مع استمرار الصراعات وغياب الحلول السياسية بين أطراف الصراع في ليبيا، لاتزال هذه البلاد تواجه الكثير من تحديات والمشكلات الاقتصادية والأمنية، التي تفاقمت بشكل خطير بعد دخول تنظيم داعش الإرهابي الذي استولى على العديد من المدن والمناطق المهمة في ليبيا، والتي أصبحت كما يقول الخبراء من أهم معاقل هذا التنظيم ومعسكر للتدريب ومقر للقيادات، وبحسب بعض التقارير السابقة التي أعلنها مكتب الأمن الدبلوماسي التابع لوزارة الخارجية الأمريكية فان قادة كبار في داعش سافروا إلى ليبيا لتدريب وتنظيم المقاتلين خاصة في مدينتي درنة وسرت، التقرير ذكر أيضا أن 800 مقاتل يتمركزون في منطقة درنة منهم 300 قاتلوا سابقا في سوريا والعراق، يضاف الى ذلك الدعم والتحالفات الجديدة، منها انضمام بوكو حرام لداعش وانتقال المسلحين من دول الجوار للانضمام الى ليبيا.

وهو ما أثار قلق المجتمع الدولي والعديد من الدول الإقليمية وخصوصا الدول المجاورة، التي تخشى من تمدد التنظيم مستغلا حال الفوضى التي تعيشها البلاد. ويرى بعض المراقبين ان الخلاف الليبي وفر مناخا خصبا لتعاظم قوة داعش على الأرض الليبية، فكلما طال أمد الصراع، تمدد الإرهاب أكثر وأكثر. وهو أمر حذر منه مسؤولون غربيون وعبروا عن مخاوفهم من أن توسع داعش في ليبيا ينذر بقربهم من أوروبا عبر البحر الأبيض المتوسط.

ليبيا ومجلس الامن

وفي هذا الشأن فقد اتهمت ليبيا مجلس الامن التابع للامم المتحدة بعرقلة جهودها لمكافحة الارهاب بينما قال مبعوث المنظمة الدولية لدى ليبيا إن الخطر المتنامي لتنظيم داعش لا يمكن التعامل معه الا عندما توافق الاطراف المتحاربة على تشكيل حكومة وحدة وطنية. وشكا سفير ليبيا في الامم المتحدة ابراهيم الدباشي من أن لجنة العقوبات على ليبيا في مجلس الامن لم ترد على طلب قدمته بلاده في مارس اذار باستيراد أسلحة ودبابات وطائرات وطائرات هليكوبتر لمواجهة متشددي داعش ومراقبة حدودها.

وقال للمجلس إن اللجنة أسهمت بطريق غير مباشر في استمرار الاضطرابات وفي ترسيخ الارهاب في ليبيا. وأضاف ان هناك عرقلة متعمدة لجهود الحكومة الليبية لتعزيز قدرتها على محاربة الارهاب وبسط سلطتها على كل الاراضي الليبية. وبموجب حظر الاسلحة الذي فرضته الامم المتحدة على ليبيا في عام 2011 يسمح للحكومة المعترف بها دوليا باستيراد أسلحة بموافقة لجنة مجلس الامن التي تصدر قراراتها باجماع الاراء. لكن أكثر من نصف أعضاء اللجنة المكونة من 15 عضوا جمدوا الطلب.

وقال الدباشي ان المتطرفين أصبحوا أكثر جرأة نتيجة للتباطؤ في مجلس الامن في تسليح الجيش الليبي. وتحاول الامم المتحدة الوساطة في السلام في ليبيا حيث تتنافس حكومتان وبرلمانان على السلطة بعد أربع سنوات من الإطاحة بمعمر القذافي. وسيطر تحالف مسلح يعرف باسم فجر ليبيا على العاصمة طرابلس وأعلن تشكيل حكومته الخاصة وبرلمانه قبل عام مما أجبر رئيس الوزراء المعترف به دوليا على مغادرة العاصمة وتسبب في زيادة الفوضى في البلاد.

ووقعت بعض الفصائل المتحاربة الليبية اتفاقا مبدئيا برعاية الامم المتحدة لتشكيل حكومة وحدة وانهاء القتال لكن البرلمان الذي يتخذ من طرابلس مقرا له - وهو المؤتمر الشعبي العام - رفض الحضور. وقال مبعوث الامم المتحدة الخاص الى ليبيا برناردينو ليون لمجلس الامن "مازال الباب مفتوحا أمامهم للانضمام." وحذر من ان الانقسامات السياسية والامنية في ليبيا حالت دون وضع سياسة منسقة للتعامل مع خطر داعش والجماعات المتطرفة الاخرى. بحسب رويترز.

وقال إنه يمكن أن تكون حكومة وفاق وطني العنصر الوحيد "الذي يتم من خلاله التعامل بفاعلية مع الخطر المتنامي لداعش والجماعات التي لها صلة بها." وأضاف "يجب محاسبة المفسدين لانهم يتحملون المسؤولية عن عرقلة الاتفاق السياسي." وفي وقت سابق عرقلت روسيا والصين اقتراحا من الولايات المتحدة وفرنسا واسبانيا وبريطانيا لإدراج شخصين على قائمة سوداء لصلاتهما بالحكومتين المتنافستين في ليبيا في محاولة لتعزيز محادثات الأمم المتحدة.

داعش خارج درنة

استغل متشددو تنظيم داعش الفوضى العارمة في ليبيا لكسب موطئ قدم فيها لكن طردهم من مدينة في شرقها يشير إلى أنهم ربما لا يقدرون على بلوغ ما حققوه في العراق وذلك لوجود منافسين أشداء ولغياب الانقسامات الطائفية في البلاد. وفي الشهر الماضي قام مقاتلون إسلاميون محليون يعززهم سكان بطرد مقاتلي التنظيم المتشدد من درنة التي تقع على ساحل البحر المتوسط وهي أحد معقلين للتنظيم في هذه الدولة الغنية بالنفط.

وكانت هذه أول انتكاسة في ليبيا للتنظيم التي أرسل إليها مقاتلين ورجال دين من تونس واليمن ودول عربية أخرى في محاولة لتكرار النجاح الذي حققه في العراق وسوريا حيث استولى على أجزاء واسعة من أراضي البلدين وأعلن قيام "خلافة" إسلامية. واستفاد تنظيم داعش كثيرا من الفوضى الليبية إذ توجد حكومتان متنافستان تتقاتلان تعجز كل منهما عن أن تكون لها اليد العليا في وقت تتنافس فيه الجماعات التي ساعدت في الإطاحة بمعمر القذافي في 2011 على السلطة تحت لواء كل من الحكومتين ما يتسبب في فراغ أمني.

وطرد داعش من درنة بعد مقتل سبعة أشخاص خلال احتجاج في المدينة على تدفق الجهاديين الأجانب عليها وكذلك بعد مقتل أحد قادة كتيبة شهداء أبو سليم المتحالفة مع أحد الفصائل التي كانت مناوئة للقذافي في المدينة. وانضم عدد من السكان الغاضبين إلى كتيبة شهداء أبو سليم لمد يد العون في طرد المتشددين من درنة التي نشط فيها إسلاميون حتى في عهد القذافي الذي استمر حكمه لليبيا 42 عاما قمع خلالها الإسلام السياسي. حصلت داعش على تأييد البعض في سوريا والعراق من خلال استغلال العداوات الطائفية القائمة منذ زمن بين السنة والشيعة.

لكن هذا الأمر غير قائم في ليبيا وهي دولة سنية خالصة تنظر فيها الفصائل السنية المسلحة والقبائل إلى الدولة كتنظيم متسلل ومنافس. وقال أحد سكان درنة "الناس ملوا من داعش. تمتعت كتيبة شهداء أبو سليم ببعض التأييد منذ اندلاع الثورة التي أطاحت بالقذافي." وقال ماتيا توالدو الباحث السياسي في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية إن من المحتمل أن تركز داعش الآن على موطئ القدم الآخر لها بليبيا وهو مدينة سرت مسقط رأس القذافي والتي تقع في وسط الساحل الليبي وتتمتع فيها بدعم غير معتاد من جانب الموالين للقذافي المعارضين لحكام ليبيا المتصارعين.

وهاجم مقاتلو داعش حقول النفط جنوبي سرت الواقعة في وسط البلاد وخطفوا نحو تسعة عمال أجانب. كما أعدموا 21 مسيحيا مصريا قرب المدينة واقتحموا فندقا في العاصمة طرابلس وقتلوا خمسة أجانب. وقال توالدو إنه يتوقع أن يحاول متشددو التنظيم إقامة نقاط أمنية على مفترق طرق استراتيجي في وسط ليبيا حيث يتصل طريق ساحلي سريع بين شرق وغرب البلاد بممر إلى سبها وهي مدينة في أقصى الجنوب. وأضاف "سوف يكون بإمكانهم طلب الكثير من المال نظير الحماية (هناك)."

وبخلاف ما حدث في العراق وسوريا لا تستطيع داعش كسب ملايين الدولارات من بيع النفط في السوق السوداء لأن النفط الليبي يهيمن عليه أهل البلاد. ولذلك يعتمد التنظيم على الفدى التي تدفع عن سجناء وعلى أجور أعضائه المحليين إذ لا يزال معظم الشبان الليبيين يتقاضون أجورا من السلطة. ومن الممكن أيضا أن تحاول داعش اللعب على شكايا سكان الجنوب الفقير. وليس لأي من الحكومتين المتنافستين سلطة في تلك المنطقة النائية الخاوية التي قتل فيها عشرات ألأشخاص في اشتباكات بين قبيلتي الطوارق وتبو.

وقال جيفري هوارد محلل شؤون الشرق الأوسط وشمال افريقيا في مركز الأبحاث (جلوبال ريسك أناليسيس) الذي يتخذ من لندن مقرا له "يمكن أن يسعى المتشددون المرتبطون بداعش لاستغلال مشاعر التهميش في الجنوب الغربي خاصة بين أفراد مجموعة الطوارق العرقية لتجنيد مقاتلين وللسيطرة على الأراضي." وبالنسية لدرنة أكدت داعش في تسجيل مصور أنها سحبت مقاتليها. لكن القتال لم ينته بعد.

وقالت وحدات عسكرية موالية للحكومة الليبية المعترف بها دوليا والتي تعمل من الشرق منذ خسرت السيطرة على طرابلس قبل عام أمام مجموعة منافسة إنها الآن تحاصر درنة. وقال متحدث عسكري محلي إن مقاتلي داعش عددهم قليل وليس لديهم الوقود اللازم للحركة. وأضاف أنهم لا يملكون سيارات عسكرية وإنما يتنقلون في شاحنات تستخدم لنقل الأسمدة.

لكن اشتباكات بين مقاتلي التنظيم ووحدات الجيش الموجودة في شرق ليبيا والمتحالفة مع الحكومة المعترف بها دوليا وانفجار عدة سيارات ملغومة داخل المدينة ومقتل عشرة أشخاص وقول السكان إن داعش مسؤولة عن التفجيرات يشير إلى أن تطويق قوات الجيش للمتشددين غير فعال. بحسب رويترز.

وعلى الدوام بإمكان التنظيم اتخاذ الجبل الأخضر -وهو منطقة في وسط البلاد بعيدة عن الساحل ملجأ لها. وما دامت وحدات الجيش في شرق ليبيا وكتيبة شهداء أبو سليم تتبادل العداء وما دامت تلك القوات لا تغامر بالسيطرة على درنة يمكن أن تبقى المدينة ملعبا للإسلاميين المتطرفين. وقال فردريك ويهري وهو باحث كبير في مركز كارنيجي لأبحاث السلام "هو حقل مزدحم... كل شيء في ليبيا متشرذم... كل شيء يخضع للسيطرة المحلية... لذلك يصعب على أي جماعة أن تتوسع." وسيبقى منتظرا أيضا أن يرى السكان في درنة إن كانت حياتهم تتحسن. وقال الساكن الذي طلب ألا ينشر اسمه حرصا على سلامته "المتاجر والبنوك عادت لفتح أبوابها منذ انسحاب داعش لكن هناك نقصا في الدواء في المستشفيات."

محطة استقطاب

الى جانب ذلك يؤكد الهجوم الدامي في ولاية سوسة التونسية ان ليبيا، الغارقة بالفوضى الامنية والنزاعات العسكرية والسياسية، باتت تتحول الى مركز استقطاب رئيسي لجماعات متشددة، والى محطة تدريب تحضيرا لشن هجمات في بلدان اخرى. والمهاجم الذي قتل 38 سائحا اجنبيا بدم بارد في سوسة، تونسي، شأنه شأن المهاجمين الذين قتلا في اذار/مارس 21 شخصا في متحف باردو في العاصمة، وقد تلقوا جميعهم بحسب السلطات التونسية تدريبات في ليبيا التي يوفر النزاع فيها ملاذا لمقاتلين غير ليبيين.

ويقول مايكل نايبي-اوسكوي الخبير في شؤون الشرق الاوسط في مؤسسة ستراتفور الاستشارية الامنية الاميركية ان ليبيا تشهد "حركة (تنقل للمقاتلين) بين جبهات القتال الداخلية" وجبهات قتال خارجية، وخصوصا سوريا، مضيفا "هناك عودة (...) متواصلة لمقاتلين من سوريا". ويرى هذا الخبير ان الفوضى الامنية التي يخلفها النزاع في ليبيا اصبحت تفرض "تحديات امنية خطيرة وبعيدة المدى على المنطقة".

وتشهد ليبيا منذ سقوط نظام معمر القذافي في 2011 فوضى امنية ونزاعا على السلطة تسببا بانقسام البلاد قبل عام بين سلطتين، حكومة وبرلمان معترف بهما دوليا في الشرق، وحكومة وبرلمان مناهضان يديران العاصمة بمساندة تحالف جماعات مسلحة تضم اسلاميين تحت مسمى "فجر ليبيا". وتخوض القوات الموالية للطرفين معارك يومية في مناطق عدة من ليبيا قتل فيها المئات منذ تموز/يوليو 2014. وقد تسبب انشغال السلطتين بالتقاتل في ما بينهما بتوفير أرضية خصبة للجماعات المتشددة، وعلى راسها تنظيم داعش الذي تبنى الهجمات الاخيرة في تونس انطلاقا من ليبيا.

ويرى المحلل السياسي التونسي صلاح الدين الجورشي ان "الوضع الراهن في ليبيا والامكانيات التي تمتلكها القوات (...) الارهابية اصبحت تمثل خطرا حقيقيا على الامن الاستراتيجي في تونس"، معتبرا ان "تونس لن تستعيد وضعها الطبيعي الا بعد ان يحسم الوضع في ليبيا". وتابع الجورشي "رغم الاجراءات الامنية التونسية مازالت هناك شبكات قادرة على اختراق الحدود لايصال الشباب الى معسكرات في ليبيا لتدريبهم على استعمال الاسلحة (...) ثم تامين عملية رجوعهم الى تونس ليجري استخدامهم في الوقت المناسب".

ويسيطر التنظيم الذي سبق واعلن عن قيام "ولايات" له في طرابلس، على كامل مدينة سرت، مسقط راس معمر القذافي. وقال مسؤول في المجلس المحلي في المدين ان "هذا التنظيم وجد ارضا خصبة له في المدينة بعدما تحالف مع عدد من الجماعات المسلحة المؤيدة للقذافي والتي دخلت في هذا التحالف بدافع الانتقام من سلطات عمدت الى تهميشها بعد الثورة".

واضاف المسؤول الذي رفض الكشف عن اسمه "المدينة قد تتحول الى فلوجة ثانية، والى مرتع لتدريب وتخريج العناصر المتطرفة من دول مختلفة، حيث ينتشر فيها اليوم عناصر يحملون جنسيات عربية مختلفة يديرون حياتها اليومية ويلقون الخطب في مساجدها". ويقول مسؤولون امنيون في طرابلس ان اعداد المقاتلين الاجانب الذين دخلوا ليبيا في الاشهر الاخيرة غير محددة لكنها بالمئات، مشيرين الى ان اعدادا كبيرة من قادة هؤلاء المسلحين المتشددين يحملون الجنسية التونسية، وقد قدم بعضهم من جبهات القتال في كل من سوريا والعراق. بحسب فرانس برس.

وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، وبينها فيسبوك، انتشرت في الاشهر الماضية صور تعبر بطريقة ساخرة عن وضع مدينة سرت الحالي، وبينها صورة رجل يجتاز مع عائلته حواجز تفتيش في المدينة، وعند كل حاجز يصادف مسلحا غير ليبي، احدهم خليجي، واخر تونسي، وثالث سوري، وغيرهم.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0