في ظل تنامي واتساع خطر الإرهاب العالمي اعتمدت أستراليا، كغيرها من الدول الأخرى العديد من القوانين والخطط والإجراءات الخاصة، من اجل محاربة التطرف وتضيق الخناق على الجماعات المتشددة التي تحرض على الكراهية والعنف خصوصا في داخل المجتمع الاسترالي، الذي شهد وبحسب بعض المراقبين العديد من العمليات الإجرامية يضاف إليها الإجراءات الأخرى الخاصة بتشديد قوانين الهجرة، وقد خصصت استراليا وبالإضافة إلى مشاركتها في التحالف الدولي ضد تنظيم داعش الإرهابي جزء كبير من ميزانيتها السنوية، لمكافحة الإرهاب على أراضيها وتعزيز إمكانات أجهزة الاستخبارات، واستهداف المنظمات المتشددة ومحاربة تجنيد شباب والتأثير عليهم، وقد كشفت السلطات في استراليا، عن إستراتيجية طويلة الأجل ضد الإرهاب، تبدأ بمكافحة الأيديولوجيات الراديكالية العنيفة، والعمل في الأحياء الفقيرة من أجل الحيلولة دون تحول أشخاص عاديين إلى إرهابيين.

من جانب اخر يرى بعض الخبراء ان تلك الإجراءات ربما ستسهم بتعقد الأمور في استراليا، خصوصا وان البعض قد يسعى الى استغلالها في سبيل تعميق الانقسام ونشر الكراهية ضد بعض الأقليات وخصوصا الأقلية المسلمة، وقد سعت الحكومة كما تنقل بعض المصادر الى تنفيذ سلسلة من الحملات الأمنية أسهمت بتصاعد التوتر مع الجالية المسلمة، كذالك إصدار أوامر بمنع الدعاة الإسلاميين المتشددين من دخول البلاد.

بؤر التشدد

وفي هذا الشأن يقول خبراء إن تركيز الحكومة الاسترالية على الأمن الوطني والحرب على الارهاب لمعالجة التطرف الإسلامي بدلا من التلاحم الاجتماعي واحتواء كل الأطياف ساهم في خلق بيئة أتاحت ظهور الشبان المسلمين المتشددين بأعداد أكبر من المتوقع. وتبذل السلطات في استراليا جهودا للتصدي لازدياد العنف من جانب شبان في سن المراهقة داخل البلاد وفي الوقت نفسه لمنع من يحاولون السفر إلى سوريا للقتال في صفوف المتطرفين الاسلاميين.

وقال جريج بارتون رئيس رئيس وحدة السياسات الاسلامية العالمية بمعهد ألفريد ديكن عن نشاط المتطرفين الاسلاميين في استراليا "نحن نبذل جهودا فوق طاقتنا." ورغم أن عدد السكان يبلغ 24 مليون نسمة اثنان في المئة منهم فقط مسلمون وكذلك المسافة الجغرافية الشاسعة التي تفصل بين استراليا والشرق الأوسط فإن اتجاه شبان مسلمين في سن المراهقة للعنف في بلد اشتهر بالاستقرار الاجتماعي أمر محير.

ومع ذلك تقول آن علي الأستاذ المساعد بجامعة كيرتن إن تركيز الحكومة على التعامل مع قضايا الأمن الوطني واستخدام أساليب الشرطة مسألة حساسة. وأضافت "الكثير من الدول ينظر للأمر في الأساس على أنه قضية اجتماعية لها أبعاد تتعلق بالأمن الوطني ولذلك فالجهود الأولية تتركز في بناء مرونة المجتمعات والعمل مع التجمعات السكانية لا بالتعامل مع سلطات إنفاذ القانون".

وكانت قد حذرت السلطات قبل ثماني سنوات من أن الأطفال المسلمين في سن صغيرة مثل السادسة تظهر عليهم علامات على عدم الرضا والانفصال عن المجتمع الأوسع. وأضافت أن هؤلاء الاطفال المسلمين ينشأون في بيوت وأحياء يدور فيها الحديث بشكل مفرط عن الحرب على الارهاب ويشعر فيها أباؤهم بوطأة ضغوط المجتمع ووسائل الإعلام. وقالت إن الخطاب السياسي في استراليا وتشريعات مكافحة الإرهاب التي وصفتها بأنها أقسى التشريعات عقوبة وأشملها في الدول الغربية كان لها دور في ذلك.

في عهد رئيس الوزراء السابق توني أبوت رفعت استراليا حجم إنفاقها على الامن بأكثر من مليار دولار استرالي (700 مليون دولار أمريكي) في العامين الأخيرين واستحدثت قوانين مشددة من بينها حظر سفر المواطنين إلى مناطق الصراع مثل سوريا والعراق وفي الوقت نفسه سهلت مراقبة الاتصالات المحلية. وتقول الحكومة إن القوانين الجديدة ساعدت في منع وقوع هجمات من بينها هجوم تردد أنه كان يستهدف احتفالات بذكرى الحرب العالمية الأولى في ابريل نيسان الماضي. وتم القبض على حوالي 12 مراهقا في تلك الخطة وغيرها من أعمال ارهابية كان متطرفون يعتزمون تنفيذها. وكان فرهاد ثاني مراهق يقتل بعد شن هجوم على الشرطة.

ويقول بارتون إن الكثير من الأسباب التي تدفع الشبان في استراليا للتطرف مازالت تمثل لغزا. ويضيف "فنحن لا نعرف مثلا السبب الذي يجعل مشكلة اتجاه الشبان المسلمين للتشدد وتجنيدهم للدولة الاسلامية أقل في أمريكا منها في استراليا." وفي حين أن قيادات التجمعات الاسلامية والحكومة والشرطة تقول إن تقدما قد تحقق في التصدي للميل للتشدد فإن الجميع يصرون على ضرورة تحسين التنسيق.

ويقول سمير دندان رئيس الجمعية الاسلامية اللبنانية وهي من أكثر المنظمات الاسلامية نفوذا في البلاد إنه لم يحدث "تشاور حقيقي" مع الحكومة وإن قيادات الطائفة تشعر بخيبة أمل وإن العملية أرهقتها. وهو يأمل أن يتواصل رئيس الوزراء الجديد مالكوم تيرنبول بشكل أفضل مع القيادات. وقال دندان "يعجبنا ما نسمعه لكننا نريد تواصلا عمليا وبرامج عملية وتغيرا في السياسة وتغيرا في التواصل." بحسب رويترز.

ويتفق بارتون معه في الرأي إذ يقول "المرة الوحيدة التي أعتقد أن بوسعنا أن نقول فيها إننا نبذل قدر ما نستطيع بدرجة معقولة هي عندما نستطيع أن نجاري الشبان ونصادقهم ونستثمر الوقت في حياتهم مثلما يفعل تنظيم داعش." وأضاف "فهو أكثر حماسة منا وأكثر التزاما ويبدو أنه يبذل جهدا أكبر منا."

120مقاتل داعشي

الى جانب ذلك اعلنت وزيرة الخارجية الاسترالية جولي بيشوب ان عدد الاستراليين الذين يقاتلون في صفوف تنظيم داعش في سوريا والعراق تضاعف خلال العام المنصرم مستبعدة ان يواصل التزايد بهذه الوتيرة. وقالت جولي بيشوب "نقدر عدد الاستراليين الموجودين حاليا في العراق في صفوف تنظيم داعش وغيره من المجموعات الارهابية بحوالى 120". وتابعت "انه ضعف العدد الذي اعلنته هنا قبل عام" لكنها اضافت "لا اتوقع ان يتضاعف هذا الرقم مجددا خلال العام المقبل".

وتشير التقديرات الى مقتل حوالى عشرين استراليا اثناء قتالهم في صفوف التنظيم في سوريا والعراق. وقالت الوزيرة "سجلنا نجاحات في جهودنا لاحتواء موجة الارهابيين الاجانب لكنه لا يسعني القول اننا تمكنا من تغيير اتجاه" تدفق المقاتلين الاجانب المنضمين الى التنظيم الجهادي. بحسب فرانس برس.

وقدرت عدد المقاتلين الاجانب في صفوف تنظيم داعش بحوالى 30 الفا قادمين من مئة بلد. ورفعت استراليا في ايلول/سبتمبر 2014 مستوى التحذير من خطر ارهابي ونفذت منذ ذلك الحين سلسلة من المداهمات لمكافحة الارهاب. كما اقرت كانبيرا مجموعة من التدابير لمكافحة الارهاب تتضمن عقوبات بحق كل من يسافر الى وجهات تعتبر بؤرا للارهاب ورصد اموال اضافية بقيمة 1,3 مليار دولار استرالي (893 مليون يورو) للشرطة واجهزة الامن. ونفذ الطيران الاسترالي المشارك في الائتلاف الدولي ضد الجهاديين في العراق في ايلول/سبتمبر اولى ضرباته الجوية ضد تنظيم الدولة الاسلامية في سوريا.

اعتقالات جديدة

في السياق ذاته اعلنت الشرطة الاسترالية انها اعتقلت خمسة اشخاص في عمليات دهم نفذها اكثر من 200 ضابط في الشرطة في سيدني في اطار التحقيق حول قتل موظف في الشرطة في عملية ذات ابعاد ارهابية. وتتراوح اعمار الموقوفين الخمسة بين 16 و24 عاما وسيتم استجوابهم بشان قتل كورتيس تشنغ في عملية اطلاق نار، في وقت تخشى استراليا وقوع هجمات من تنفيذ "ذئاب منفردة".

واعلنت الشرطة في بيان انه "تم توقيف خمسة اشخاص على علاقة بعملية اطلاق النار التي ادت الى مقتل كورتيس تشينغ خارج مركز الشرطة في بارماتا". وما زال المحققون يحاولون فهم الاسباب التي دفعت القاتل فرهد جبار (15 عاما) على اطلاق النار على تشينغ (58 عاما) في رأسه امام مركز الشرطة في غرب سيدني فيما تفيد تقارير انه كان يهتف شعارات دينية.

وتوضح السلطات ان فرهد جبار المولود في ايران من اصل كردي عراقي وليس من اصحاب السوابق القضائية، قتل في تبادل اطلاق النار مع الشرطة. واكدت كاثرين بورت مساعدة قائدة الشرطة في ولاية نيو ثاوث ويلز ان بعض الذين اوقفوا معروفون من اجهزة الشرطة. وقالت "لدينا كثير من المعلومات التي يتوجب علينا التحقق منها. لا استطيع ان اقول في هذه المرحلة ما اذا كانوا على علم مسبق بالاحداث التي وقعت"، موضحة ان جبار لم يكن تحت مراقبة الشرطة.

وردا على سؤال عما اذا كانت الشرطة تحقق لمعرفة ما اذا كان لجبار شركاء قالت "نعتقد انه لم يتحرك بمفرده". واعتقلت ايضا فتى في السابعة عشرة من العمر هو تلميذ في الثانوية التي كان يدرس فيها فرهد جبار. ووجهت اليه خصوصا تهمة بث تهديدات للشرطة على شبكات التواصل الاجتماعي، ثم اخلت سبيله في انتظار مثوله امام محكمة القاصرين. وسيحدد التحقيق ايضا سبب استهداف كورتيس شينغ المحاسب لدى الشرطة. بحسب فرانس برس.

واكدت بورن ان التحقيق بدأ حول التوصيف الارهابي للهجوم. وقالت ان "المسألة صعبة لاننا لا نعرف دوافع هذا الفتى لكننا نجري تحقيقا حول وقائع ارهابية". واضافت "نعتقد انه ارتكب هذا العمل الفظيع بتأثير ما، وان هذا التأثير قد يكون ايديولوجيا او دينيا او سياسيا". وكان رئيس الوزراء الاسترالي مالكولم تورنبول اعتبر ان هذا الهجوم "عمل ارهابي على ما يبدو".

12 الف لاجئ

على صعيد متصل ستستضيف استراليا 12 الف لاجىء اضافي من سوريا والعراق، لمواجهة الازمة الانسانية في الشرق الاوسط، كما اعلنت حكومتها التي تتعرض لمزيد من الانتقادات بسبب سياستها المتشددة على صعيد الهجرة. وقررت كانبيرا ايضا ان توسع الى العراق وسوريا، بناء على طلب الولايات المتحدة، تدخل قواتها الجوية، كما اعلن رئيس الوزراء توني ابوت الذي اعتبر ان حل ازمة المهاجرين يمر عبر القضاء على تنظيم داعش.

ولمواجهة ضغط الرأي العام الاسترالي، اعلن توني ابوت ان حكومته ستتحرك "بعقلها وقلبها" لمساعدة عشرات الاف الاشخاص الهاربين من الحرب في العراق وسوريا. واعلن رئيس الوزراء في مؤتمر صحافي عقده في كانبيرا، يحيط به وزيرا الخارجية جولي بيشوب والدفاع كيفين اندروز، ان "استراليا ستستضيف 12 الف لاجئ اضافي فروا من النزاع في سوريا والعراق". واضاف ان التركيز سيكون على تأمين الحماية لنساء واطفال واسر من اقليات مضطهدة ممن لجأوا الى الاردن ولبنان وسوريا. وستزيد كانبيرا ايضا مساعدتها الانسانية التي تناهز 44 مليون دولار استرالي (27 مليون يورو) لسد احتياجات 240 الف لاجئ يقيمون حاليا في دول مجاورة لسوريا والعراق.

واوضح رئيس الوزراء الاسترالي ان من مصلحة بلاده ان تواجه تحدي تنظيم داعش على الصعيدين العسكري والانساني. وقال رئيس الوزراء الاسترالي ان "القضاء على هذا التمجيد للقتل امر اساسي، ليس فقط من اجل انهاء الازمة الانسانية في الشرق الاوسط وانما ايضا من اجل القضاء على الخطر الذي يتهدد استراليا وبقية العالم". وقال ابوت ان تنظيم داعش يجب ان يهزم ليس في العراق فحسب، حيث تشارك استراليا بست مقاتلات من طراز ايه 18 وطائرتي دعم، وانما في سوريا المجاورة ايضا.

واوضح رئيس الوزراء الاسترالي ان توسيع نطاق العمليات تبرره على صعيد القانون الدولي ضرورة تأمين الحماية من خصم لا يحترم الحدود الوطنية. واكد ابوت ان هذا الخصم هو تنظيم داعش وليس نظام الرئيس السوري بشار الاسد في اي حال من الاحوال. وشدد رئيس الوزراء الاسترالي على انه "ليس لدينا في الوقت الراهن اساس قانوني لتوسيع نطاق الغارات الجوية في سوريا ونحن لا نعتزم شن غارات اوسع نطاقا في سوريا".

وفيما فتحت البلدان الاخرى ابوابها لمواجهة اخطر ازمة هجرة تواجهها منذ الحرب العالمية الثانية، منعت حكومة توني ابوت المحافظة وصول اي سفينة تنقل لاجئين الى الجزيرة منذ اكثر من سنة. وسياسة الردع المثيرة للجدل التي تطبقها، سلكت محورين، الاول الابعاد التلقائي للسفن التي تنقل مهاجرين سريين وتحاول الوصول الى استراليا، والثاني نفي الذين يتمكنون من الوصول الى الاراضي الاسترالية الى معسكرات اعتقال في المحيط الهادىء. بحسب فرانس برس.

وفي الوقت نفسه، تقبل كانبيرا بعدد محدود من اللاجئين اقل من 14 الفا في السنة. وال12 الفا الاضافيين الذين اعلنت عنهم هم في اطار تدبير استثنائي. واعلن رئيس الوزراء الاسترالي "اذا ما تمكنا من القيام بهذه المساهمة الجديدة، فلأن الحكومة صدت تدفق السفن غير الشرعية نحو استراليا، مما اتاح تخفيف الضغط على برنامجنا الانساني".

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0