لا تزال فرنسا تعيش حالة الرعب والخوف بعد الاعتداءات الارهابية التي وقعت في العاصمة باريس واسفرت عن جرح واصابة المئات، هذه الهجمات التي تبناها تنظيم داعش في بيان اكد فيه ان فرنسا على "رأس قائمة اهدافه"، ادخلت السلطات الفرنسية في حالة استنفار قصوى تحسبا لهجمات اخرى، حيث قامت بنشر أعداد كبيرة من قوى الامن وإجراء التحقيقات العاجلة ومطاردة الجماعات الارهابية التي قد تكون على صلة بالتفجيرات، وقد اعلن الرئيس الفرنسي ان ما حصل هو عمل حربي.. ارتكبه داعش ودبر من الخارج بتواطؤ داخلي سيسمح التحقيق بإثباتها"، وكان التنظيم بث منذ أشهر تسجيلا مصورا يدعو فيه المسلمين غير القادرين على السفر إلى سوريا لتنفيذ هجمات في فرنسا.

وذكرت وسائل الإعلام والصحف الفرنسية، إن الحكومة الفرنسية اتخذت عدة تدابير أمنية كان على رأسها إعلان حالة الطوارئ، وحشدت قوات إضافية وفرض رقابة صارمة على الحدود الفرنسية، ومنع دخول أو خروج أي شخص من الأراضي الفرنسية. من أجل السيطرة على الوضع الصعب الذى لحق بفرنسا. وبجانب رفع حالة الطوارئ اعتمدت قرارات وخطط اخرى، وقال وزير الداخلية الفرنسي برنار كازنوف إن بلاده قررت نشر 1500 عسكري في باريس للقيام بعمليات مراقبة داخل المدينة فضلا عن حماية المواقع الأساسية والاستراتيجية، وأوضح الوزير أن حالة الطوارئ ستطبق مباشرة في جميع الأراضي الفرنسية، مبينا أن هذا الإجراء قد يشمل في بعض الأحيان تقييد حركة السيارات والأشخاص في أماكن ومواقع محددة، وفرض حظر التجوال وسبق أن أعلنت السلطات في باريس إغلاق عدد من المنشآت العامة، مثل المدارس والمتاحف والمكتبات والملاعب وأسواق المواد الغذائية. وقال إنه تواصل مع نظرائه الأوروبيين لتعزيز الرقابة على المسافرين نحو فرنسا سواء عبر القطارات أو الطائرات.

ويرى بعض المراقبين ان الاجراءات الفرنسية الاخيرة يمكن ان تسهم بزيادة الاعمال الارهابية في اوروبا، خصوصا وان بعض الحركات المتطرفة والعنصرية ستسعى الى الاستفادة من هكذا احداث واعتداءات في سبيل تعميق ظاهرة العداء ضد المهاجرين والاقليات المسلمة، ويعتقد مراقبون وكما تنقل بعض المصادر أن تشهد الدول الأوروبية عمليات مماثلة خلال الفترة القادمة بسبب الدعاية التي ينشرها المتطرفون الإسلاميون على شبكة الإنترنت والتي تعد الفضاء الأوسع لاستقطاب مؤيدين جدد لتلك الجماعات الإسلامية التكفيرية المنتشرة عبر العالم.

تمديد حالة الطوارئ

في هذا الشأن طلب الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند تمديد حالة الطوارئ ثلاثة أشهر، ودعا إلى تعديل الدستور للتحرك ضد ما سماه "الإرهاب الحربي"، مؤكدا أن الاعتداءات التي استهدفت باريس خطط لها في سوريا وأطلقت من بلجيكا بمساعدة فرنسية، وقال هولاند إن "مشروع قانون سيرفع إلى البرلمان من أجل "تمديد حالة الطوارئ"، داعيا البرلمانيين إلى "إقراره بسرعة". كما دعا إلى مراجعة الدستور بهدف السماح للسلطات العامة "بالتحرك ضد الإرهاب الحربي".

وأضاف هولاند بأن اعتداءات باريس، "تقررت وخطط لها في سوريا" و"دبرت ونظمت في بلجيكا" و"نفذت على أرضنا بمساعدة شركاء فرنسيين". وأوضح هولاند أن هناك 19 جنسية بين ضحايا الاعتداءات داعيا المواطنين الفرنسيين إلى "الصمود والوحدة". وأعلن هولاند أنه "سيتم استحداث خمسة آلاف وظيفة لشرطيين وعناصر درك خلال عامين.. وستخصص 2500 وظيفة إضافية لدى وزارة العدل من أجل إدارة السجون والأجهزة القضائية" كما "سيتم تعزيز إدارة الجمارك بألف وظيفة".

من جانب اخر أعلن المدعي العام الفرنسي، مقتل القيادي في تنظيم "داعش" عبدالحميد أباعود الذي يشتبه بانه العقل المدبر لهجمات باريس، وذلك خلال حملة المداهمات التي شنتها القوات الأمنية، في منطقة سان دوني بالعاصمة الفرنسية. وشهدت الحملة مقتل 2 في منهما امرأة فجرت نفسها بحزام ناسف ويعتقد أنها ابنة عم أباعود، وأشلاء جثة أخرى كانت تعمل السلطات الفرنسية على التأكد من هويتها.

وذكر مكتب المدعي العام في بيان أن أباعود من الاثنين القتلى في حملة المداهمات في سان دوني لكنه لم يوضح ما إذا كان أباعود قد فجر نفسه أم لا. وأضاف البيان أنه تم التأكد من هوية أباعود عبر بصمات الأصابع وكفوف اليدين والقدمين. وكان المدعي العام الفرنسي أعلن، مقتل شخصين واعتقال 8 آخرين، مشيرا إلى أن أباعود، وهو بلجيكي من أصل مغربي، ليس بين المعتقلين إلا أنه لم يتحدث عن هوية القتلى.

ودعت فرنسا ايضا الى تشكيل تحالف عالمي لدحر المتشددين وشنت ثلاث ضربات جوية كبيرة على الرقة معقل التنظيم في شمال سوريا. وقال المرصد السوري لحقوق الإنسان إن الضربات الجوية التي نفذتها طائرات فرنسية وطائرات حربية أخرى أوقعت ما لا يقل عن 33 من عناصر داعش بمدينة الرقة خلال الأيام الماضية. وقال المرصد نقلا عن نشطاء "العشرات من عوائل قياديي تنظيم داعش وعناصرها -معظمهم من جنسيات عربية وأجنبية- بدأت بالنزوح من مدينة الرقة متجهة إلى مدينة الموصل العراقية بسبب ادعاء هذه العوائل أن مدينة الرقة لم تعد آمنة وأن الموصل أكثر أمانا منها." وكثفت روسيا ايضا من هجماتها على اهداف لتنظيم داعش في سوريا بعد ان أكدت موسكو ان قنبلة كانت سبب تحطم طائرة الركاب الروسية في مصر ومقتل 224 شخصا. وكانت داعش قد أعلنت مسؤوليتها ايضا عن هذه العملية. بحسب رويترز.

ولا تنسق موسكو وباريس عملياتهما لكن الرئيس الفرنسي فرانسوا أولوند سيجتمع مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو يوم 26 نوفمبر تشرين الثاني لبحث كيف يمكن التنسيق بين الجيشين الفرنسي والروسي. ويلتقي أولوند مع الرئيس الامريكي باراك اوباما في واشنطن يوم 24 نوفمبر تشرين الثاني للضغط من اجل حملة منسقة ضد داعش. وقال الرئيس الأمريكي إنه يريد أن تحول روسيا تركيزها من دعم الرئيس السوري بشار الأسد إلى قتال تنظيم داعش.

مشروع للعنف

من جانب اخر تشير الخيوط الأولى في التحقيقات في هجمات باريس العنيفة الى احتمال ضلوع فريق قاده مواطنون فرنسيون يقيمون في بلجيكا وربما يكون استخدم طريقا يسلكه اللاجئون من سوريا عن طريق اليونان للتواصل وتنفيذ العملية. وتتواتر التفاصيل ببطء عن المهاجمين السبعة الذين قتلوا. لكن عند تجميع التفاصيل المتوفرة حتى الآن يتبين أن هناك فريقا مدربا على مستوى عال ويتمتع بتنظيم جيد تدعمه شبكة من دول مختلفة تمتد من الشرق الأوسط الى ضواحي بروكسل الفقيرة عبر جزيرة ليروس اليونانية وبلدة شارتر الفرنسية وربما المانيا. دفع النطاق الدولي لشبكتهم وزير الداخلية الفرنسي برنار كازنوف للدعوة الى اجتماع عاجل للاتحاد الأوروبي لتقييم الإجراءات الأمنية الجديدة التي يحتاج الاتحاد لاتخاذها للتصدي للتهديدات من هذا النوع.

وقال في مؤتمر صحفي مع نظيره البلجيكي "تم التحضير للهجوم الخسيس في الخارج وتم حشد فريق مقيم على أراضي بلجيكا استفاد من دعم في فرنسا." وتبين الآن أن أربعة من المهاجمين الثمانية الذين قال تنظيم داعش إنه أرسلهم لتنفيذ الهجمات مواطنون فرنسيون وبينهم اسماعيل عمر مصطفاي (29 عاما) وهو من أصول جزائرية ويعيش في شارتر جنوب غربي باريس. إنه واحد من سبعة متشددين لاقوا حتفهم خلال الهجمات بعد أن فجروا أنفسهم في قاعة باتاكلان الموسيقية التي شهدت الهجوم الأعنف.

ولا تختلف سيرته كثيرا عن معظم المتشددين الفرنسيين فقد ارتكب جرائم صغيرة لفترة من حياته قبل أن يتجه سريعا للتشدد وينسحب من الدائرة الاجتماعية التي كان معروفا فيها فيما سبق. ونقلت وسائل إعلام فرنسية عن سكان قولهم إنه تأثر بإمام متشدد جاء من بلجيكا عام 2010 وهو نفس العام الذي قال مدعي عام باريس إنه تم فيه فتح ملف أمني له بوصفه متشددا. ونقلت صحيفة لوموند عن مصادر لم تنشر اسماءها قولها إن الاب لطفلين سافر على الأرجح الى سوريا في شتاء 2013-2014 ثم عاد الى شارتر.

والعضو الوحيد الآخر الذي تم تحديد هويته بهذه الشبكة حتى الآن هو فرنسي بلجيكي المولد ولايزال هاربا. وقالت الشرطة الفرنسية إن صلاح عبد السلام يبلغ من العمر 26 عاما ويشتبه في أنه استأجر سيارة بولو سوداء استخدمت خلال حوادث إطلاق الرصاص. وقال مكتب مدعي عام باريس إن اثنين آخرين من المهاجمين القتلى يحملان الجنسية الفرنسية. ولم يذكر اسميهما لكنه قال إنهما مهاجمان انتحاريان كانا يبلغان من العمر 20 و31 عاما فجرا نفسيهما في استاد فرنسا وإحدى الحانات. وقال مصدر قضائي إن أحد الاثنين شقيق عبد السلام.

وبينما تبدو الصلات الفرنسية والبلجيكية قوية فإن تحديد الصلة المباشرة بسوريا والشرق الأوسط يبدو أصعب. ولقد تم تسجيل حامل جواز سفر عثر عليه قرب جثة أحد الانتحاريين قرب استاد فرنسا كلاجئ في اليونان وصربيا بعد أن سافر عبر جزيرة ليروس اليونانية حيث تم فرز أوراقه في 3 اكتوبر تشرين الأول. وقالت اليونان إن الرجل هو احمد المحمد (25 عاما) من مدينة إدلب بشمال غرب سوريا.

ولم تؤكد فرنسا علنا أن حامل جواز السفر مشتبه به لكن وزير الهجرة اليوناني يانيس موزالاس قال إن السلطات الفرنسية أبلغت اليونان بأنها تشتبه في أن المحمد الذي عثر على جواز سفره خارج استاد فرنسا قرب جثة مسلح هو واحد من المهاجمين. واذا ثبتت هذه الصلة فستكون لها حساسية شديدة لأنه اذا كان قاتل دخل اوروبا وسط المهاجرين واللاجئين الفارين من الدول التي تمزقها الحرب فإن هذا يمكن أن يغير الجدل السياسي حول استقبال اللاجئين.

وقالت مصادر من المتشددين في سبتمبر ايلول إنهم يستغلون أزمة المهاجرين لإرسال بعض مقاتليهم الى أوروبا وإن كان بعض المسؤولين الغربيين هونوا من شأن هذا الاحتمال. وربما يكون تنظيم داعش أراد أن يترك جواز سفر سوريا لإذكاء المخاوف بشأن المهاجرين في اوروبا. وقال وزير الداخلية الألماني توماس دو مازيير للتلفزيون الالماني "ربما تسلل إرهابي (من خلال مسار اللاجئين). ربما يكون التنظيم ترك هذا الأثر عمدا للتأثير على الجدل حول اللاجئين." ويشير آخرون الى أن الجواز ربما يكون مزورا.

وكتب بيتر بوكارت من منظمة هيومن رايتس ووتش الذي يتابع الشأن السوري عن كثب على صفحته على فيسبوك "جوازات السفر السورية المزورة متاحة على نطاق واسع في تركيا وكثيرا ما يشتريها غير السوريين الذين يحاولون دخول الاتحاد الأوروبي لأن السوريين يلقون معاملة تفضيلية خلال الرحلة." وفي ظل محاولة المحققين رصد أصول الأسلحة والمتفجرات التي استخدمت في الهجوم ربما تزيد قائمة الدول التي استخدمتها الخلية.

وقال رئيس وزراء ولاية بافاريا إن رجلا ألقي القبض عليه في الولاية الواقعة بجنوب المانيا في أوائل نوفمبر تشرين الثاني بعد العثور على أسلحة ومتفجرات في سيارته ربما تكون له صلة بهجمات باريس. وأظهر تحليل بيانات نظام الملاحة بسيارة الرجل الذي ينتمي الى جمهورية الجبل الأسود أنه قادها من الجبل الاسود عبر كرواتيا وسلوفينيا والنمسا الى المانيا وكان يسعى للوصول الى فرنسا. وقالت الشرطة إنه عند سؤاله عن وجهته قال الرجل إنه يريد أن يشاهد برج ايفل. بحسب رويترز.

وقال الان باور المتخصص في علم الجريمة وكان مستشارا أمنيا للرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي إن التنسيق المتزايد للكثير من الأنشطة الإجرامية في أوروبا لا يضاهيه في كثير من الأحيان نشاط أجهزة الشرطة. وأضاف "لدينا عدد من الشركاء الأوروبيين الذين يتبنون سياسات مختلفة تمام الاختلاف سواء فيما يتعلق بالإرهابيين أو الجريمة المنظمة."

مراقبة 10 آلاف شخص

في السياق ذاته يوجد بفرنسا أكثر من عشرة آلاف شخص مدرجين على سجلات أجهزة الأمن وبينهم العديد من الإسلاميين المتطرفين على غرار عمر إسماعيل مصطفاوي، وهو أحد الانتحاريين الذين فجروا أنفسهم في مسرح باتاكلان بباريس. وتعمل المديرية العامة الفرنسية للأمن الداخلي يوميا على مراجعة سجل "أمن الدولة" المعروف بالسجل "إس" والذي يشمل المشاغبين وأعضاء مجموعات من اليسار المتطرف أو اليمين المتطرف وغيرها من الحركات، وقال رئيس الوزراء مانويل فالس إن "هناك أكثر من 10 آلاف شخص مدرجين على هذا السجل إس". وأكثر من نصف المسجلين على هذه القائمة مدرجون بصفتهم إسلاميين متطرفين أو أشخاص قد يكونوا على علاقة بالأوساط الإرهابية.

ويهدف السجل "إس" بصورة خاصة إلى لفت انتباه قوى الأمن في حال تم توقيف أحد الأشخاص المسجلين أو خضع لعمليات تثبت من الهوية. ويترتب عليها عندها إبلاغ الأمر على الفور إلى أجهزة الاستخبارات. وبعض هؤلاء الأشخاص معروفون وأدينوا في قضايا إرهاب ولا سيما بعد اعتداءات 1995، فيما البعض الآخر مدرج على أنه جنح أو يمكن أن يجنح إلى التطرف. وينطبق ذلك على مشتبه بهم وردت أسماءهم في الاعتداءات التي نفذت أو تم إحباطها في فرنسا منذ اعتداءات كانون الثاني/يناير على صحيفة شارلي إيبدو الساخرة ومتجر يهودي (17 قتيلا)، أو كذلك محمد مراح الذي نفذ هجمات في آذار/مارس 2012 في تولوز جنوب غرب فرنسا.

كذلك كان ياسين صالحي الذي قام بقطع رأس رب عمله "إرفيه كورنارا" في منطقة ايزيير قرب ليون (وسط شرق) في حزيران/يونيو، أدرج لمدة سنتين في السجل "إس" بدون أن يلفت انتباه أجهزة الشرطة. فإدراج شخص في السجل "إس" لا يعني مراقبته بشكل متواصل ولا حتى بشكل متقطع أحيانا. وقال شرطي "إنه في غالب الأحيان مؤشر، نوع من المعيار الذي يتحتم السهر عليه بشكل متواصل وتحديثه من أجل أن يكون فعالا". بحسب فرانس برس.

وبالنسبة إلى السوابق القضائية التي تدرج على سجلات "إس" تعمل أجهزة الاستخبارات الفرنسية والأجنبية على تحديث هذه المعطيات. وثمة عدة درجات في هذه السجلات التي تتراوح بين "إس 1" و"إس 15" ولا تحدد هذه المستويات على أساس درجة الخطورة المفترضة بل على أساس التدابير الواجب اتخاذها في حال العثور على مشتبه به.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
0