تتشكل الخلايا الإرهابية في الدول العربية بسرعة فائقة مقارنة بأوقات تشكيل الحكومات، فالمجموعات الإرهابية لديها القدرة على التمركز والتموضع باستخدام ادواتها المتعددة والمقومات الأساسية لعملية التشكيل السريع، ففي العراق برزت مؤخرا عمليات ونشاطات لمجاميع إرهابية بالتزامن مع الحراك السياسي الذي يحصل في الاروقة السياسية.

تبدو محاولة الاعتناء في الجوانب الأمنية في الوقت الحالي ضرورة ملحة ولا يمكن الاستغناء عنها، فالعراق وعلى الرغم من إعلانه القضاء على فلول الإرهاب، الا ان الكثير من مناطقه تحتضن بعض الخلايا النائمة، وتقوم بالعمليات الإرهابية ضد المدنيين والقوات الأمنية بين فترة وأخرى اعتمادا على الظروف وقياس مدى مناسبتها.

ولعل الموقع الجيوسياسي العراقي يجعله محاط بالقوى الإقليمية وتمارس هذه القوى نفوذها على مختلف المستويات، من بينها المستوى السياسي والاقتصادي، والأمني وغيرها، بما يخلق جوا ملغوما لا يمكن العمل فيه وضبط ايقاعه لمنع الخوض بتدهور أمني جديد كما حصل في عام 2014، الذي أوشك فيه العراق على الانهيار الأمني الكامل لولا تظافر الجهود والوقوف وقفة رجل واحد لصد الزمر الإرهابية.

محاولة العصابات الإجرامية التحرك وتغيير قواعد اللعبة تشير الى ان عناصر التنظيم استفادت من فترات البرود الأمني والتراخي في ملاحقة اوكارها، اذ منحهم ذلك البرود الوقت الكافي لإعادة الترتيب والبحث عن أساليب جديدة لشن هجمات موجعة لضرب مفاصل الحكومة العراقية، وخلخلة الأوضاع الأمنية بالتزامن مع التشظي السياسي.

وكأجراء احترازي ووقائي أطلقت قيادات العمليات في محافظات مختلفة من البلاد عمليات امنية لملاحقة المجاميع الإرهابية، لكن وعلى الرغم من صحة الاجراء في المرحلة الحالية، لكن يبقى علاج ترقيعي ومؤقت لا يمكن الاعتماد عليه للخلاص من الإرهاب وتجفيف منابعه في عموم المحافظات العراقية، ففي كل مرة تشن القوات الأمنية هجمات مباغته وترصد بعض المخابئ للأسلحة والاعتدة وتكتفي بالتطهير الجزئي للمناطق الصحراوية.

وفي حد ذاته يبقى هذا الاجراء غير كاف ما دام لا يتم وفق استراتيجية وخطة امنية رصينة متمكنة من بلوغ جادة الأمان المنشود، كون الآلية المتبعة قاصرة وغير متمكنة من الثبات امام تجدد أساليب المجموعات الإرهابية بشكل دائم بما يلائم التطورات الحاصلة في مجال تنفيذ العمليات العسكرية.

وعند التصدي ومحاولة استشراف القادم على المستوى الأمني في العراق، يجب ان نتحلى بالصراحة والموضوعية، وعدم الوقوع في المخيلات الزائفة، لإخفاء حقيقية واضحة كوضوح الشمس، ففي البداية علينا تقييم نشاط ووضع العناصر الإرهابية التي استعادت جزء من عافيتها، وأعلنت عن تبنيها الكثير من الهجمات الإرهابية على المدنيين، ما يشي بتحسن واضح في الاستراتيجية العامة لها.

فعلى الرغم من وصول القوات الأمنية الى القيادات الإرهابية ودك حصونها، والتدمير المعنوي لها، الا انها تحاول المناورة والمراوغة في سعي منها لكسب الوقت وتغيير استراتيجية المواجهة الجديدة مع الأجهزة الأمنية، وعلى هذا الحال مرت السنوات منذ دخول داعش الإرهابي عام 2014 ولغاية اليوم.

فالعناصر الإرهابية تتبع تكتيك إطالة امد الصراع، ما يعني ان محاولاتها للسيطرة لا يمكن ان تتراجع، بعد ان استشرت في المنطقة وعبرت الحدود لتستقر في المدن العراقية على وجه التحديد، بهدف التقليل من قيمة الدولة المركزية وإضعاف الجيوش التقليدية، لتبقى تحكم سيطرتها وتخلق الازمات بصورة متلاحقة.

اما بالنسبة للقوات الأمنية فهي وعلى الرغم من مرورها بحالة رخاء من حيث العدة والتجهيز، لكن هذا لم يعطيها القوة والدافع الكافي لخوض الحرب وملاحقة العناصر المجرمة والارهابية، وقد يعود ذلك الى عدم التوافق السياسي بين الكتل المسيطرة على المشهد في عراق ما بعد التغيير، اذ من الواضح الترابط الوثيق بين المحورين الأمني والسياسي.

ومع تصاعد فاعلية الهجمات الإرهابية التي تشنها الجماعات المسلحة، في المناطق الصحراوية الخاضعة لسيطرتها والتي تعتبر أرضية مناسبة للتحركات المشبوهة، فإن الواقع يشير إلى أننا سنكون أمام تصاعد كبير لهذه الهجمات في المرحلة المقبلة، مع تطوير مساحة أكبر لقابلية الإفلات من الانتقام، في الوقت الذي يتبع فيه التنظيم استراتيجية مهمة تحميه من الوقوع بأيدي العدالة.

لا يمكن الإفلات من امر واقع وهو الترابط الوثيق بين السياسة والامن وكلاهما يكمل بعضهم البعض، فمتى ما تحسنت الظروف السياسية، ستذهب الأوضاع الأمنية صوب الاستقرار وعدم مشاهدة خرق هنا او تفجير هناك، ويبقى الشيء الذي يجب ان تعيه الطبقة الحاكمة هو تجنيب البلاد أي انهيار متوقع، وتخفيف الاحتقان الشعبي تجاهها نتيجة عدم جديتها لتشكيل الحكومة.

اضف تعليق