تسعى الحكومة البريطانية الى الاستفادة من الهجمات الارهابية الاخيرة التي وقعت في فرنسا، من اجل تكثيف جهودها بخصوص الحملة العسكرية ضد تنظيم "داعش" في سورية والعراق، خصوصا وان هذه الحملة وكما يقول بعض المراقبين كانت سببا في تصاعد حدة الانقسام والخلاف داخل بريطانيا، التي دخلت وباقي الدول الغربية في حالة من الاستنفار بسبب التهديدات المختلفة لتنظيم داعش الارهابي، حيث عمدت الحكومة الى اعتماد استراتيجية دفاعية جديدة وخطة أكبر للميزانية.

وقد أكد رئيس الوزراء البريطاني، ديفيد كاميرون، الذي يسعى الى الحصول على تأييد من قبل مجلس العموم لتوسيع الضربات الجوية لتشمل سوريا، أن بريطانيا ضمن "الفئة العليا" من الدول التي يستهدفها تنظيم "داعش" الإرهابي، مشيرًا إلى إحباط أجهزة الأمن لما لا يقل عن 7 مخططات إرهابية في بريطانيا خلال الفترة الماضية. وشدد كاميرون - في بيانه أمام مجلس العموم ردًا على تقرير أصدرته أخيرًا لجنة الشئون الخارجية البرلمانية خلص إلى أنه ينبغي استيفاء مجموعة من الشروط قبل التفكير في توجيه ضربات جوية لتنظيم "داعش" في سورية - على ضرورة انضمام بريطانيا إلى التحالف الدولي الذي يقصف "داعش" في سورية لحماية أمن البلاد.

وقال: "كلما مر يوم لا نتخذ فيه عمل ضد "داعش" ازدادت قوة التنظيم.. وإرهابيو "داعش" الذين شنوا 40 هجومًا ناجحًا في شتى أنحاء العالم خلال السنة الماضية، حاولوا مهاجمتنا مرات عدة هنا في بريطانيا.

ويذكر أن كاميرون وضع خطة من سبع نقاط لهزيمة تنظيم "داعش" تشمل: الحفاظ على قدرات مكافحة الإرهاب لحماية المملكة المتحدة، وتحقيق تقدم نحو تسوية سياسية للأزمة في سورية، وتشكيل حكومة سورية تتمتع بمصداقية ممثلة للشعب السوري، وهزيمة داعش من خلال عمل عسكري أوسع، ومواصلة تقديم الدعم الإنساني لتخفيف معاناة الشعب السوري، ووضع خطة لتحقيق الاستقرار وإعادة الإعمار في سورية، بجانب العمل مع الشركاء الدوليين للتخفيف من أثر "داعش" على استقرار المنطقة.

من جانب اخر نشرت صحيفة "الإندبندنت" مقالا للكاتب صاموئيل هورتي قال فيه إن الحرب الحالية على هذا التنظيم تعتبر "خطأ كبيرا", ولا يمكنها وقف انتشار "التطرف الإسلامي"، مشيرا إلى أن "معالجة التطرف داخل المدارس والمساجد يمكن أن يؤدي دورا أفضل". وأضاف الكاتب أن "التطرف عند الشباب المسلمين والشابات المسلمات في بريطانيا يفرض مخاطر متزايدة تهدد الأمن القومي للبلاد, وأن هذه المشكلة لا تواجه المملكة المتحدة وحدها, بل تواجه أوروبا كلها على النطاق الأوسع, وتتطلب معالجة مختلفة بعيدة عن الحلول العسكرية التقليدية". وتابع أن آلاف المقاتلين الأوروبيين ارتحلوا إلى الشرق الأوسط, وانضموا إلى صفوف داعش، مشيرا إلى أن وكالة المخابرات المركزية الأميركية "سي آي ايه" تقدر عدد الأوروبيين في تنظيم داعش بثلاثة آلاف مقاتل من مجموع مسلحي "داعش".

وفي السياق ذاته، أشارت صحيفة "التايمز" إلى أن تنظيم داعش هدد بش هجمات داخل بريطانيا, كالتي شهدتها لندن قبل أعوام، وذلك ردا على الغارات الجوية التي تشنها مقاتلات بريطانية على مواقع التنظيم في سوريا والعراق. وأضافت أن أحد المقاتلين البريطانيين من تنظيم داعش في سوريا هدد بأن التنظيم سيشن هجمات داخل أراضي المملكة المتحدة, انتقاما لمسلحيه المنتشرين في العراق, الذين تستهدفهم الغارات الجوية البريطانية.

زيادة الانفاق العسكري

في هذا الشأن قال رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون إن بلاده ستزيد الإنفاق العسكري للتصدي للخطر المتنامي للمتشددين الإسلاميين مؤكدا الحاجة إلى نشر قوات تدخل سريع بعد هجمات باريس. وبعد زيارة باريس حيث تعهد بدعم بريطانيا لفرنسا عقب هجمات 13 نوفمبر تشرين الثاني كشف كاميرون النقاب عن خطط لزيادة الإنفاق بنحو 12 مليار جنيه استرليني (18 مليار دولار) ليصل الإجمالي إلى 178 مليارا خلال العشر سنوات القادمة في إطار خطة حكومته الخمسية للدفاع والأمن.

لكن المراجعة التي تضمنت خططا مفصلة لشراء ثماني سفن حربية بي.ايه.إي وتسع طائرات دورية بحرية طراز بوينج أشارت أيضا إلى أن بريطانيا ستحتاج إلى خفض العمالة المدنية في وزارة الدفاع بنحو 30 في المئة للمساعدة في التحكم في ميزانية الحكومة. وقال كاميرون للبرلمان "القتلة في شوارع باريس يذكروننا على نحو كبير للغاية بأن داعش ليست مشكلة تبعد الاف الأميال بل انها تهديد مباشر لأمننا في الداخل والخارج."

وتحتاج بريطانيا إلى التمتع بالقدرة على الرد بسرعة على الأزمات لدى ظهورها وعلى هذا النحو ستعد الحكومة خطة طوارئ جديدة للتعامل مع الهجمات الإرهابية تشمل وضع عشرة آلاف جندي على أهبة الاستعداد. وتسلط المراجعة الضوء على أن طائرات الركاب هدف رئيسي للجماعات المتشددة وان بعض تلك الجماعات ومنها داعش والقاعدة ستحاول الحصول على قدرات كيماوية وبيولوجية واشعاعية. وقالت الحكومة أيضا إنها ستشتري 13 فرقاطة جديدة على الاقل. بحسب رويترز.

وأعلن كاميرون أن بريطانيا ستشكل قوتين لمهام الانتشار السريع قوام كل واحدة خمسة الاف فرد بحلول 2025 وستمدد عمر مقاتلاتها طراز تايفون لعشر سنوات لتشكيل سربين اضافيين. ورفعت الحكومة الكلفة المقررة لاستبدال الغواصات النووية البريطانية إلى 31 مليار جنيه استرليني بزيادة ستة مليارات عن تقديرات سابقة.

من جهة اخرى اوردت وسائل الاعلام البريطانية انه تقرر تجنيد 1900 عنصر امن واستخبارات اضافيين للتصدي للمخاطر الارهابية. وكتبت صحيفة ذي غارديان ان ذلك سيكون "اكبر زيادة في النفقات المخصصة لاجهزة الامن البريطانية منذ تفجيرات 7 تموز/يوليو في لندن" التي اوقعت 56 قتيلا عام 2005. وبحسب صحيفتي ذي غارديان وفايننشل تايمز فان ذلك سيزيد عديد وكالات الاستخبارات البريطانية بحوالى 15 بالمئة. كما سيقوم ضباط متخصصون في امن الطيران بالكشف على مطارات في العالم اثر سقوط الطائرة الروسية في مصر الشهر الماضي والذي تشتبه بريطانيا بانه نتج عن انفجار قنبلة، وقد اعلن تنظيم داعش مسؤوليته عنه.

وتقول وسائل اعلام محلية إن جيريمي كوربن زعيم حزب العمال المعارض في بريطانيا يعارض توسيع الضربات الجوية لتشمل سوريا ودعا أعضاء حزبه في البرلمان ليحذوا حذوه. وسيعتمد كاميرون على المشرعين من حزب العمال الذين يعارضون موقف زعيمهم اليساري وعلى آخرين في الخروج على موقف حزبهم. وحمل رئيس الوزراء البريطاني بشدة على كوربن الذي انتخب زعيما لحزب العمال في سبتمبر أيلول قائلا إنه يفضل أن يضع بريطانيا في خطر على ان يوجه ضربات جوية للمتشددين في سوريا.

وتعرض كوربن لانتقادات من بعض أعضاء حزب العمال في البرلمان لقوله لبي.بي.سي إنه "غير راض عن سياسة إطلاق الرصاص بغرض القتل" في حالة وقوع هجوم في بريطانيا. وقال كاميرون "في هذا الموقف لا نحمي الشعب البريطاني بأن نجلس ونتمنى ان تكون الأشياء مختلفة. علينا ان نتحرك للمحافظة على أمن شعبنا وهذا ما ستفعله هذه الحكومة دائما." ويقول منتقدون إن هناك حاجة إلى خطة سلام أشمل وليس المزيد من القصف. وقال كاميرون إنه يتفق مع الرأي القائل إن الضربات الجوية لن تكون كافية.

هجمات الكترونية

في السياق ذاته قال وزير المالية البريطاني جورج أوزبورن إن أجهزة المخابرات البريطانية تطور القدرة على شن هجمات الكترونية على الإرهابيين والمتسللين والدول المارقة محذرا من أن مقاتلي تنظيم داعش يرغبون في شن هجمات الكترونية توقع قتلى. وأضاف أن مقاتلي التنظيم يحاولون تطوير القدرة على مهاجمة البنية الأساسية لبريطانيا مثل المستشفيات وأنظمة التحكم في المسارات الجوية مما قد يجلب عواقب مميتة.

وتابع أوزبورن في كلمة له أمام مركز جمع المعلومات المخابراتية الرئيسي في بريطانيا أنه ردا على هذا التهديد وغيره تطور بريطانيا قدرات خاصة لشن هجمات الكترونية حتى يمكن لأجهزة المخابرات تنفيذ هجمات مضادة. وقال "سندافع عن أنفسنا. لكننا سننقل القتال اليكم. "الدفاعات القوية ضرورية لأمننا على المدى الطويل. لكن القدرة على الهجوم شكل من أشكال الدفاع."

وقال أوزبورن وهو حليف لرئيس الوزراء ديفيد كاميرون إن هجمات باريس أبرزت الحاجة إلى تحسين حماية بريطانيا من الهجمات الإلكترونية. وأضاف أوزبورن "تنظيم داعش يستخدم بالفعل الإنترنت لأغراض دعائية شائنة لنشر التطرف وللتخطيط للعمليات أيضا." وقال "إنهم غير قادرين حتى الآن على استخدامه لقتل الناس لكنهم يشنون هجمات على بنيتنا التحتية من خلال الهجوم الإلكتروني.

"لكننا نعلم أنهم يرغبون في ذلك وأنهم يبذلون قصارى جهدهم لعمل ذلك. لذا عندما نتحدث عن التصدي لتنظيم داعش فإن هذا يعني التصدي لتهديدهم الإلكتروني بالإضافة إلى تهديدهم بشن هجمات بالأسلحة والقنابل والسكاكين." وأعلن أوزبورن عن مضاعفة الانفاق على الأمن الالكتروني وقال إن متشددي التنظيم يحاولون تطوير القدرة على شن هجمات الكترونية مميتة ضد البنية التحتية البريطانية.

وقال أوزبورن إن الإنفاق العام على الأمن الإلكتروني سيتضاعف تقريبا ليصل إلى 1.9 مليار جنيه استرليني خلال الفترة إلى 2020 حتى مع استعداده للإعلان عن خفض جديد للإنفاق العام في محاولة لإعادة بريطانيا إلى تحقيق فائض ميزانية بنهاية العقد. وتابع قوله "من الصواب أن نختار الاستثمار في دفاعاتنا الالكترونية حتى في وقت ينبغي أن نقوم فيه بتقليص مخصصات إنفاق أخرى. الانترنت تمثل محورا حساسا لضعف محتمل."

وصرح أوزبورن بأن قرار تعزيز الانفاق على الدفاع الالكتروني اتخذ قبل هجمات باريس الدموية. وقال "إذا تعرضت إمدادتنا من الكهرباء أو أبراج المراقبة الجوية أو مستشفياتنا لهجمات الكترونية ناجحة فإن تأثير ذلك لن يكون على مستوى الضرر الاقتصادي فحسب بل على مستوى فقدان الأرواح أيضا." وستتضمن خطة وطنية جديدة لأمن الانترنت وضعتها الحكومة قوة مخصصة لضمان استجابات أسرع وأكثر فعالية للهجمات الالكترونية الكبرى. وستتمركز القوة في تشيلتنهام بجنوب غرب انجلترا. بحسب رويترز.

وقال أوزبورن إن من عناصر الخطة امكانية التعاون بين موردي خدمات الانترنت بمساعدة الحكومة للتصدي لهجمات البرمجيات الخبيثة وحجب العناوين المضرة التي تستخدم ضد مستخدمي الانترنت البريطانيين إلى جانب تأسيس معهد جديد لتدريب المبرمجين. وواجهت شركة توك توك البريطانية لخدمات الانترنت هجوما الكترونيا في أكتوبر تشرين الأول أثر على 157 ألفا من عملائها. وخلال هذا الشهر أجرت السلطات البريطانية والأمريكية تدريبا مع البنوك الكبيرة لاختبار مدى استجابتها لأي حادث الكتروني في القطاع المالي.

مكافحة غسل الأموال

الى جانب ذلك ووفقا لتقرير فرع منظمة الشفافية الدولية في المملكة المتحدة ففي كل عام تتدفق مليارات من الجنيهات الاسترلينية من الأموال القذرة عبر بريطانيا لكن نظام تحديد هذه الأموال مفكك ولا يعول عليه مما يجعله غير فعال. وقال نيك ماكسويل مدير قسم الدعم والأبحاث في فرع المنظمة بالمملكة المتحدة "نظام الإشراف البريطاني الذي ينبغي أن يحمي البلاد من تمويل المجرمين والإرهابيين لا يصلح لهذا الغرض." وتابع قوله "هذه الثغرات يمكن أن تستغل من قبل منظمات إرهابية متطورة إلى جانب الفاسدين."

وذكر التقرير أن العقوبات التي تفرض على أشخاص مثل المحامين ووكلاء العقارات الذين لا يلتزمون بقواعد مكافحة غسل الأموال ليست قوية بما يكفي لتشكل رادعا. وغسل الأمول هو عملية إخفاء أصول الأموال التي جاءت من الجريمة والفساد داخل أنشطة اقتصادية مشروعة. بحسب رويترز.

وقال تقييم المخاطر الوطنية لغسل الأموال وتمويل الإرهاب الذي أجرته الحكومة لعام 2015 إن هناك "أدلة على أنشطة تمويل للإرهاب في المملكة المتحدة" تستخدم السبل ذاتها التي تستخدم في غسل أموال المجرمين و"تشكل خطرا كبيرا على أمن بريطانيا القومي". كما يتسبب غسل الأموال في رفع أسعار العقارات في لندن لأن الأموال عادة ما ينتهي بها الحال في أصول مرتفعة القيمة مثل العقارات والأعمال الفنية.

استطلاع خاص

في السياق ذاته أظهر استطلاع للرأي أن نحو ثلثي البريطانيين يؤيدون نشر جنود بريطانيين على الأرض لمحاربة تنظيم داعش بعد الهجمات التي شهدتها باريس. وأوضح الاستطلاع الذي أعدته مؤسسة كوم ريس لصالح صحيفة ديلي ميل أن عددا مماثلا يدعم أيضا شن ضربات جوية في سوريا. ومن الممكن أن تعطي قوة مشاعر العامة المناهضة لداعش ثقلا لحملة رئيس الوزراء ديفيد كاميرون لتوسعة نطاق الضربات الجوية البريطانية ضد التنظيم المتشدد لتشمل سوريا.

وعلى خلاف فرنسا والولايات المتحدة تشن بريطانيا ضربات جوية تستهدف التنظيم في العراق فقط بعد أن فشل كاميرون في الحصول على تأييد البرلمان لخطته لقصف قوات الرئيس السوري بشار الأسد عام 2013. ويؤيد 60 في المئة ممن استطلعت آراؤهم وعددهم 1061 أن تنفذ بريطانيا ضربات جوية في سوريا بينما يوافق 59 في المئة على أن تقاتل قوات برية بريطانية مع حلفاء في حرب برية ضد داعش وعبر 68 في المئة من المشاركين عن دعمهم لإرسال الأمم المتحدة قوات برية لمحاربة التنظيم. بحسب رويترز.

لكن 35 في المئة قالوا إن احتمال أن تتعرض بريطانيا لهجوم إرهابي سيزداد إذا قامت بعمل عسكري ضد تنظيم داعش. وأعلن التنظيم المتشدد مسؤوليته عن سلسلة هجمات قتل فيها 129 شخصا في أجزاء مختلفة من باريس. وردا على ذلك كثفت فرنسا هجماتها على الرقة معقل التنظيم في سوريا. وكان كاميرون قد قال إنه سينشر "استراتيجية شاملة" للتعامل مع داعش تشمل قصف سوريا.

وبحث الاستطلاع أيضا موقف الشعب البريطاني من الهجرة والاتحاد الأوروبي في ضوء هجمات باريس. وأيد 55 في المئة رفض دخول اللاجئين الوافدين من سوريا إلى المملكة المتحدة بينما عبر 79 في المئة عن موافقتهم على إغلاق الحدود بين كل الدول الأوروبية بحيث يتعين خضوع الجميع لإجراءات مراقبة الحدود.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0