة آلاف مقاتل أجنبي انضموا إلى الجماعات المتطرفة في مناطق النزاع، خصوصا في العراق وسوريا. ويأتي هذا الإعلان بغية تعزيز التعاون في مجال مكافحة الإرهاب على الصعيد الدولي. ولمكافحة ظاهرة المقاتلين الأجانب، دعا شتوك الدول إلى تقاسم وتشارك أفضل لمعلوماتها وإلى تسهيل وصول السلطات الدولية إليها.

ويشير مراقبون إلى أن أعداد المجندين الأجانب في نمو متضاعف، ومع أن قاعدة بيانات الإنتربول تحتوي على نحو ربع المشتبهين، فإن مراقبة الحدود البرية تظلّ تحدّيا أكثر صعوبة من تعقب الحدود الجوية. ويكمن خطر داعش في سعيه للتفوق في الإرهاب على القاعدة التنظيم الأم، بأسلوب الترهيب والتخويف وإثارة الصدمة والفوضى والنفخ في رماد الطائفية والأساليب الجنونية، وغير التقليدية، واثارت الهجمات والاعتداءات الاخيرة التي تبناها التنظيم المخاوف والقلق خصوصا وانها قد اثبتت انه لم تعد أي دولة أو مجتمع في مأمن من العمليات الإرهابية. خاصة مع وجود الخلايا النائمة والأفراد المتطرفين المنحرفين، أو ما بات يُعرف في مصطلحات دراسات الإرهاب بـ(الذئب المنفرد). وبهذا اصبح تنظيم ‬داعش اكبر تهديد ‬للأمن ‬والاستقرار ‬العالمي، وهو ‬ما ‬يتطلب ‬عملاً ‬جماعياً ‬مشتركاً، ‬واستراتيجية ‬مختلفة ‬عن ‬الحرب ‬التي ‬تُشن ‬ ‬على هذا ‬التنظيم ‬في ‬العراق ‬وسوريا، دون ‬أن ‬تنجح ‬تلك ‬الاستراتيجية ‬في ‬الحد ‬من ‬تمدده ‬وانتشاره ‬وتوسعه ‬في ‬البلدين.

هجمات كبيرة

في هذا الشأن فلقد بينت هجمات باريس الدامية التي اوقعت 130 قتيلا في 13 تشرين الثاني/نوفمبر انه يمكن لفرق من الانتحاريين المسلحين برشاشات ومتفجرات مصنعة يدويا احداث خسائر كبيرة وبث الرعب في البلاد. ولا شك ان تداعيات مثل هذه الاعتداءات سيكون لها تأثير مدمر لو انها نفذت بشكل متزامن في عدة دول على المستوى الاوروبي.

يقول مسؤول عن مكافحة الارهاب طالبا عدم ذكر اسمه "للاسف اعتقد ان هجمات 2015 لا تمثل شيئا (مقارنة مع ما يمكن ان يحدث) نحن نتوجه نحو ما يشبه هجمات 11 ايلول/سبتمبر على المستوى الاوروبي: هجمات متزامنة في اليوم نفسه في عدة بلدان وفي عدة اماكن. تنسيق على مستوى عال. نعرف ان الارهابيين يعملون على اعداد شيء من هذا النوع".

واضاف ان "تنظيم داعش يعمل اليوم على تجنيد وتدريب شبان اوروبيين بهدف ارسالهم لتنفيذ هجمات في بلدانهم الاصلية. انهم يعودون ومعهم وثائق مزورة ويجيدون اللغة واستخدام السلاح ويعرفون الأماكن. نحن نوقف كثيرين منهم ولكن علينا ان نعترف بان اعدادهم كبيرة وان بعضهم سيتمكنون من التسلل. او انهم عبروا اصلا".

وقال ان توقيف جهاديين عائدين من سوريا والعراق في الفترة الاخيرة يثير المزيد من القلق لأن "مواصفاتهم تتغير. نحن نرى شبانا تشربوا الفكر المتطرف يعودون بعد ان تلقوا تدريبا جيدا على القتال، كان الأجدر ان يبقوا هناك. بعضهم عادوا خوفا من الغارات الروسية التي تحيل اي قرية الى هشيم لمجرد تلقي معلومات عن وجود جهاديين فيها. ولكن آخرين يعودون وهم مكلفون بمهمات في اوروبا". واضاف "في السابق، كنا نشهد عودة اشخاص يشعرون بانهم اخطأوا ولم يدركوا صعوبة الحرب. اما اليوم فنرى شبانا متمسكين بعقيدتهم".

فكرة تنفيذ هجمات متزامنة في اوروبا ليست بالامر الجديد فقد فشلت مثل هذه المحاولات مرارا وبينها مخطط كان معدا لتنفيذه في نهاية اب/اغسطس 2010 وفق ما يقول ايف تروتينيون المحلل السابق لدى اجهزة مكافحة الارهاب الفرنسية. ويضيف "كنا حينها نواجه تنظيم القاعدة ولكن الفكرة انتقلت ولا شك الى تنظيم داعش. كان يفترض ان تصل فرق التنفيذ من اوروبا الشرقية وان تتوجه الى مكان وجود الاسلحة المخبأة من المسدسات والبنادق الهجومية. احبط الاميركيون المخطط ونفذوا ضربات استباقية بطائرات بدون طيار في افغانستان وباكستان ضد اشخاص كان يفترض بهم تنفيذ الهجوم".

ويقول ان "مثل هذه الهجمات المتزامنة هي من بين السيناريوهات الأسوأ التي يخشى تنفيذها في 2016. اعرف ان الاجهزة المختصة تعمل في عواصم عدة منها لندن على سبيل المثال على هذه الفرضية". ويرى الخبيران انه في حين تعمل الشرطة والجيش والمحللون والمشرعون بصورة مستمرة على تكييف خطط المواجهة وطريقة العمل مع اساليب عمل الجهاديين فان الطرف الاخر يقوم بالمثل وغالبا ما يكون اسرع واكثر فعالية.

ويقول المسؤول في مكافحة الارهاب "لسنا وحدنا من يستخلص العبر، تنظيم داعش يفعل بالمثل. لقد فهموا على سبيل المثال انه لا ينبغي اجراء اتصال هاتفي او تقليص ذلك الى الحد الادنى وبان كل الاتصالات مراقبة. انهم يتعلمون من كل هجوم حتى عند احباطه". ويقول ايف تروتينيون "يسمى هذا الخبرة بالممارسة. وهذا ما يفعلونه ايضا. انهم يستفيدون من التحقيقات التي يجريها الصحافيون ويقرأون كل ما يكتب عن الموضوع. لقد تعلموا انهم احتاجوا ساعتين ونصف لمهاجمة مسرح باتاكلان وان متفجراتهم كانت رديئة وبالتالي عليهم تغييرها وان المنفذين تركوا أثرا. انهم يتعلمون بسرعة". بحسب فرانس برس.

ويضيف ان "13 تشرين الثاني/نوفمبر برهن انه كان يكفي ان يقوم بالتنفيذ شباب غير متمرسين. هذا يعني انه اذا تم تحسين مستوى المهاجمين فستكون المشكلة كبيرة. هناك شعور رهيب بالتشاؤم في جميع اوساط المحترفين بشأن 2016. وربما بعد سنة سنقول ان سنة 2015 لم تكن سوى تمرين او ما يشبه اختبارا عمليا".

داعش والقاعدة

الى جانب ذلك ومن وجهة نظر وزارة الخارجية الأمريكية، فإن تنظيم "داعش" هزم القاعدة في تصدرها للجماعات الإرهابية، فالانتشار غير المسبوق والوحشية التي يمارسها "داعش"، وقدرته الكبيرة على تجنيد المقاتلين الأجانب، وإيصال الرسائل، وإلهام الذئاب المستوحدة لشن هجمات، ساعده في احتلال موقع الصدارة بدلا من تنظيم القاعدة في قيادة الإرهاب العالمي، بحسب التقرير السنوي حول الإرهاب الذي أصدرته الخارجية الأمريكية.

ويقول التقرير بأن كلا التنظيمين يتبنى تكتيكاته بطرق أكثر وحشية، وصعوبة في تعقب أثارها، وجاء في التقرير "إن تصاعد التهديدات التي يمثلها تنظيم القاعدة، تراجعت في عام 2014" ووجد التقرير أن هناك خسارة واضحة للدور القيادي لتنظيم القاعدة في أفغانستان وباكستان، ولاحظ أن "قيادة القاعدة تظهر أيضا خسارة للزخم كقيادة ذاتية لحركة عالمية في مواجهة تنظيم داعش الذي تمدد بسرعة كبيرة، وأعلن قيام دولة الخلافة."

ويشار إلى أن عدد الهجمات الإرهابية في عام 2014 زاد بنسبة 35%، عن السنة السابقة، ولكن الهجمات الأعنف تركزت في خمس دول، حيث وقعت 60% من هذه الهجمات في العراق، باكستان، أفغانستان، الهند، نيجيريا، بحسب الاتحاد الوطني لدارسات الإرهاب والتعامل مع الإرهاب التابع لجامعة ميريلاند، الذي يعد الإحصاءات حول الإرهاب في العالم.

وبفارق كبير احتل العراق المرتبة الأولى في عدد القتلى والإصابات الناجمة عن العمليات الإرهابية، وذلك نتيجة لتمدد تنظيم داعش، فقد كانت هناك زيادة في عدد الضحايا بنسبة 81% خلال العام الماضي، جراء توسع التنظيم في شن الهجمات المميتة. وقد قتل 24 أمريكيا العام الماضي في هجمات إرهابية، أغلبها في أفغانستان، والصومال، والقدس.

ويلحظ التقرير زيادة في الأساليب العدوانية والوحشية التي يقوم بها الإرهابيون في هجماتهم، من قطع الرؤوس، والصلب، والقتل الجماعي، والخطف، واحتجاز الرهائن. وتعترف الولايات المتحدة بقوة "داعش" في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لنشر رسائلها وتجنيد الأتباع، مع ملاحظة أن الجماعة "كانت بارعة في استخدام وسائل التواصل الشائعة، ومنصات الإعلام الجديد مثل يوتيوب، وفيسبوك، وتويتر، لبث رسائلها على نطاق أوسع."

ويشير التقرير إلى إصدارات "داعش" الدعائية عبر الانترنت، متبوعة بإعادة نشر سريع، ومتابعة الروابط والترجمة إلى عدة لغات، بالإضافة إلى الإجابة السريعة من قبل أعضاء في التنظيم على الأسئلة المتعلقة بكيفية الالتحاق بالتنظيم. ويصف التقرير الحرب الأهلية في سوريا بأنها كانت "عاملا رئيسيا"، خلال السنوات الأخيرة في الهجمات الإرهابية حول العالم، بالرغم من وقوف المجتمع الدولي في مواجهة التنظيم، وقرار الأمم المتحدة الذي اعتبر سفر المقاتلين الأجانب إلى مناطق القتال غير قانونية، حيث سافر أكثر من 16000 مقاتل إرهابي إلى سوريا خلال عام 2014، طبقا للتقرير، معظمهم التحق بتنظيم "داعش". بحسب CNN.

"وقد تجاوز عدد المقاتلين الإرهابيين الأجانب الذين سافروا إلى سوريا، نسبة المقاتلين الأجانب الذي سافروا إلى أفغانستان وباكستان والعراق واليمن والصومال، في أي لحظة خلال العشرين عاما الماضية" بحسب التقرير، الذي ألقى اللوم أيضا على ضعف الحكومات ليس في سوريا والعراق فحسب بل أيضا في اليمن وليبيا حيث تنتعش الجماعات الجهادية.

امريكا وخطر الارهاب

على صعيد متصل كشف البيت الأبيض عن مبادرات جديدة لمكافحة تجنيد الأمريكيين في الجماعات المتطرفة، مثل تنظيم داعش. وتشمل حزمة الإجراءات الواسعة تشكيل فريق عمل لمكافحة دعاية التنظيمات الإرهابية على الإنترنت. ويتزامن الإعلان عن التدابير الجديدة مع لقاء مسؤولين بالإدارة الأمريكية قادة شركات كبرى من وادي السيليكون لبحث سبل مساعدة التكنولوجيا في إحباط نشاط الإرهابيين.

ومن بين المشاركين مسؤولون من شركات أبل وغوغل وفيسبوك ومايكروسوفت وتويتر. وتهدف الإجراءات إلى منع الجماعات المتطرفة من نشر التشدد أو التشجيع على العنف بين المستخدمين على الإنترنت. وتضم المبادرات فرقة مهام لمكافحة الأنشطة المتطرفة شكلتهما وزارتا الأمن الداخلي والعدل. وأعلنت كذلك وزارة الخارجية إنشاء مركز دولي للعمل المشترك، ستكون مهمته التركيز على تمكين المستخدمين الأجانب من التعامل مع الرسائل المؤيدة للتنظيم. وقال نيد برايس، المتحدث باسم البيت الأبيض: "الهجمات المروعة في باريس وسان برناردينو هذا الشتاء أكدت حاجة الولايات المتحدة وشركائنا في المجتمع الدولي والقطاع الخاص إلى وقف عنف المتطرفين، مثل أرضية التجنيد الخصبة لتنظيم داعش". بحسب بي بي سي.

ويجند تنظيم داعش عناصره الجدد في أنحاء أوروبا والولايات المتحدة عبر شبكة الإنترنت. ووصف الرئيس الأمريكي، باراك أوباما، التنظيم المتشدد بأنه "مجموعة قتلة بوسائل تواصل اجتماعي جيدة". واقترح برلمانيون تشريعاتٍ ستطلب من منصات التواصل الاجتماعي الإبلاغ عن النشاطات الإرهابية المرصودة. لكن خبراء في مجال التكنولوجيا قالوا إن الأمر يثير مخاوف من أن يؤدي إلى الإبلاغ عن بيانات غير صحيحة أو فرض أعباء لا مبرر لها. وبحث قادة مجال التكنولوجيا وبرلمانيون سبل التعامل مع تشفير البيانات والخصوصية على الإنترنت بعد الهجمات الإرهابية الأخيرة. وقالت شركات التكنولوجيا إنها تريد المساعدة دون أن يؤدي هذا إلى انتهاك خصوصية المستخدمين.

في السياق ذاته طالب الرئيس الأمريكي باراك أوباما الكونغرس بالتصويت من أجل السماح بتحرك عسكري ضد تنظيم "داعش". وقال أوباما إن بلاده قادت لأكثر من عام تحالفا يشمل 60 دولة من أجل "وقف مصادر تمويل التنظيم وعرقلت مؤامراته ووقف تدفق المقاتلين الإرهابيين". وسعى الرئيس الأمريكي - في آخر خطاب له عن حالة الاتحاد - إلى طمأنة الأمريكيين بشأن بلدهم. وأكد على أن التنظيم لا يمثل تهديدا وجوديا للولايات المتحدة. وقال: "إذا كان هذا الكونغرس جادا بشأن الانتصار في هذه الحرب، ويريد أن يبعث برسالة لجنودنا والعالم، فعليكم السماح باستخدم القوة العسكرية ضد داعش".

وسعى أوباما خلال خطابه إلى الدفاع عن سياساته منذ تولي منصب الرئيس والحديث بنبرة متفائلة عن مستقبل الولايات المتحدة، مؤكدا أنه بلاده لديها "الاقتصاد الأقوى في العام". وأشار إلى أنه من الأشياء التي يريد تحقيقها خلال الفترة المتبقية له في الحكم إغلاق معتقل غوانتانامو، والحصول على ترخيص باستخدام القوة العسكرية ضد تنظيم "داعش".

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0