مفتتح

العنف ظاهرة مجتمعية مركَّبة، وتتداخل عوامل وأسباب عديدة في صنعها وبروزها. وإن آفة العنف متى ما برزت في أيِّ مجتمع فإن مكاسبه ستهدّد في وجودها وديمومتها.

لذلك ثمَّة ضرورة ماسَّة في كل المجتمعات الإنسانية للوقوف بحزم ضد ظاهرة العنف، وإن استمرار هذه الظاهرة الخطيرة يهدّد كل المجتمعات في وجودها ومكاسبها؛ لذلك فإن الوقوف الحازم ضد ظاهرة العنف هي الخطوة الأولى في مشروع التخلّي عن هذه الآفة الخطيرة على الجميع. وبدون القضاء على هذه الآفة الخطيرة فإن المجتمع المصاب بها، سينهار من الداخل وسيدخل في أتون الحروب العبثية التي تفقد المجتمع كل عناصر قوته وحيويته.

وسنعمل في هذه الدراسة على بيان تأثيرات العنف على الاستقرار السياسي، ومدى خطورة العنف على أمن المجتمع واستقراره.

إن التحرّر من كل موجبات ظاهرة العنف يعدّ من أهم الخطوات لديمومة الاستقرار السياسي والسلم المجتمعي.

نقد العنف

ثمَّة وقائع وحقائق سياسية واجتماعية عديدة، تثبت بشكل لا لبس فيه، أن العنف بكل مستوياته الذي يبدأ بالكلمة العنيفة والنابية وينتهي بممارسة القوة العارية والشدّة تجاه الطرف الآخر، لا ينهي أزمة، ولا يعالج مشكلة، بل التجارب السياسية والاجتماعية، تثبت عكس ذلك تمامًا؛ حيث إن استخدام العنف يفاقم من المشكلات والأزمات، ويوسّع من دائرة الضرر والاحتقان، ويثير كل الدفائن العصبوية والشيطانية لدى الإنسان. والتوغل في ممارسة العنف سواء على المستوى الاجتماعي أو المستوى السياسي، لا يأبد حالة الهلع والخوف لدى الإنسان، وإنما يكسرها ويتجاوزها كمقدمة ضرورية لتحدي آلة العنف ومواجهة مستخدمه سواء كان فردًا أو سلطة.

فعليه فإن الاعتقاد أن ممارسة القهر والعنف تنهي أزمات والمشاكل بصرف النظر عن طبيعتها، فإن التجارب والممارسات تثبت عكس ذلك. من هنا فإننا نعتقد أننا بحاجة في كل مواقعنا أن نقطع نفسيًّا وثقافيًّا مع نزعة العنف واستسهال استخدام أدواته، ضد أبناء الأسرة أو الجيران، أو أن يستخدمه رب العمل ضد مخدوميه، أو يمارسه السلطان السياسي ضد مناوئيه ومعارضيه.

فممارسة العنف لا تفضي إلى استقرار الأسر والفضاء الاجتماعي، وإنما توفّر كل أسباب التفكّك والانتقام والخروج عن مقتضيات الالتزام الأخلاقي والاجتماعي. كما أن السلطة السياسية التي تمارس العنف ضد شعبها فإنها لن تحصد إلَّا المزيد من الاحتقان والابتعاد النفسي والعملي بين السلطة وشعبها.

«العنف هو كل فعل يصدر عنا لنتعرّف ونفعل كما لو كُنَّا وحدنا فقط، وكأن بقية الكون موجود هنا ليتلقَّى منا الفعل ويخضع لرغباتنا ولو كانت على حساب رغبات الآخرين، حتى ليغدو العنف ملازمًا لطبيعة الإنسان، لكن هذه الطبيعة العنيفة للإنسان لا تبرّر أن يتحوّل العنف إلى نمط حياة، بل لا بد من بحث آليات لتفكيك العنف وفهم بنيته النفسية، وإن كان من المستحيل إزالته، فليس على الأقل من الخفض من منسوب حدّته»[1].

لهذا فإن المطلوب أن نقطع نفسيًّا وعمليًّا مع أسلوب العنف، حتى نربِّي ذواتنا ونعمِّم ثقافة العفو والرفق في فضائنا الاجتماعي، ونزيد من فرص التربية المدنية التي تعلي من شأن الحوار والتفاهم وتدوير الزوايا، والبحث عن حلول سلمية تجاه كل مشكلة أو أزمة. وفي سياق العمل على ممارسة القطيعة النفسية والمعرفية مع العنف بكل حمولته النفسية والاجتماعية والسياسية نودّ التأكيد على النقاط التالية:

1- لا يكفي لنا كأفراد وكمجتمع أن ندين ممارسة العنف بكل مستوياته النفسية والأخلاقية، وإنما من المهم العمل على بناء حقائق الرفق والحوار والتفاهم في المجتمع، حتى تتحوّل حالة اللاعنف في مجتمعنا إلى حالة طبيعية مغروسة في نفوسنا وثقافتنا.

أما إذا اكتفينا بالنقد الوعظي لظاهرة العنف، دون بناء الحقائق المضادة لها، فإننا كأفراد ومؤسسات سنلجأ مع أيَّة أزمة إلى استخدام العنف.

فالرهان على مكافحة ظاهرة العنف ينبغي أَلَّا يكون فقط على الضوابط والالتزام الأخلاقي لدى الإنسان، وإنما على وجود بناء مؤسسي وتعبيرات رقابية تحول دون ممارسة العنف أو اللجوء إليه.

فالإنسان (أيّ إنسان) قد تُغريه عناصر القوة والقدرة المادية التي يمتلكها لممارسة العنف، ولا سبيل لمنعه إلَّا ببناء حقائق ومعطيات مؤسسية، تحول دون ممارسة العنف حتى لو سوَّلت له نفسه باستخدام العنف.

فالمجتمعات المتقدّمة اجتماعيًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا، لم تتمكَّن من مواجهة مخزون العنف في واقعها إلَّا ببناء مؤسسات ومعطيات وحقائق تمنع قانونيًّا ورقابيًّا ممارسة العنف بكل مستوياته، وتعمل في الوقت ذاته على غرس ثقافة العفو والتسامح والرفق واللاعنف في واقعها الاجتماعي، عن طريق التعليم ووسائل التنشئة والتربية ومؤسسات الإعلام والتوجيه الموجودة في المجتمع.

بهذه الطريقة تمكّنت هذه المجتمعات من ضبط نزعات العنف لدى الأفراد والمؤسسات العامة، وبدون هذه الطريقة المتكاملة لن نتمكَّن من ضبط نزعات العنف التي قد تتسرّب إلى نفوس الجميع، وتستخدم بمبررات عديدة.

2- إننا في الوقت الذي ندين ظاهرة العنف بكل مستوياته، ونطالب بمحاربتها والوقوف بحزم تجاه كل أشكالها وتعبيراتها، ندعو إلى بناء تفسير علمي وموضوعي تجاه هذه الظاهرة. فرفض هذه الممارسة لا يمنع من بناء تفسير علمي لها على مختلف المستويات.

وفي تقديرنا، إن بناء تفسير علمي وموضوعي لهذه المسألة يساهم في بناء استراتيجية صحيحة لمواجهتها.

وإننا من الضروري إذا أردنا مواجهة هذه الآفة، أن نقاومها في أسبابها الحقيقية وعواملها الجوهرية، وبناء تعبيرات مؤسسية وطنية تُعنى بشؤون بناء الحقائق المضادة لكل موجبات ومستويات العنف المختلفة.

3- إن التطورات والتحولات المتسارعة التي تجري في المنطقة العربية اليوم، تثبت بشكل عملي على أن خيار العنف سواء استخدم من قبل السلطة أو استخدم من قبل الشعب، فإنه لن يفضي إلى نتائج إيجابية، وإنما سيوفر كل مبررات استمرار سفك الدماء وممارسة القتل دون أفق إنساني وحضاري. فالعنف لا ينهي أزمة سياسية أو مشكلة اجتماعية، وإنما يزيدهما تعقيدًا وصعوبة. وإن الحكومات والشعوب بإمكانهما أن يصلا إلى ما يريدونه عن طريق الرفق والعفو والنضال السلمي واللاعنفي. وقد أثبتت تحولات العالم العربي الراهنة صحة وسلامة هذا الخيار. أما المجتمعات التي لجأت إلى العنف فإن أزماتها ستطول، وتضحياتها ستتضاعف.

«إن العنف ظاهرة معقّدة تتدخّل عناصر مختلفة في نشوئها وتكوّنها، نفسية واجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية، لذلك تكتسب المقاربات العلمية أهميتها في سبيل تفسيرها وفهمها. ولكن العنف هو كذلك مشكل سياسي ومشكل أخلاقي، وهو بصورة خاصة مشكل يتعلّق بالمعنى الذي يعطيه الإنسان لذاته وللآخر وللعالم»[2].

4- وحتى يكتمل عقد العفو والرفق والرحمة والصلح والوئام وكل القيم المضادة للعنف والشدة والغلظة، من الضروري إعادة قراءة قيم الإسلام ومفاهيمه على أساس أصل أن الدين الإسلامي هو دين الرحمة والرفق والسلام، وليس دين القتل والشدة والحرب. وذلك حتى نتمكن من بناء منظومة قيمية متكاملة، تنبذ العنف بكل مستوياته قولًا وعملًا، وتمارس الرفق والرحمة مع الأعداء قبل الأصدقاء، ومع المختلفين قبل المنسجمين. وبهذه الكيفية نتمكّن نحن كأفراد ومجتمعات من بناء حقائق اللاعنف في واقعنا الخاص والعام، بعيدًا عن نزعات الاستئصال والعنف.

فالعنف بكل مستوياته لا يخلف إلَّا الدمار الاجتماعي والسياسي، ومن يبحث عن حريته وإنصافه ويتوسّل في سبيل ذلك نهج العنف، فإنه لن يحصد إلَّا المزيد من الظلم والافتئات على الحقوق والكرامات. فالعنف هو بوابة الشر الكبرى على الشعوب والحكومات، والمطلوب من الجميع هو نبذ هذا الخيار والإعلاء من قيم الحوار والتسامح والعفو. وهذا يتطلب بناء رؤية ومشروع فكري وسياسي وإعلامي وتربوي متكامل، يستهدف محاصرة نوازع العنف في النفس والواقع، وبناء حقائق مؤسسية تطور من حقائق اللاعنف في المجتمع.

العنف الأعمى

تعلمنا التجارب السياسية والإنسانية في كل بقاع الدنيا، أن القتل والتفجير وممارسة العنف العاري، لا ينهي أزمة اجتماعية ولا يعالج مشكلة سياسية، وإنما على العكس من ذلك تمامًا؛ إذ إن العنف وممارسة القتل يفاقم من المشكلات ويزيدها استفحالًا، ويعقّدها على كل الأصعدة والمستويات. فسفك الدم لا يغيّر من المعادلات الاجتماعية والثقافية، مع اعتقادنا العميق أنه يدمي ويوتّر الأجواء ويهدّد النسيج الاجتماعي، إلَّا أنه لا يحقّق أهدافًا سياسية أو اجتماعية. فالعنف العاري لا أفق سياسي له، وإن مارسته بعض الجماعات السياسية. وعليه فإن ما يجري في أكثر من بلد عربي وإسلامي، حيث ممارسة القتل والعنف الأعمى الذي ضحيته عشرات الأبرياء مع تدمير أرزاقهم وممتلكاتهم، لن يساهم في معالجة الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تعاني منها هذه البلدان. ومن يبحث عن معالجة مشاكله السياسية بأدوات العنف العاري والأعمى، هو في حقيقة الأمر، يعقّد هذه المشاكل، ويضيف إليها عناصر جديدة، تزيد من تفاقمها واستفحالها.

وعلى ضوء هذه القناعة الإنسانية والتاريخية العميقة، التي تؤكّدها غالبية التجارب الإنسانية والسياسية على هذا الصعيد من الضروري الإشارة إلى النقاط التالية:

1- في اللحظة العربية الراهنة، ثمَّة حاجة ماسَّة للوقوف بحزم من قبل كل الأطراف ضد نزعات العنف والإرهاب؛ لأن شيوع هذه النزعة يهدّد العالم العربي من أقصاه إلى أقصاه بالكثير من الأزمات والكوارث الإنسانية والسياسية الصعبة والمميتة في آن؛ لذلك فإن التفرّج على موجات العنف أو الإرهاب، أو تبريرها لكونها تقع على أطراف لسنا على علاقة إيجابية معهم، لا يعني أن هذه الموجات لن تتعدَّى حدودها الحالية.

فالعنف كالنار تأكل كل شيء، وإذا انتهت من أكل محيطها، فإنها تتمدّد وتتوسّع وقد تصل إلى مديات واسعة.. فالعالم العربي بحاجة ماسة في هذه الفترة إلى رفع الغطاء عن كل الممارسات الإرهابية والعنفية، والعمل على تجفيف منابعها وروافدها وحواملها الاجتماعية والثقافية، وتظهير كل القيم الثقافية والاجتماعية المضادة لنزعة العنف والإرهاب.

2- إنه كلما تأزّمت آفاق الحلول السياسية انعكس هذا التأزُّم على المستوى الاجتماعي، بحيث نجد أن كل الدول التي تعاني من أزمات اجتماعية وسياسية، دون وجود آفاق حالية متاحة لمعالجتها، فإن مخزون العنف يبدأ بالتسرُّب إلى الحياة الاجتماعية والأسرية. وعليه فإننا نجد الكثير من الصور التي يتم فيها ممارسة العنف بسبب قضايا اجتماعية وأسرية، وفي أغلب الحالات يكون الضحية الأولى لذلك هم الحلقات الضعيفة في المجتمع كالمرأة والأطفال؛ لذلك فبمقدار رفضنا لممارسة العنف لأغراض سياسية وأمنية، بالقدر ذاته نرفض ممارسة العنف لأغراض اجتماعية وأسرية. فالعنف في أيِّ حقل من حقول الحياة، ينبغي أن يرفض ويقاوم، وتتشكّل إرادة مجتمعية صلبة ومستديمة لرفضه والعمل على معالجة أسبابه وموجباته. فالعنف الذي يتعرض إليه الأطفال أو تتعرض إليه المرأة في واقعنا العربي يعكس أزمة مجتمعية حقيقية وخانقة، وممارسة العنف يفاقم تأثيراتها السلبية والسيئة على كل الأصعدة والمستويات.

3- إن الخطاب الديني والثقافي السائد في أغلب البلدان العربية يتحمَّل مسؤولية مباشرة تجاه شيوع ظاهرة العنف في الحقلين السياسي والاجتماعي؛ إذ شاعت العديد من المقولات والخطابات الدينية التي تحث وتدعو وتحفز وتحرض على ممارسة العنف ضد المختلف والمغاير على المستويات الدينية والمذهبية والقومية والسياسية. فهناك الآلاف من المواطنين العرب الذين قتلوا لأسباب من هذا القبيل، ومن مارس القتل بحقهم، مارسه لدوافع دينية وثقافية وعرقية وقومية.

ونظرة سريعة على بعض الفضائيات ووسائل الإعلام التقليدي والجديد، نكتشف فيها مدى تورط بعض الخطابات الدينية في مشروع التحريض والقتل.

فتحولت لدى هؤلاء وأمثالهم قيم الدين من مصدر المحبة والرحمة والطمأنينة النفسية والاجتماعية، إلى مصدر للتحريض وبث الكراهية واستسهال عمليات القتل والذبح والتفجير.

وفي تقديرنا، إن هذه النوعية من الخطابات والمقولات الدينية تهدّد كل دول العالم العربي بكوارث سياسية وأمنية واجتماعية؛ لأنها خطابات تجعل من الاختلافات الدينية والمذهبية والإثنية والقومية مبررًا كافيًا لممارسة العنف والقتل تجاههم، ولكون العالم العربي يعيش حقيقة التعدد والتنوع الديني والمذهبي والقومي فإن شيوع مثل هذه الخطابات الدينية المتطرفة يعني تأزم العلاقات بين مكونات العالم العربي الاجتماعية والثقافية، وبروز مناخات سلبية وخطيرة على صعيد العلاقة بين تنوعات العالم العربي. وفي هذا السياق تتحمل المؤسسات الدينية والشرعية في كل دول العالم العربي مسؤولية أساسية في هذا السياق؛ إذ إنها معنية قبل غيرها في مواجهة هذه الأفكار والمقولات المتطرفة والمتشددة، وإبراز قيم الإسلام في الحوار واحترام المختلف وصيانة حقوقه المادية والمعنوية.

4- ثمّة حاجة في كل دول العالم العربي لسن قوانين وأنظمة دستورية وإجرائية ضد كل المقولات والخطابات والممارسات التي تغذي العنف والكراهية بين المواطنين؛ لأن الصمت على الحجم الهائل من البرامج والمواد الإعلامية والثقافية المبثوثة عبر أقنية الإعلام والتواصل المختلفة، والتي تحرض على القتل وممارسة العنف وبث الحقد والكراهية بين المواطنين، يعني بناء الأرضية الاجتماعية والثقافية لدخول الجميع في أتون الاحتراب الأهلي والاجتماعي، فلا تصح الفرجة على أنشطة إعلامية وثقافية ودينية مهمتها الأساسية دق إسفين بين أهل المجتمع والوطن الواحد؛ لأن هذه الأنشطة هي المسؤولة إلى حدٍّ بعيد عن كثير من الممارسات العنفية التي يقوم بها بعض الشباب العربي ضد من يختلفون معهم. فالعلاقة بين بث الكراهية وممارسة العنف علاقة وطيدة ومباشرة، ومن يريد محاربة العنف واستئصال موجباته من الفضاء الاجتماعي فعليه أن يحارب كل المواد الإعلامية والأنشطة الدينية والثقافية التي تحرّض الناس بعضهم على بعض، وتؤسس للمفاصلة الشعورية والعملية بين أهل المجتمع والوطن الواحد.

وجماع القول: أن العالم العربي من أقصاه إلى أقصاه تجتاح بعض جوانبه موجة من العنف والتحريض الدائم على القتل، وإن هذه الموجة تهدّد استقرار كل بلدان العالم العربي، وتتطلب هذه الموجه مواجهة حقيقية على الصعيد الثقافي والديني والمستوى السياسي والاجتماعي، حتى يتمكن العالم العربي من التخلص من آفة العنف الديني وممارسة القتل والتفجير لأغراض سياسية.

والخطوة الأولى في هذا المشروع هي الوقوف بحزم وفق منظومة قانونية متكاملة ضد كل من يبث التحريض الديني والمذهبي، ويدعو إلى ممارسة القتل والعنف ضد من يختلف معهم دينيًّا أو مذهبيًّا أو قوميًّا.

«وتعد الدولة أكبر ممارس للعنف في العالم الحديث، فلديها مشروعية قانونية بالإضافة إلى شرعية محددة ممارسته. وسيتم استعراض بعض أنماط العنف الممارسة في المنطقة العربية ومنها: عمليات القتل الجماعي، والمقصود به ارتكاب مذابح جماعية ضد المواطنين. العنف التشريعي: وهو القيام بإصدار قوانين وتشريعات تبرر العنف من قبل الدولة وتمهد له عن طريق قوانين تسمح بتلك الاعتقالات -حتى لو لم تكن قوانين دستورية- مثل قوانين الطوارئ ومكافحة الإرهاب والتظاهر. العنف القانوني: وهو من أخطر أنواع العنف السياسي لأنه يساهم في نفي القانون»[3].

ضد العنف الديني

تعدّدت وتكاثرت الصور والأحداث التي تساهم في تشويه الإسلام وتقدمه وكأنه دين للقتل والإرهاب بكل صنوفه وإشكاله. ولعل آخر هذه الأحداث، هو قيام حركة بوكوحرام في نيجيريا في اختطاف طالبات بريئات وصل عددهن (223) في شمال البلاد وإعلان أحد قيادات هذه الحركة التكفيرية أنهم ينوون بيع هؤلاء النساء في سوق النخاسة. إضافة إلى استمرار عمليات القتل العشوائي والتفجيرات التي تطال الأبرياء في أكثر من بلد عربي وإسلامي، وكلها أحداث تجري باسم الإسلام، والإسلام منها بريء براءة الذئب من دم يوسف.

ولكن الذي ينبغي إثارته ومناقشته حول ظاهرة هذه الأحداث العبثية والخطيرة في آن، هو كيف نساهم في وقف هذه الأحداث الإرهابية، وكيف نحول دون استمرار تشويه سمعة الإسلام من جراء أفعال هذه الجماعات التكفيرية والعنفية، التي لا تتورع عن القتل وسفك الدم؟ نحاول أن نجيب عن هذه الأسئلة من خلال النقاط التالية:

1- تتأكد الحاجة العربية والإسلامية في كل أمصار البلاد الإسلامية، إلى ضرورة السعي والعمل من أجل تفنيد وتفكيك خطابات جماعات العنف والتكفير، والتي تغطي أفعالها الشنيعة بمفردات دينية وخطابات إسلامية عامة؛ لأن الصمت تجاه خطابات العنف والتكفير والإرهاب يساهم في اتساع رقعة هذا الخطاب الذي يحث على العنف والإرهاب ويبرر ممارستهما.

وهذا بطبيعة الحال يتطلّب القيام بهجوم علمي-ثقافي على كل الخطابات التي تسوغ ممارسة العنف والإرهاب، وبيان تهافت هذه الخطابات، وعدم انسجامها مع ثوابت الدين والشريعة.

فلا صمت أمام ما تقترفه جماعات العنف والإرهاب باسم الإسلام.

ولعلنا لا نجانب الصواب حين القول: إن التبرير الديني أو السياسي لأفعال العنف والإرهاب يعدّ مشاركة مباشرة في عمليات العنف والإرهاب؛ لأن هذه الجماعات تتغذى من منظومة قيمية فكرية، وإن ممارسة التبرير لهذه الأفعال يعدّ -وفق كل المقاييس- مساهمة معهم في فعل العنف والإرهاب.

ولعل الصمت المريب الذي مارسته أكثر الجهات الدينية والفعاليات الإسلامية، هي ساهمت بطريقة أو أخرى، في استمرار عمليات العنف والإرهاب، واتّساع رقعتها. وإن استمرار الصمت يعني المزيد من اتّساع رقعة العنف والإرهاب. وهذا بطبيعة الحال له مضار وسيئات نوعية كبرى على كل البلدان والأوطان، وعلى طبيعة النظرة والتعامل مع الدين الإسلامي؛ لذلك ثمّة ضرورة دينية وأخلاقية لتراكم كل الجهود العلمية والثقافية والاجتماعية صوب تفكيك الخطابات التي تبرّر ممارسة العنف وتحرّض على فعل الإرهاب.

2- آن الأوان بالنسبة إلى كل النخب الدينية والسياسية والثقافية لإنهاء ازدواجية الخطاب والتعامل مع الإرهاب وممارسة العنف لأغراض سياسية. فلا يوجد -على المستوى الواقعي- إرهاب مقبول وإرهاب مرفوض، عنف نساهم في التحريض على ممارسته، وعنف آخر نحاربه ونسعى لتجفيف منابعه. إننا نعتقد أن هذه الثنائية والازدواجية ساهمت بطريقة غير مباشرة في حماية جماعات العنف والإرهاب. لذلك ثمّة حاجة لإنهاء هذه الازدواجية ورفض كل أشكال العنف والإرهاب، ومحاربة كل الجماعات والتيارات التي تمارس الإرهاب وتحرض على العنف؛ لأن فعل الإرهاب ينبغي أن يدان بصرف النظر عن استهدافاته أو المصالح السياسية التي قد تجنيها بعض الأطراف من هذه الممارسات الإرهابية والعنفية. فقتل الأبرياء لا يمكن تبريره في كل البلدان والمجتمعات، وينبغي علينا جميعًا أن ندين جميع عمليات القتل والتفجير؛ لأن رفع الصوت حول أحداث بعينها وصمتنا المريب حول أحداث أخرى مشابهة، يثير الكثير من علامات الريبة والاستفهام، وهي على المستوى الواقعي شكل من أشكال تأييده لأغراض سياسية.

وهذا بطبيعة الحال يجعل من أصحاب هذه المواقف المزدوجة في محل حماية واقعية لمن يمارس الإرهاب في سياق سياسي يفيدني أو لي مصلحة في استمراره. وهذا بطبيعة الحال يحوّل الإرهاب وممارسته إلى حاجة لدى بعض الأطراف في صراعاتها الدينية والسياسية. لذلك آن الأوان لرفع الصوت ضد الازدواجية في الخطاب والتعامل مع ظواهر العنف والإرهاب. فكل جماعات العنف والتكفير والإرهاب ينبغي أن تدان وتحارب، ولا يجوز أن يتم التعامل مع الممارسات الإرهابية والعنفية في بعض الساحات وكأنها أعمال شرعية - جهادية، وفي ساحات أخرى هي أعمال إرهابية-عنفية.. فلا ثنائية في التعامل مع هذه الآفات التي تهدّد الجميع. ولقد أبانت الكثير من التجارب السياسية والاجتماعية أن الازدواجية في التعامل مع هذه الظواهر الخطيرة سينعكس سلبًا حينما تتغير الظروف والأحوال على من حابى الإرهاب في أيَّة ساحة من الساحات؛ لذلك لا خيار حقيقي أمام كل الأطراف والفعاليات إذا أرادت محاربة العنف والإرهاب على نحو حقيقي إلَّا رفض كل الخطابات والممارسات الازدواجية في التعامل مع جماعات العنف والإرهاب.

3- حين التأمل في مسار وتجربة الكثير من جماعات العنف المسلح، والتي مارست الكفاح المسلح لأغراض سياسية واجتماعية، نجد أن بعض هذه الجماعات -وفي لحظات وظروف زمنية معينة- تحولت هذه الجماعات إلى ما يمكن تسميته (بندقية للإيجار). بمعنى أنه في الظروف الذي ينسد فيها أفق العمل المسلح تتحول هذه الجماعات إلى بندقية للإيجار وتقوم ببعض العمليات المسلحة لأغراض ليست من صميم مشروعها وكفاحها. وفي مستوى آخر فإن أغلب هذه الجماعات ذات عقل سياسي محدود وضيق، فيتم التقاطع معها من بعض الأطراف سواء محلية أو إقليمية ودولية، مما يفضي إلى استخدام قوتها المسلحة وخبرتها العسكرية لأغراض سياسية مرتبطة بشكل مباشر بتلك الأطراف التي تقاطعت مع جماعات العنف المسلح؛ لذلك فإن استقرار مجتمعاتنا وأوطاننا، يقتضي الوقوف بحزم على مختلف المستويات ضد جماعات العنف والإرهاب. وإن هذا الوقوف يقتضي العمل على رفع الغطاء الديني والاجتماعي عنها، والعمل على تفكيك خطاب هذه الجماعات الديني والثقافي وتضافر كل الجهود من أجل صياغة مشروع وطني متكامل في كل البلدان العربية والإسلامية لمحاربة جماعات العنف والإرهاب.

«ومهما يكن من أمر، يظل العنف بكل تلوناته وسياقاته مشكلًا عميق الأثر في الجسم الاجتماعي، وتهديدًا بإضعاف تناسق النسيج الاجتماعي. إنه ارتهان لحاضر المجتمع في سياق تمجيد ماضيه مثلًا الذي يستحضر بديلًا للبناء الاجتماعي القائم، وهو كذلك ارتهان للتمثلات التغييرية للنمط الاجتماعي لأنه يعدم الاحتكام إلى شروطه الموضوعية»[4].

جماعات العنف ووحدة العرب

حين التفكير العميق في تحليل ظاهرة جماعات العنف والإرهاب في المنطقة العربية، نكتشف أن هذه الجماعات، هي بذاتها، ووفق تكوينها الثقافي والمعرفي والاجتماعي، هي جماعات انشقاقية، تتكور حول ذاتها، وتزرّق في عقول أفرادها نزعات الكره والبغض لمحيطها الاجتماعي والسياسي، وتجعل من الانتماء إليها والالتزام بمقولاتها وبرامجها المختلفة، هو معيار الحق والصواب.

وما عداها هو خروج عن الصواب وانحراف عن الطريق المستقيم؛ لذلك فإن جماعات العنف والإرهاب في كل البيئات الاجتماعية التي تتواجد فيها، تزرع الانشقاق، وتحفر أخاديد من التباينات والخلافات التي تتولّد باستمرار، مما يدمّر النسيج الاجتماعي والسياسي.

لذلك نجد أن هذه الجماعات باستمرار تبحث عن الجغرافيا البشرية، التي اهترأت فيها الدولة وأضحت غير متماسكة، وسادت الفوضى؛ لأن هذه البيئة التي لا راعي لها ولا ناظم فيها، هو الذي يناسب فكرها الانشقاقي والعنفي، لتحويل هذه الجغرافيا إلى ساحة مفتوحة للتدريب الأيديولوجي والعسكري، لكي تستمر في مشروع القتل والتدمير وإنهاك المجتمعات العربية سواء على مستوى علاقاتها البينية بين مكوناتها المتنوعة، أو على صعيد أوضاعها الأمنية والسياسية.

لذلك من الطبيعي اعتبار هذه الجماعات بصرف النظر عن أيديولوجياتها، هي خطر محدق للمجتمعات العربية وأمنها واستقرارها وتلاحمها الداخلي، وما تقوم به هذه الجماعات الإرهابية في أكثر من بلد عربي، هو مؤشر عملي على طبيعتها ومنظومة أفكارها التي تبرر لذاتها القيام بأبشع الأعمال وأشنعها.

وما تقوم به في بعض المدن السورية الواقعة تحت سيطرتها يؤكّد هذه الحقيقة، ويعبّر بشكل ملموس أنها جماعات تعيش على القتل والتدمير، وأنها لا تكتفي بمحاربة النظام السياسي الذي تشكّلت من أجل مواجهته ومحاربته، وإنما طبيعتها العنفية والانشقاقية يدفعها إلى مقاتلة كل من يخالفها أو يقف موقف الرفض لمشروعاتها وخياراتها الأيديولوجية والاجتماعية؛ لذلك تتكرّر الأخبار الغريبة والمذهلة التي تقوم بها (داعش) في مدينة الرقة السورية. فهي جماعات تدمّر ولا تبني، تفكّر بمشروعها دون الاهتمام بمعطيات الواقع، تستسهل عملية القتل والإعدام حتى لو حكمت مدينة أو قرية بدون أهلها، لا تعرف إلَّا لغة العنف وكأنها كتلة بشرية لتنمية الأحقاد والأغلال بين الناس.

والشيء المهم الذي ينبغي لكل الدول العربية أن تلتفت إليه، وتراكم من فعلها الأمني والسياسي والثقافي في مواجهة جماعات العنف والإرهاب، هو أن هذه الجماعات وبفعل ذهنيتها الانشقاقية ومنهجها الإرهابي الأسود، هي من أهم التحديات والتهديدات التي تواجه وحدة العرب كجغرافيا وكشعوب؛ لذلك نتمكن من القول -وعلى ضوء تجارب هذه الجماعات في مصر وسوريا واليمن والعراق-: إنها تهديد مباشر لوحدة الدول والمجتمعات العربية؛ لأنها تفكّر بذهنية اقتطاع رقعة جغرافية ذات خصائص معينة، وتعمل لتحويلها إلى قاعدة متكاملة للانطلاق والانقضاض ضد المناطق والمدن الأخرى. هذا ما فعلته هذه الجماعات الإرهابية في اليمن والعراق وسوريا، وهذا ما تحاول أن تقوم به في أيَّة دولة تقوى فيها، وتتوفّر لها حاضنة اجتماعية.

فهذه الجماعات تشكّل قوة أيديولوجية وعسكرية مضادة لواقع الوحدة بين العرب والمسلمين، ومدمرة للنسيج الاجتماعي في كل البيئات، وتسعى باستمرار لتأسيس جيوب لها تضمن فيها حرية الحركة والقدرة على الانقضاض المسلح ضد بقية الشعب والمناطق غير الخاضعة لها.

وما يجري هذه الأيام من أحداث في العراق أدَّت إلى سقوط مدينة الموصل بيد تنظيم داعش يؤكّد هذه الحقيقة، ويعكس طبيعة التهديد الذي تشكّله هذه الجماعات والتنظيمات الإرهابية على وحدة الدول والشعوب العربية.

وعلى ضوء ذلك ثمَّة ضرورة قومية ووحدوية في كل الأقطار العربية للوقوف بحزم ضد هذه الجماعات؛ لأنها أضحت تهديدًا حقيقيًّا على المستويات كافة. والوقوف موقف المتفرج من هذه الأحداث والتطورات يعني المزيد من الانهيارات العربية والمزيد من التآكل الدامي في الجسم العربي.

وفي سياق العمل للوقوف ضد هذه المخاطر والتحديات التي تطلقها جماعات العنف والإرهاب ضد استقرار الدول العربية ووحدتها الجغرافية والبشرية، نود التأكيد على النقاط التالية:

1- إن المجتمعات المتنوعة والمتعددة أفقيًّا وعموديًّا، لا يمكن أن تدار بعقلية الغلبة واستبعاد أحد المكونات والتعبيرات، وإنما تدار بتطوير نظام الشراكة الذي يضمن لجميع الأطياف حقوقها السياسية والمدنية بدون افتئات على أحد، أو إقصاء لأي طرف.

وتعلمنا التجربة السياسية في العراق أن التراخي أو التلكؤ في بناء نظام سياسي، تشاركي، تعددي، لا يقصي أحدًا، فإن نتيجته المباشرة هي بروز حواضن اجتماعية عديدة لخيارات العنف والإرهاب، تكون محصلة هذه الحواضن الدائمة المزيد من الانهيار الأمني ووقوع التفجيرات والقتلى من الأبرياء.

فالأمن الحقيقي لا يُبنى إلَّا ببناء نظام الشراكة، والرهان على قدرة أحد المكونات على حسم معاركه السياسية بوحده، أضحى من الرهانات الخاسرة التي لم تنتج إلَّا القتل والدمار.

إننا في هذا السياق ندعو شيعة العراق قبل سنته، وعرب العراق قبل كرده، إلى الالتفات إلى هذه الحقيقة السياسية أَلَا وهي أن نظام الشراكة المتساوية في الحقوق والواجبات لكل الأطراف والمكونات، هو الذي يجلب الأمن والاستقرار، وهو (أي نظام الشراكة) وحده قادر على تفكيك كل شبكات العنف والإرهاب التي بدأت بالانتشار في محافظات العراق.

أما إذا استمرت الأوضاع على حالها فإن الأحداث ستتسارع باتجاه المزيد من الانهيار الأمني والسياسي، ممَّا يهدّد وحدة العراق شعبًا وأرضًا.

وعلى النخب السياسية من كل الأطراف والأطياف أن تدرك أن الضامن الوحيد لوحدة العراق اليوم هو طبيعة النظام السياسي المراد تشكيله في العراق. فإذا كان أحاديًّا ولا يعبّر عن جميع حساسيات الشعب العراقي، فإن المآل الأخير لذلك هو تقسيم العراق، وهو من الخيارات الخطيرة على العراق والمنطقة العربية بأسرها.

2- توضح الأحداث والتطورات في أغلب البلدان العربية المذكورة أعلاه، أن استدعاء جماعات العنف والإرهاب، أو غض النظر عنها، لا يهدد فقط خصم اليوم، وإنما يهدد الجميع؛ لأن هذه الجماعات بطبعها جماعات غير تسووية وتبحث عن حلول نهائية وفق منظورها في كل المناطق التي تتواجد فيها. لذلك من الضروري القول: إن من مصلحة جميع الأطراف في المنطقة العربية الوقوف معًا ضد جماعات العنف والإرهاب، وإن لعبة الاستقواء والتخويف بهذه الجماعات سترتد سلبًا على جميع الأطراف. لذلك ثمة حاجة في كل هذه الدول العربية للوقوف العملي والفعلي ضد كل التشكيلات الإرهابية والعنفية، لأنها تشكيلات تهدد المنطقة العربية في استقرارها الداخلي ووحدتها السياسية والبشرية. وتجربة (داعش) في تهديد وحدة العراق ووحدة سوريا شاخصة للجميع.

3- حينما تتفشى الغرائز المذهبية والطائفية في المجتمعات تتجه بعض العواطف إلى أقصى أنواع وأشكال التحريض والكراهية. والعلاقة بين تفشي غرائز الكراهية والتحريض وممارسة العنف والإرهاب، هي ذات العلاقة التي تربط عالم الأسباب بعالم النتائج. لذلك ثمّة ضرورة عربية لرفع الصوت ضد عمليات التحريض المذهبي والطائفي؛ لأن هذه العمليات تؤسس بطريقة أو أخرى للمناخات الاجتماعية والثقافية المحضرة لاستخدام العنف ضد المختلف المذهبي أو المغاير الديني، وهذا بدوره يفضي إلى اتساع دائرة العنف والإرهاب.

وخلاصة القول: إن جماعات العنف والإرهاب، تعيش على مناخات التحريض المذهبي والطائفي، ومن يريد محاربة جماعات العنف والإرهاب، فعليه أيضًا الوقوف ضد كل أشكال بث الكراهية بين المواطنين لاعتبارات لا كسب للإنسان فيها.

العنف الطائفي في العراق

من حقنا كشعوب خليجية مجاورة للعراق أن نقلق وتزداد مخاوفنا من جراء تصاعد العنف والاقتتال الطائفي في العراق؛ لأن استمرار هذا الاقتتال سيحول المنطقة بأسرها إلى منطقة توتر دائم على أكثر من صعيد من جراء وتأثيرات طبيعة الاقتتال الطائفي واصطفافاته في المنطقة. ولكن هذا القلق من الحريق العراقي الذي يحصد يوميًّا العشرات من القتلى والمئات من الجرحى، لا يزول حينما نمارس عملية التهويل والتصعيد الطائفي والتخندق المذهبي، بحيث يتحول كل طرف في منطقة الخليج كمبرر ومفسر لعمليات القتل والتصفية الطائفية التي يمارسها كل الأفرقاء في العراق.

فحينما نتخندق طائفيًّا ونبرر الفعل الطائفي لا يزول القلق المشروع الذي نعيشه جميعًا، وإنما نحن بهذا العمل كمن يصب الزيت على النار، مما يؤدي إلى اتساع دائرة الحريق في العراق.

إن القلق المشروع الذي تعيشه شعوب المنطقة من جراء العنف المذهبي في العراق، لا يزول ويرتفع إلَّا بمبادرة خليجية رسمية وأهلية، تستهدف محاصرة هذا الحريق والضغط على كل الأفرقاء لإيقاف هذا الاقتتال العبثي الذي لا ينفع أحدًا بل يضر حاضر العراق ومستقبله، كما يضر المنطقة على كل المستويات. فالعنف الطائفي في العراق هو بمثابة فتح بوابة جهنم على كل المنطقة؛ لهذا فإننا ينبغي أن نقف ضد العنف المذهبي في العراق، وندين كل عمليات القتل والتصفية على الهوية سواء صدرت عمليات القتل من أطراف وقوى شيعية أو سنية. فالاقتتال الطائفي في العراق جريمة ولا بد أن تدان وتُعرَّى هذه الجريمة بصرف النظر عن مرتكبها. فلنبتعد جميعًا عن لغة (ولكن) التبريرية والتسويغية لعمليات الاقتتال التي تجري في أرض الرافدين، فالمسافة يجب أن تكون واحدة في إدانة العنف المذهبي في العراق، فكما ندين فرق الموت الشيعية التي تمارس القتل ضد أهل السنة في العراق، كذلك وبالدرجة نفسها ينبغي أن ندين عمليات القتل اليومي التي تجري لأبناء الشيعة في العراق، ولا يجوز لنا في هذا السياق أن نكيل بمكيالين فندين ما يناسبنا ونبرّر ما لا يناسبنا، فالاقتتال الطائفي مدان ومستهجن ولا بد أن نقف منه موقفًا موحدًا، بصرف النظر عن الجهة المرتكبة لهذا الفعل الإجرامي.

وفي سياق بيان رؤيتنا من إدانة جريمة الاقتتال الطائفي في العراق نود أن نؤكّد النقاط التالية:

1- في زمن الفتنة وفي وقت الاقتتال والنزاع المذهبي المسلح، تكون المسافة جدُّ قصيرة بين الفتوى والقتل وبين التكفير وممارسة مقتضياته ومتطلباته؛ لهذا فإننا أيضًا بحاجة أن ندين ونستنكر كل فتاوى التحريض التي تجيز القتل، سواء صدرت هذه الفتاوى والآراء الشرعية من جهات ومرجعيات شيعية أو صدرت من جهات ومرجعيات سنية.

ففي زمن الاقتتال تتحول عمليات التحريض إلى مشاركة مباشرة في الاقتتال الطائفي. من هنا فإننا ندعو جميع المرجعيات والشخصيات الدينية السنية والشيعية إلى إدانة حالة الاقتتال الطائفي، والوقوف بحزم ضد كل عمليات التكفير والتحريض، التي تزيد من اشتعال الفتنة الطائفية، وتساهم بشكل أو بآخر في إدامة الاقتتال الطائفي في العراق. فلا يجوز لنا أن ندين الاقتتال الطائفي في العراق في الصباح، وفي المساء نساهم في فتاوى التحريض والتكفير التي تقود بدورها إلى ممارسة القتل ضد الآخر المذهبي. فوقف الاقتتال الطائفي في العراق يتطلب من جميع المرجعيات والمؤسسات الدينية والشخصيات الإسلامية رفع الغطاء الشرعي عن كل عمليات القتل الطائفي. ونحن هنا ندعو جميع الشخصيات الإسلامية السنية والشيعية إلى إدانة كل عمليات الاقتتال والقتل الطائفي، ورفع الغطاء الديني عن كل الجهات والقوى التي تمارس القتل المذهبي وتحرض عليه. فكما أن القتل الطائفي مدان ومستنكر، كذلك التحريض عليه أو الدعوة إليه مدانة ومستنكرة.

2- إن طبيعة الاقتتال الطائفي في العراق، ومتوالياته المختلفة، تحمّلنا جميعًا مسؤولية العمل على تطوير العلاقات الداخلية بين المسلمين. فاستنكار الاقتتال المذهبي في العراق مع أهميته وضرورته إلَّا أنه بوحده، لا يبعد المنطقة عن التأثيرات السلبية لأحداث العراق. إننا أحوج ما نكون اليوم إلى مبادرات وخطوات تستهدف تعزيز العلاقة السنية - الشيعية في كل منطقة الخليج. فالمنطقة اليوم تحتاج إلى تحصين جبهتها الداخلية وسد كل الثغرات التي قد ينفذ إليها المتطرفون من كل الجهات. ولا خيار أمامنا لكل ذلك إلَّا بعقد العزم والعمل المتواصل من أجل بناء علاقات إيجابية متطورة بين السنة والشيعة في منطقة الخليج. إننا نرى أن منطقة الخليج مستهدفة في أمنها واستقرارها، ولا سبيل لإفشال هذا الاستهداف إلَّا ببناء مبادرات وطنية وإقليمية تنشد تطوير العلاقات المذهبية وزيادة فرص اللقاء والتفاهم بين مختلف المكونات المذهبية في المنطقة. ونظرًا لما تتمتع به مجتمعاتنا الخليجية من حقائق التنوع ووقائع التعدد المذهبي والفكري فإن المطلوب -وبالذات في ظل الظروف والتحديات الراهنة- بناء علاقة صحية بين مختلف مكونات المجتمع الخليجي المذهبية والثقافية، وذلك من أجل صيانة الوحدة الوطنية، وإزالة كل العوامل والأسباب التي قد تضر بحاضر أوطاننا ومستقبلها. فالحريق العراقي المدان والمستنكر يحملنا مسؤولية العمل باتجاه:

أ- خلق بيئة ثقافية واجتماعية للِّقاء والتعارف والتفاهم بين مختلف الجماعات المذهبية في منطقة الخليج.

ب- صياغة نظام العلاقة بين مختلف المكونات على قاعدة الاحترام المتبادل وصيانة حقوق الإنسان.

ج- تطوير العلاقة بين هذه التعدديات بما يخدم الأمن والاستقرار في المنطقة.

3- إن مقاومة الاحتلال الأجنبي حق مشروع لكل الأمم والشعوب التي تتعرض لاحتلال أجنبي. والشعب العراقي لا يخرج عن هذا النطاق. فمن حقه المشروع أن يقاوم الاحتلال وأن يطالب بجلاء القوات الأجنبية عن أرضه. فكل الشرائع السماوية والمواثيق الدولية كفلت للشعب الذي يتعرض للاحتلال حق مقاومته ومجابهته. فما يمارسه الشعب العراقي في مقاومته للاحتلال الأجنبي من الحقوق الأصيلة التي يمتلكها هذا الشعب.

ولكننا من حقنا أن نتساءل: هل من مقاومة المحتل قتل الأبرياء والمدنيين من أبناء الشعب العراقي. إننا في الوقت الذي نرى أن من حق قوى الشعب العراقي المختلفة أن تقاوم الاحتلال الأجنبي، في الوقت ذاته لا نرى من حقها قتل المدنيين من الشعب العراقي أو تدمير منشآته وبنيته التحتية. ولعلنا لا نجانب الصواب حين القول: إن الكثير من الالتباسات التي حدثت في مشروع المقاومة العراقية في مواجهة الاحتلال، هو حالة القتل اليومي التي كانت تمارس بحق المدنيين باسم المقاومة. إننا نشعر بأهمية أن تتبرأ المقاومة العراقية الحقيقية من كل العمليات التي تستهدف قتل الأبرياء أو تدمير دور العبادة أو الأسواق في العراق. إننا مع مقاومة الاحتلال، ونعتبره من الحقوق الأصيلة لكافة قوى الشعب العراقي، ومن حقها أن تختار الوسيلة المناسبة لها في مشروع مقاومة ومجابهة الاحتلال، ولكن ليس من حق أحد قتل الأبرياء في العراق باسم المقاومة؛ لأن هذا القتل هو جريمة بحق كل العراقيين.

من هنا فإننا ندين كل الأعمال التي تمارس باسم المقاومة وهي تستهدف المدنيين من العراقيين. وندين كل عمليات التخريب أو التدمير التي تتعرض لها المساجد ودور العبادة في العراق. فالمسجد له حرمته، ولا يجوز بأيِّ حال من الأحوال تدمير بيوت الله سبحانه وتعالى، سواء كان هذا المسجد لأهل السنة أو لأهل الشيعة. فالمقاومة لا تشرع قتل الأبرياء أو تدمير دور العبادة.

من هنا ومن أجل وقف الاقتتال الطائفي في العراق، ندعو إلى احترام دماء كل العراقيين والوقوف بحزم ضد كل من يحاول أو يقوم بسفك الدم العراقي أو ترويع الآمنين أو انتهاك بيوت الله في العراق. فكل هذه الأعمال هي أعمال إرهابية، ولا يصح بأيِّ حال من الأحوال أن نسميها مقاومة. فالمقاومة هي التي توجه جهدها كله لمقاومة المحتل، أما قتل الأبرياء وتدمير دور العبادة وتخريب البنية التحتية فهو جوهر الإرهاب. وبون شاسع بين المقاومة والإرهاب.

4- تردد جميع الجهات والفئات العراقية في أنها لم تعرف من قبل حالة الاصطفافات الطائفية الحادة التي تصل إلى حد الاقتتال والتطهير المذهبي. فقد عاش الجميع في علاقات ودية واحترام متبادل، وتم التداخل الاجتماعي بين مختلف مكونات الشعب العراقي، إلَّا أن الشعب العراقي في هذه الفترة يعيش محنة طائفية صعبة. ومن الضروري معرفة العوامل والأسباب التي أفضت إلى ذلك، وألغت تاريخ طويل من الوئام المذهبي والاجتماعي.

إننا نعتقد أن التشكيلات الإرهابية التي وفدت إلى العراق من بلدان عربية وإسلامية عديدة، والتي تتبنى نهجًا تكفيريًّا وعنفيًّا، هي أحد المسؤولين الأساسيين عن بروز حالة الاحتقان المذهبي والاقتتال الطائفي؛ لأن هذه التشكيلات الإرهابية والمحاربة في كل الدول العربية والإسلامية تقريبًا، تبنت خطابًا طائفيًّا وبلورت لنفسها هدفًا خطيرًا ألا وهو إشعال الفتنة الطائفية بين السنة والشيعة في العراق.

ونحن هنا إذ ندين كل عمليات الاقتتال الطائفي في العراق، ندرك أهمية أيضًا كشف كل الجهات والجماعات التي ساهمت في تأجيج الفتنة الطائفية في العراق. ولعل على رأس هذه الجماعات هي الجماعات الإرهابية التي بدأت تمارس القتل والإرهاب في كل مكان في العراق، وحوَّلت الكثير من التجمعات الشعبية إلى هدف لمفخخاتها وقنابلها الحاقدة. ونحن نعتقد أن هذه الجماعات الإرهابية، وعبر عمليات القتل والتفجير التي حصدت الآلاف من الأبرياء، استطاعت أن تجر قوى المجتمع العراقي إلى مربع الاقتتال الطائفي.

وخلاصة القول: أن الفتنة الطائفية التي يعيشها الشعب العراقي اليوم، هي وليدة عوامل وأسباب عديدة، داخلية وخارجية، سياسية وأيديولوجية. وإدانة هذه الفتنة تتطلب تعرية وكشف كل العوامل والجهات والجماعات التي ساهمت في تأجيج الفتنة الطائفية في العراق. وواهم من يعتقد أن زيادة وتيرة العنف والإرهاب ستعيد عقارب الساعة إلى الوراء في العراق. فالعراق تخلص من نظامه الفاشستي، ومهما كانت التضحيات التي يقدمها الشعب العراقي. فإن هذا الشعب بكل مكوناته وتعبيراته سيخرج من هذه المحنة وهو أقوى، وسيتمكن عبر نخبه الحية من الانتصار على كل عوامل القتل وأسباب الاحتراب الطائفي.. فالعراق لن يعود إلى الديكتاتورية، ولن يُحكم بالحديد والنار، وسيتمكن من بناء ديمقراطيته بمشاركة عادلة ومتوازنة من جميع فئات ومكونات الشعب العراقي.

وإذا أردنا المحافظة على وحدة العراق فعلينا الوقوف بحزم ضد كل النزعات الطائفية التي تفتّت شعب العراق وتمزّقه ليل نهار. فرفض الاقتتال الطائفي في العراق هو البوابة الواسعة للحفاظ على وحدة العراق، ولا يكفي هنا أن نعرف الهدف، وإنما من الضروري الالتزام بالطريق الموصل إليه.

العنف والاستقرار الوطني

أثار اكتشاف خلية العبدلي بالكويت ومخازن الأسلحة والمتفجرات التابعة لها، الكثير من الأسئلة والاتهامات. وأعاد إنتاج بعض أشكال التوتر الطائفي في دولة الكويت وعموم منطقة الخليج العربي. كما أن حجم الأسلحة المكتشفة أثار الكثير من الرعب والخوف حول جدية وطبيعة الاستعدادات العسكرية، وماذا تخطط هذه الخلايا ومن يقف وراءها للمنطقة من سيناريو هات ومخططات. وعلى كل حال ما نود أن نثيره في هذا المقال من نقاط وأفكار تتعلق باكتشاف هذه الخلية والترسانة العسكرية التي تمتلكها هي الأفكار التالية:

1- الوطن خط أحمر

قد نختلف مع بقية مكونات وتعبيرات الوطن في الكثير من الأمور، وقد نختزن رؤية نقدية لبعض جوانب الحياة في مجتمعنا، إلَّا أننا مع كل ذلك نرفض رفضًا قاطعًا أن يتعرض وطننا لسوء. وبالتالي فإننا نعتبر أن الوطن من أقصاه إلى أقصاه من الخطوط الحمر التي نرفض تجاوزها أو التعدي عليها. ومن منطلق حرصنا على الوطن وأمنه واستقراره نرفض أي توجه عنفي أو عسكري في هذا الوطن العزيز علينا جميعًا. ورفضنا العميق إلى العنف بمقدماته المختلفة لا يتعلق بمكون دون آخر، أو بشريحة اجتماعية دون أخرى. إننا نرفض أي توجه مسلح وعنفي في هذا الوطن سواء كان هذه التوجه العنفي أو المسلح ينتمي إلى أهلنا من أهل السنة أو إلى أهلنا من أهل الشيعة. فالعنف بكل مستوياته مدان ومستنكر، ولا يمكن القبول ببعضه ورفض بعضه الآخر. ومن هنا فإننا نعتبر الوطن بكل مخزونه الرمزي والمعنوي من الخطوط الحمراء التي نرفض التعدي عليها بأيِّ شكل من الأشكال. وبالتالي فإن رفضنا للعنف والتسليح هو رفض استراتيجي وعميق، ولا يمكن السكوت والصمت أمام أيِّ عمل يفضي إلى ممارسة العنف المسلح في هذا الوطن العزيز علينا جميعًا. ورفضنا للعنف لا يمكن المساومة عليه، ولا يمكن أن نغض النظر عن بعض جوانبه أو مستوياته. فهو مرفوض جملة وتفصيلًا. ومشاكل الوطن لا يمكن أن تعالج بالعنف واستخدام القوه العنفية العارية. من هنا فإننا نرفض رفضًا قاطعًا التوجه نحو اقتناء الأسلحة أو تخزينها، ونعتبر أن هذا التوجه من التوجهات الخطيرة، التي تعقّد مشاكل الوطن ولا تعالجها، وتزيد من الإحن والخوف بين المواطنين. ونعتبر أن هذا التوجه خطير وفق كل المقاييس على راهن المنطقة ومستقبلها

2- إن انسداد أفق الحياة السياسية والوطنية وشعور طرف من الأطراف أنه مستهدف في أمنه واستقراره، لا يبرر له اللجوء إلى العنف وتخزين الأسلحة والمتفجرات. فمهما كانت الأوضاع صعبة أو سيئة فإن اللجوء إلى العنف أكثر صعوبة وخطرًا على الجميع. صحيح قد نمتلك القدرة على اقتناء سلاح أو قنبلة، ولكن استسهال استخدامها في أيِّ مكان في الوطن، هو الذي ينبغي أن نحذّر منه. فالمطالب السياسية أو الفئوية أو أيِّ شكل من أشكال المطالب المشروعة لا يمكن أن تتحقق بوسيلة العنف واستخدام السلاح. العنف لا يعالج المشاكل بل يزيدها خطورة وتعقيدًا على كل المستويات. والمطلوب دائمًا من كل المكونات والتعبيرات رفع الغطاء الديني والاجتماعي والسياسي عن كل المجموعات والأفراد الذين يلجؤون إلى العنف أو يدعون إليه ويحرضون على ممارسته واستخدامه. فالعنف ضد الاستقرار العميق في مجتمعاتنا، ولا يمكن اللجوء إلى هذا الخيار مهما كانت الصعوبات والمشاكل. فمن حق أيِّ مواطن أن يعالج مشاكله ويطالب بتحسين أوضاعه، ولكن ليس من حق أحد حرق الوطن وإسقاطه في محرقة العنف الأعمى الذي يدمر كل شيء بدون جدوى وفائدة. ولنا عبرة عميقة من كل التجارب والمجتمعات، فالعنف دمر كل المجتمعات والتجارب، واللجوء إليه هو بمثابة اللجوء إلى الخيار الخاسر على كل المستويات. فالعنف يدمر ولا يبني، يقتل ولا يحيي، يفاقم من الأزمات ولا يعالجها.

3- إن عملية اكتشاف خلية العبدلي وكذلك الأعمال التفجيرية والإرهابية التي قامت بها داعش في بيوت الله في أكثر من موقع في المملكة، كل هذا يؤكد أننا في المنطقة نواجه عدوين أساسيين، وهما:

1- العنف واستخدام القوه العارية كوسيلة من وسائل تغيير المعادلات أو الوصول إلى الأهداف والغايات.

2- والطائفية بكل مخزونها الإلغائي والإكراهي. وإن العنف يتغذى ضمن ما يتغذى عليه على الطائفية، وإن مسوغ ممارسة العنف شيوع ظاهرة التخندق الطائفي. لذلك فإننا نعتقد أن أمن واستقرار المنطقة، يتطلَّب العمل على إنهاء الطائفية والعنف في المنطقة. وهذا بحاجة إلى عمل أمني وثقافي وسياسي واجتماعي، لتغيير بعض المعادلات، التي تغذي أهل العنف كما تغذي أهل الطائفية. وبدون هذا العمل المستديم والمتواصل والجاد ستبقى المنطقة تعاني من جراء هذه الممارسات التي تستهدف تفكيك مجتمعاتنا وإسقاطها في أتون الفتن الطائفية، وتدمير مكاسب الوطن عبر ممارسة العنف والتفجيرات. من هنا ينبغي أن نرفع الصوت عاليًا ضد العنف بكل مستوياته ومبرراته. وندعو الجميع إلى ضرورة تفعيل صيانة الوطن من كل المخاطر والتحديات. وإن هذه الصيانة تتطلب من الجميع الوقوف بحزم ضد كل نزعة تفرق بين المواطنين على أساس طائفي أو مذهبي.

وخلاصة القول: أن سلامة أوطاننا من كل هذه الأمراض هو الذي يمنحنا القدرة والقوة، وأن جميع أبناء الوطن يجب أن يرفعوا أصواتهم ضد العنف والطائفية؛ لأن التخلص منهما هو ضمان أمننا واستقرارنا السياسي العميق.

ظاهرة العنف من منظور الثقافة السياسية

لا ريب أن ظاهرة العنف بكل مستوياتها نتاج عوامل وأسباب عديدة، ولا يمكن إدانة العنف لإنهائها إلَّا بإعطاء تفسير علمي واجتماعي دقيق وواقعي، لطبيعة العوامل والأسباب التي تشكّل بشكل مباشر ظاهرة العنف بكل مستوياتها.

وحين التأمل في طبيعة وخيارات الثقافة السياسية السائدة في المنطقة العربية ندرك أن هذه الثقافة وخياراتها وطبيعة نظرتها للسلطة السياسية ودور قوى المجتمع وتعبيراته المتنوعة، هو أحد العوامل الأساسية لإنتاج ظاهرة العنف. بمعنى أن السياسة كممارسة وخيارات هي على المستوى المبدئي القادرة على تفكيك موجبات العنف، وهي القادرة على معالجة الملفات الشائكة في أيِّة بيئة اجتماعية، بعيدًا عن خيارات العنف ومتوالياته المباشرة ذات الطبيعة الاستئصالية.

ويبدو أنه بدون تغيير أو تجديد نمط الثقافة السياسية في المنطقة العربية، لن يتمكن العرب من الانعتاق من ظاهرة العنف. وثمَّة أسباب عديدة لهذه المسألة، إلَّا أن من أهم هذه الأسباب النقاط التالية:

1- السياسية ممارسة وحشية أم مدنية

لو تأملنا قليلًا في طبيعة ومعنى السياسة في المنطقة العربية لوجدنا أن هذا المعنى ولوازمه العملية، هو الذي يساهم في إنتاج ظاهرة العنف، وأن هذا المعنى غير قادر على معالجة هذه الظاهرة، وأن الممارسات السياسية المتبعة تساهم في تأجيج كل العوامل المفضية إلى العنف الرمزي أو المادي.

فالسياسة في أغلب دول المنطقة العربية لا تمارس بوصفها حقلًا مدنيًّا وبعيدًا عن إحن التاريخ والنزعات الأيديولوجية الصارخة، وإنما تمارس وكأنها حقل وحشي؛ لذلك فإنها تتوسَّل بوسائل غير مدنية لإدارة مصالحها أو منع تجاوزها؛ لذلك تغيب من أغلب المجتمعات العربية فكرة التنافس السياسي السلمي والبعيد عن نزعات الخصومة والعداء.

ووفق هذه الممارسة نتمكن من القول: إن الممارسة السياسية في أغلب دول العالم العربي تساهم في إنتاج ظاهرة العنف بالمستويين الرمزي والمادي، وإنه ما دام التعامل مع السياسة بعيدًا عن مقتضيات المدنية والسلمية فإنها لا تنتج إلَّا العنف، ولن نتمكن من إنهاء هذه الظاهرة الخطيرة على الممارسة السياسية وكذلك على المجتمع بكل دوائره ومستوياته، إلَّا بتأسيس الممارسة السياسية والتنافس السياسي بين التعبيرات والمكونات السياسية على قاعدة أن هذه الممارسة تجري في سياق النشاط المدني والذي يدير كل الممارسات السياسية بعيدًا عن نزعات الإلغاء والإقصاء والتوحش.

ولو تأملنا في البواكير الأولى لنشوء ظاهرة العنف في المنطقة العربية لوجدنا أن الحاضنة الأساسية والفعلية لهذه البواكير، هي نزعات التوحش في الممارسة السياسية والتي حولت البعض من موقع من يطمح إلى خدمة مجتمعه وأمته وانطلاقًا من النشاط السياسي-المدني، إلى اللجوء إلى العنف كردة فعل على ما تعرّض إليه من عنف نفسي وجسدي، أنهى من تفكيره إمكانية العمل السياسي من دون دفع الفاتورة العالية لهذه الممارسة.

وستبقى السياسة وممارساتها من أهم الحواضن المساهمة والمنتجة لظاهرة العنف المادي والرمزي.. فتحولت السياسة إلى فضاء لممارسة كل أشكال الخصومة والتوحش، للظفر بالهدف الذي تسعى إليه سواء كنت فردًا أو مؤسسة أو دولة. ويبدو أنه بدون تحويل السياسة من حقل لممارسة كل أشكال التوحش إلى حقل مدني تمارس فيه السياسة بوسائل تنافسية سلمية، وتتوسل في كل أهدافها وغاياتها بوسائل سلمية وبعيدة كل البعد عن العنف الرمزي أو المادي، لن تتمكن المجتمعات العربية من معالجة ظاهرة العنف السياسي.

فالسياسة ليست حقلًا للقتل والاغتيال أو ممارسة العنف المادي للوصول إلى الأهداف السياسية. فالسياسة كممارسة تدبيريه في المجتمعات هي بمثابة فن صناعة الخير العام، ولا يمكن أن يصنع الخير العام في أيَّة بيئة اجتماعية بوسائل عنفية وقسرية، وإنما يتحقق مفهوم صناعة الخير العام كلما تلتزم السياسة فكرًا وممارسة بالثقافة المدنية ومقتضياتها القانونية والدستورية والثقافية.

ونحسب أن من مآزق العالم العربي الراهنة، هو التعامل مع السياسة، ليس بوصفها ميدانًا للتنافس المدني والذي لا يتعدى حدود المدنية والإنسانية، وإنما بوصفها حقلًا للتوحش وممارسة القوة بعيدًا عن العقل والضوابط القانونية والأخلاقية.

لهذا تغيب في العديد من المجتمعات العربية القدرة على التسوية أو الحلول الوسطى، التي تراعي جميع الأطراف، وتعمل على ضمان حق جميع الأطراف.

الممارسة السياسية لا يمكنها أن تحقق انتصارات كاسحة على الطرف أو الأطراف السياسية الأخرى، ومن يمارسها بعقلية الانتصارات الكاسحة سيلجأ إلى ممارسة العنف الذي بدوره سيستدعي عنفًا مقابلًا، وبهذا تتحول الطموحات السياسية إلى عنوان لممارسة العنف في الفضاء الاجتماعي.

2- السياسة كممارسة هي فضاء للتعاون والتحالف والتضامن مع الآخرين، وليست فضاءً للتناكر والتباعد وغرس الأحقاد بين الناس. فكل الممارسات السياسية التي تمارس بذهنية التناكر وغرس الأحقاد ستساهم في إنتاج ظاهرة العنف.

أما الممارسات السياسية التي تمارس بعقلية التعاون والتضامن والتحالف فإنها تعزّز الثقافة المدنية والتعامل المدني مع السياسة فكرًا وممارسة.

وعليه فإن الثقافة السياسية التي تغلّب قيم التباعد والتناكر بين الناس أو أبناء الوطن والمجتمع الواحد، فإن هذه الثقافة السياسية تتحمل مسؤولية مباشرة في إنتاج ظاهرة العنف السياسي.

أما الثقافة السياسية التي تغلّب قيم التواصل والتعاون وتنمية المشتركات وتعزز النسيج الاجتماعي وتعمل على زيادة وتيرة التلاقي والتفاهم بين الناس فإنها ثقافة سياسية، تساهم بشكل مباشر في إنتاج الثقافة المدنية وتعزيز الخيار المدني في المجتمع.

وتأسيسًا على هذه الرؤية نتمكن القول: إن المنطقة العربية تعاني من أزمات ومشاكل عديدة، وإنه لا يمكن معالجة هذه الأزمات والمشاكل إلَّا بتغيير الثقافة السياسية السائدة في المجتمعات العربية.

وبوابة هذا التغيير والتجديد هي تغيير معنى السياسة والممارسة السياسية. فالسياسة ليست ممارسة للقهر وزيادة التوترات والمشاكل بين الناس، بل هي ممارسة لزيادة وتيرة التفاهم والتلاقي بين الناس، وتنمية الخير بكل مستوياته في المجتمع، والاستناد في كل هذه الممارسات على قناعة عميقة وينبغي أن تكون ثابتة في الثقافة السياسية، ومفادها الجوهري هو أنه كلما تبتعد هذه الثقافة من المعنى المتوحش في ممارسة السياسة فإن هذا المجتمع سيكون أقرب إلى الصلاح في كل شيء، أما إذا مورست السياسة بذهنية التوحش فإنها ستكون مصدر للكثير من الشرور في المجتمع.

وخلاصة الأمر: أن إنهاء ظاهرة العنف السياسي من فضائنا العربي يتطلب العمل على تبديل أسس ومرتكزات الثقافة السياسية، بحيث لا تكون مصدرًا لإنتاج العنف بكل مستوياته في المجتمع.

داعش وتفتيت المنطقة

على مستوى المآلات والمقاصد السياسية والموضوعية يمكن القول: إن ثمَّة علاقة موضوعية تصل في بعض الفترات إلى مستوى التخادم الموضوعي غير المباشر بين تنظيم داعش الإرهابي ومشروعات الولايات المتحدة الأمريكية.

فالمشروعات الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة قائمة على مركزية المشروع الصهيوني في المنطقة ومده بأسباب التفوق النوعي على عموم الدول العربية والإسلامية، وتضعيف الدول المركزية في المنطقة العربية ودفع الأمور على المستويين السياسي والميداني باتجاه تفتيت هذه الدول وتشجيع المكونات والتعبيرات الفرعية صوب بناء واقعها السياسي بمعزل عن شركاء الوطن. وهذا ما تشهده بعض المدن والقوى الاجتماعية والسياسية في العراق وسوريا، فكل المعطيات تؤكّد -بشكل لا لبس فيه- أن الإدارة الأمريكية تشجع بطريقة أو أخرى على تفتيت الدول العربية عبر إدخالها في أتون الصراعات الداخلية التي تصل إلى مستوى كسر العظم، والسعي عبر أقنية عسكرية وأمنية عديدة لاستهداف الجيوش العربية التي هي أحد عناصر الوحدة الوطنية في العراق وسوريا.

فحينما تتشظَّى المؤسسة العسكرية فإن الطريق لعملية التفتيت تبقى سالكة ومريحة لكل الإرادات الإقليمية والدولية التي تستهدف وحدة المنطقة. وثمَّة وثائق أمريكية وغربية عديدة تثبت وجود هذه الرؤية والمخطط لتصحيح اتفاقية سايكس بيكو، وتنفيذ خطة برنارد لويس القاضية بتقسيم 18 دولة عربية إلى مجموعة دويلات وإمارات صغيرة. ومن ضمن هذه الوثائق التي نشرتها مجلة القوات المسلحة الأمريكية بعنوان (حدود الدم)، والتي وضعها الجنرال المتقاعد رالف بيترز عام 2006. وتشير هذه الوثيقة إلى أن بلوغ هذه الغاية سيتم عير سلسلة نزاعات محلية وإقليمية، يؤدّي عنفها في النهاية إلى التخلُّص من حدود 1916م. إضافة إلى وثائق ومشروعات أخرى، كلها تتَّفق حول ضرورة إخضاع العالم العربي إلى تقسيم جديد. ويبدو من طبيعة الأحداث أن تفجير الأوضاع العربية من الداخل كما تمارسه جماعة داعش الإرهابية، هو أحد الطرق الأساسية لتحقيق التقسيم الجديد للمنطقة.

ولو تأملنا في مشروع داعش السياسي والميداني نجد أنه يلتقي موضوعيًّا مع الرؤية والمشروع الأمريكي في المنطقة، فتنظيم داعش بعملياته القتالية وبنهجه المتطرف الذي يحارب كل من يختلف معه، هو أحد أدوات التفتيت الفعالة في المنطقة اليوم.

وعليه فإن كل من يراهن على نجاح مشروع داعش في المنطقة، هو شريك في مشروع تجزئة وتفتيت المنطقة بمعايير طائفية ومذهبية، بحيث يبقى الكيان الصهيوني هو القوة المتحكمة في مسار المنطقة على المستويين الاستراتيجي والأمني.

ودائمًا ووفق تجارب سياسية عديدة، جماعات التطرف والإرهاب تخدم مشروعات دولية كبرى سواء بعلاقة ذاتية بهذه المشروعات الدولية الخطيرة أو عبر تحالف موضوعي، بحيث تصب نتائج أفعال هذه التنظيمات الإرهابية في مصلحة مشروعات ومخططات الغرب في المنطقة.

فالعلاقة على مستوى المآلات والنتائج بين تنظيم داعش الإرهابي وما تخطط إليه الولايات المتحدة الأمريكية للمنطقة قائمة ومتداخلة في أغلب ملفات المنطقة.

فأفعال داعش وإرهابها العابر للمناطق وسعيها الحثيث لخلط الأوراق وتجاوز الكثير من الخطوط الحمراء هو الذي أعاد بعض الحيوية للمشروع الأمريكي في المنطقة. فالعودة الأخيرة للولايات المتحدة الأمريكية ما كانت لتتم بدون بروز تنظيم داعش الإرهابي وإسقاطه لمدينة الموصل في شمال العراق وتهديده لمجمل العملية السياسية في العراق.

وإسراع داعش بعد سيطرتها على الرقة والموصل إلى إعلان دولة الخلافة ضمن حدود سيطرتها على بعض الأراضي العراقية والسورية هو أحد تجليات تقسيم المنطقة على أساس تحويل دول المنطقة إلى دويلات متحاربة ومتقاتلة بعضها مع بعض لاعتبارات مذهبية أو قومية. ولعل أحد العوامل الأساسية التي ساهمت في إنعاش وتظهير مشروع بايدن للعراق هو تنظيم داعش وإعلانه دولة الخلافة. فتنظيم داعش أوجد كل المبررات السياسية والأمنية والميدانية لمشروع بايدن للعراق.

فداعش مخترقة من قبل أجهزة عديدة، ولو تأملنا في عدد الغربيين الملتحقين بمشروع داعش الإرهابي ندرك أن للإدارات الغربية حضور أمني وازن في تنظيم داعش. وسعي الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية لمحاربة داعش وبناء تحالف دولي لمواجهته لا يعارض تلك الحقيقة السالفة الذكر.

فثمَّة ضرورات غربية لإنعاش اقتصادها المريض والغطاء المالي للتحالف الدولي سيقوم بهذه المهمة. كما أن المشروع الأمريكي -كما يبدو- ليس القضاء على داعش، وإنما تقليم أظافره؛ لأنه لم يستنفد كل أغراضه منه. فالحرب الأمريكية على داعش ستعيد هذا التنظيم الإرهابي إلى بيت الانسجام الاستراتيجي مع المشروع الأميركي في المنطقة؛ لأن الولايات المتحدة الأمريكية لا تسمح لأيَّة قوة سواء دولة أو جماعة أو تنظيم أن تتحوَّل إلى قوة وازنة في المنطقة بعيدًا عن المظلة الأمريكية. وبفعل التطرف المذهبي والاختراق الأمني ستتمكن الولايات المتحدة الأمريكية مجددًا من السيطرة على مسار حركة داعش في المنطقة.

فنهج هذا التنظيم الطائفي ساهم في تأجيج نار الفتنة الطائفية في عموم المنطقة، كما أن طموحها الأيديولوجي أخاف الكثير من دول المنطقة؛ لذلك نتمكن من القول: إن تنظيم داعش الإرهابي أعاد خلط الأوراق وساهم في إرباك المنطقة وجعلها مشغولة بذاتها، بحيث أضحى الكيان الصهيوني هو الطرف الوحيد المستريح من هذا الانشغال والارتباك.

ولأول مرة في تاريخ المنطقة الحديث تصبح كل دول وشعوب المنطقة مشغولة بذاتها وتعاني من الكثير من المشاكل الداخلية، بحيث أضحى الانشغال بالملفات الإقليمية الكبرى كالقضية الفلسطينية دونه صعوبات حقيقية.

فتنظيم داعش الإرهابي أعاد بناء الأولويات في المنطقة، بحيث أضحت الملفات الأمنية والسياسية الداخلية هي المسيطرة على أجندة وجدول الكثير من الدول والقوى السياسية في المنطقة.

وعليه فإن دول المنطقة جميعًا معنية بإفشال مشروع داعش التفتيتي للمنطقة، وذلك عبر الالتفات إلى النقاط التالية:

1- إن تنظيم داعش الإرهابي لا يمكن أن يواجه فقط بضربات عسكرية جوية، وإنما مواجهته بحاجة إلى مشروع سياسي رائد وطموح للمنطقة، يستهدف بالدرجة الأولى إنهاء المشكلات السياسية والأمنية بين دول المنطقة، وتعزيز أسباب التفاهم بينها، وتطوير نظام التعاون بين دول المنطقة. فقوة تنظيم داعش الإرهابي في الخلافات السياسية القائمة بين دول المنطقة؛ لذلك فإن معالجة هذه المشاكل وصياغة مشروع للتنسيق والتعاون بين دول المنطقة يعدّ إضافة ضرورية وحيوية في مواجهة تنظيم داعش الإرهابي.

2- كل دول المنطقة معنية بتنقية ساحاتها الداخلية من بعض الأزمات والمشاكل، التي تضر بمستوى الانسجام بين مؤسسة الدولة وقوى المجتمع المختلفة.

3- على الدول العربية أن تعبّر عن مخاوفها بشكل جدي من تقسيم العراق وسوريا؛ لأن تقسيم هذين البلدين سيدخل المنطقة بأسرها في أتون صراعات سياسية وطائفية بدون أفق سياسي أو إمكانية فعلية في التحكم بمسار هذه الصراعات. فمهما كان تقويم الدول العربية للنظامين السياسيين في العراق وسوريا فإن وحدة هذين البلدين من ضرورات الأمن القومي للمنطقة كلها، ولا يجوز وطنيًّا وقوميًّا الصمت أمام المحاولات الحثيثة التي تستهدف تقسيم سوريا والعراق.

ومن الضروري أن يدرك الجميع أن تقسيم العراق وسوريا إضافة نوعية لمشروع داعش في المنطقة وهيمنة صهيونية استراتيجية على عموم المنطقة؛ لذلك فإن الحرب ضد داعش تقتضي العمل على إفشال مخططاته التقسيمية للمنطقة.

من هنا فإن صيانة وحدة العراق وسوريا هي صيانة لوحدة كل دول المنطقة، وإفشال لمخطط داعش الإرهابي.

ولا يمكن أن نواجه تنظيم داعش ومخططات الغرب التقسيمية في ظل صمتنا على محاولات تقسيم العراق وسوريا. فلا مواجهة فعلية وفعَّالة لتنظيم داعش بدون سعي جميع العرب مهما كانت مواقعهم السياسي لإفشال مخططات تقسيم العراق وسوريا.

تعدد الانتماءات والوحدة السياسية

دائمًا المجتمعات المتعددة والمتنوعة سواء كان أفقيًّا أو عموديًّا، تولي لموضوع وحدتها الاجتماعية والوطنية أولوية خاصة؛ وذلك لأن طبيعة الاختلاف في الانتماءات والميولات والخصوصيات الثقافية يملي على مؤسسة الدولة أهمية الحفاظ على وحدة هذا المجتمع والوطن، بحيث لا تتحول الانتماءات المتعددة في الإطار الوطني والاجتماعي الواحد إلى مبرر لتضعيف البناء الوحدوي للمجتمع والوطن.

ولو تأملنا في الخريطة الأيديولوجية والمذهبية والقومية للمجتمعات الإنسانية اليوم، لرأينا أن كل المجتمعات الإنسانية تعيش حقيقة أو أكثر من حقائق التنوع والتعدد، وأنه لا يوجد على وجه البسيطة مجتمع متجانس في كل دوائر الانتماء التي تعيشها المجتمعات الإنسانية المعاصرة.

فإذا كان المجتمع موحَّدًا في دينه فهو يعيش حالة التعدد والتنوع على مستوى المذهب والمدارس الفقهية الإسلامية. وإذا كان موحَّدًا في الدين والمذهب نجد أن تعدده وتنوعه يأتي من البعد القومي أو العرقي للمواطنين.

وعليه فإن المجتمعات الإنسانية قاطبة تعيش حالة التعدد والتنوع.

وإن وحدة هذه المجتمعات لم تنجز على أنقاض حقائق تنوعها وتعددها، وإنما أنجزت من خلال احترام هذه الحقائق وإفساح المجال لها لإثراء الواقع الاجتماعي والثقافي من خلال خصوصياتها وعناصر القوة الذاتية.

وعليه فإننا نرى أن الوحدات الوطنية في المجتمعات المتنوعة لا يمكن أن تبنى وتصان من خلال تجاهل حقائق التنوع والتعدد فيها؛ لأن عملية التجاهل المنهجية تحرض أهل كل هذه الحقائق للتمسك الصلب بحقائقها وثقافتها لأنها بدأت تشعر أنها مستهدفة في بعض خصوصياتها أو ثقافتها.

وبالتالي فإن المطلوب في المجتمعات المتنوعة هو كيف نحافظ ونحمي وحدتنا الاجتماعية والوطنية في ظل واقع اجتماعي متعدد ومتنوع.

حين الاقتراب الموضوعي من هاتين الحقيقتين: حقيقة الوحدة الوطنية التي هي من ضرورات الوجود والمنعة، وحقيقة التنوع الذي يعيشه المجتمع على أكثر من مستوى نجد أن المطلوب أمام هذه الحقائق الالتزام بالنقاط التالية:

1- الالتزام بسياسات الاحترام والاعتراف بالحقائق الموجودة في المجتمع؛ لأن تجاهل هذه الحقائق سيقود إلى تمسك أصحابها بشكل صلب، مما يقلل من إمكانية بناء الوحدة الوطنية على أسس صلبة وصريحة.

كما أن العمل على إفناء أو مخاصمة هذه الحقائق سيقود المجتمع على المستوى العملي إلى التحول إلى مجتمعات متعددة ولكنها تعيش تحت سقف وطني واحد.

ولكن مع انفجار الهويات الفرعية لأغلب الانتماءات الموجودة في مجتمعاتنا، فإن وجود مجتمعات متخاصمة أو متباعدة في إطار وطني واحد، فإنه سيفضي باستمرار إلى دخول الوطن في تحديات ومشاكل لا يمكن معالجتها؛ لأن هذه التحديات تتغذى باستمرار من حالة الشعور العميق لجميع هذه الانتماءات للتعبير عن ذاتها بشكل صريح وفاقع.

وهذا بطبيعة الحال -في ظل غياب العلاقة السوية والايجابية بين مختلف المكونات- سيؤدي إلى توتر العلاقة ويفاقم من حالات غياب الثقة ببين جميع الأطياف والتعبيرات.

لذلك فإننا نعتقد أن أسلم الخيارات وأصوبها هو التعاطي الإيجابي مع حقائق التنوع والتعدد وضبطها جميعًا بقيم الوحدة الوطنية ولوازمها الأخلاقية والقانونية.

ولو نظرنا إلى المجتمعات الإنسانية المتقدمة والمتطورة، والتي تعيش حقائق التنوع على أكثر من صعيد ومستوى، لوجدنا أن هذه المجتمعات، لم تتجاهل حقائق التنوع في مجتمعها، كما أنها لم تتعامل معها بقسوة، وإنما احترمت هذه الحقائق ووفرت لها قانونيًّا واجتماعيًّا التعبير السلمي والموضوعي عن ذاتها وضبطت كل هذه الخصوصيات والتعبيرات بمنظومة أخلاقية وقانونية، بحيث يحترم الجميع مقتضيات الوحدة الوطنية ومتطلباتها الوطنية والاجتماعية.

وعليه فإننا نرى أن أسلم الخيارات المتاحة للتعامل مع المجتمع المتعدد والمتنوع هو الاعتراف بهذه الحقائق والتعامل معها بوصفها هي من عوامل تعزيز الوحدة الوطنية وليس من مخاطرها أو نقاط ضعفها.

2- في الوقت الذي ندعو الجميع للالتزام بسياسات الاعتراف والاحترام لحقائق التنوع الموجودة في المجتمع والوطن، ندعو في الوقت ذاته إلى بناء مجتمع سياسي موحَّد وبعيد عن كل نزعات التمترس الطائفي أو القومي أو العرقي.

نحن مع احترام التنوع في الدائرة الاجتماعية، ولكننا ضد نقل هذا التعدد إلى مؤسسة الدولة أو ما يمكن أن نطلق عليه المجتمع السياسي.

نعترف بالتعددية في الدائرة الاجتماعية، ولكن في المجتمع السياسي ينبغي أن نحافظ على الوحدة بكل مستوياتها وتجلياتها، بحيث تكون المواطنة -بكل حمولتها الحقوقية والدستورية- هي معيار من يحق له الالتحاق بالمجتمع السياسي.

وبهذه الطريقة نحن نحافظ على وحدة المجتمع والوطن من خلال بناء الوحدة الوطنية والاجتماعية على قاعدة القبول التام بكل حقائق التعدد والتنوع.

وفي هذا السياق من الضروري بيان أننا ضد أية مخاصمة طائفية أو عرقية أو قومية في المجتمع السياسي ومؤسسات الدولة.

فالكفاءة الوطنية وحدها هي مقياس من يحق له المشاركة في عضوية المجتمع السياسي.

وإن اعترافنا بحقائق التنوع والتعدد ينبغي أَلَّا يتعدى الميدان الاجتماعي والثقافي بكل مستوياتها.

فالدولة بكل مؤسساتها موحدة، ومعيار الشراكة فيها هو الكفاءة الوطنية. أما المجتمع فهو يعيش حالة التنوع بكل مستوياتها، ويتنافس الجميع في الدائرة الاجتماعية بدون أيِّ ضغط سلبي على أي مستوى من مستويات الانتماء الموجودة في المجتمع.

3- في الوقت الذي ندعو إلى احترام كل حقائق التنوع الموجودة في المجتمع، ندعو في الوقت ذاته إلى وطن واحد موحد يحتضن الجميع ويعمل على توفير كل مستلزمات الحياة الكريمة للجميع بدون تحيُّز لأحد أو افتئات على أحد. ووحدة الوطن ليس من القضايا القابلة للمقايضة، بل هي من الثوابت التي تصل إلى حد ما يطلق عليه المقدس السياسي، الذي ينبغي لكل أبناء الوطن الحفاظ عليه وحمايته من كل المخاطر والتحديات.

وبهذه الآليات نصل إلى معادلة قائمة على العناصر التالية: احترام كامل للخصوصيات الثقافية والاجتماعية ومجتمع سياسي موحد معيار الالتحاق به هو الكفاءة الوطنية بصرف النظر عن انتماءات هذه الكفاءات الوطنية، ووحدة وطنية لا مساومة عليها، وتصان وتحمى من الجميع، ويتم الدفاع عنها بالغالي والنفيس.

وفق هذه المعادلة تتمكن المجتمعات المتنوعة والمتعددة أن تبني وحدة وطنية صلبة، لا يخشى عليها مهما كانت التحديات أو المكائد التي يكيدها أعداء الوطن.

فالانتماءات بكل مستوياتها هي حقائق اجتماعية وثقافية عنيدة، وقادرة على الدفاع عن نفسها مهما كانت القوة التي تريد اجتثاثها أو استئصالها. وإن هذه الحقائق بحاجة إلى احترام قانوني ومؤسسي لوجودها وخصوصياتها، وإن هذا الاحترام القانوني والمؤسسي، سيحولها إلى طاقة خلَّاقة لإثراء حقائق الوحدة الوطنية، وستدافع بكل ما تملك عن وطنها ووحدته.

فلنتوحَّد ضد الفتنة الطائفية

في إطار النفخ الطائفي والشحن المذهبي المحموم، تأتي كل التصريحات والمقولات التي يطلقها دعاة الفتن من كل الأطراف، بغرض تعزيز فرص الفتن الطائفية في الواقع الإسلامي المعاصر. والإنسان لا يستطيع أن يدافع عن قناعاته بإثارة الفتن لأنه لا فائدة منها إلَّا المزيد من تأجيج الفتن الطائفية وشحن النفوس والعقول تجاه الداخل الإسلامي.

وفي سياق هذه التصريحات والتصريحات المضادَّة، التي هي من جوهر واحد، وهو الانخراط المتسارع في مشروع الفتنة الطائفية التي تحضر إلى هذه الأمة من أقصاها إلى أقصاها، نود التأكيد على النقاط التالية:

1- إننا نرفض وبشدة كل المقولات والتصريحات الطائفية من أيَّة جهة صدرت، ونعتبر أن دفع الأمور نحو الصدام المذهبي بين المسلمين هو من أكبر الجرائم التي ترتكب بحق المسلمين جميعًا. وإن وطننا العزيز من أقصاه إلى أقصاه ليس مكسر عصا لأحد، لذلك نرفض وبشدة أيَّة محاولة تستهدف تصدير بعض أشكال الفتن الطائفية، كما نرفض أيَّة محاولة للتعدي على هذا الوطن. فوطننا نفديه بالغالي والنفيس، ونرفض كل محاولات إقحامنا في مشروعات هذه الفتن والتشظِّيات الطائفية، سواء صدرت هذه المحاولات من شخصيات وجهات سنية أو شخصيات وجهات شيعية. فالأوطان لا يساوم عليها، ونرفض أيَّ شكل من أشكال المساس بها. وهذا الكلام ليس مزايدة على أحد، وإنما هو جزء من فهمنا لقيمنا وواجباتنا ومسؤولياتنا تجاه مجتمعنا ووطننا في آن.

وعليه فإننا ندعو كل أبناء وطننا من مختلف مواقعهم الفكرية والاجتماعية إلى الوقوف بحزم ضد كل محاولات زرع الفتن الطائفية بين أبناء مجتمعنا وعدم التساهل مع كل أشكال إذكاء روح الانقسام المذهبي في وطننا.

2- إن المخطط الذي يستهدف إسقاط الأمة جمعاء في أتون الحروب المذهبية الكامنة والصريحة كبير ومتعدد الأشكال والأساليب والجوانب؛ لذلك فإننا بحاجة اليوم إلى مشروع إسلامي متكامل، تشترك فيه جميع المؤسسات والمعاهد والقوى والفعاليات لإفشال هذا المخطط، والحؤول دون سقوط الأمة أو بعض أطرافها في أتون هذه الفتن العمياء، التي لا يربح منها إلَّا أعداء الأمة.

والخطير في هذا الأمر أن صناع الفتن ليسوا على شكل واحد، أو نمط محدد، وإنما هم يتلونون ويتعددون، ويأتون من أجل تنفيذ مخططهم الجهنمي من أبواب متفرقة ووسائل متنوعة؛ لذلك فإننا نرفض أن ننجر إلى مشروع الفتنة الطائفية، ونعتبر أن الانجرار إلى هذه الفتن هو أكبر خدمة تقدم إلى أعداء الأمة، كما أنها تساهم في حرق تاريخ أيِّ إنسان الديني والوطني والأخلاقي.

وإن كل التصرفات الشائنة التي يقوم بها بعض السنة أو بعض الشيعة، ينبغي أن تكون موضع إدانة صريحة وواضحة؛ لأن الظلم مرفوض والافتئات على الحقوق والكرامات مرفوض، ولا يمكن أن نعالج هذه الممارسات بالقيام بمثلها تجاه الطرف الآخر، وإنما بإدارة هذه المشاكل والبحث عن حلول ناجعة بعيدًا عن نزعات التشظي الطائفي والمذهبي.

والواقع الإسلامي اليوم مليء بكل الصور والحقائق، التي تبرر لأيِّ إنسان ومن أيِّ موقع مذهبي كان، للانزلاق صوب المساهمة المباشرة في إذكاء الفتنة والتوتر المذهبي، ولكن دائمًا وأبدًا النار لا تُطْفَأ بنار مثلها.

لذلك فنحن جميعًا بحاجة إلى وعي عميق بمخاطر هذه الفتن على الجميع، وبعمل مستديم من أجل تفكيك كل العقد وعناصر التوتر التي تُذكي أوار الاحتقان الطائفي بكل صوره وأشكاله.

3- علماء الأمة ومؤسساتها الدينية والشرعية تتحمل مسؤولية كبرى للمساهمة الفعَّالة في وأد الفتنة الطائفية التي بدأت تطل برأسها النتن في أكثر من بلد عربي وإسلامي. فكما أن هناك قوى وفعاليات علنية وخفية تعمل ليل نهار من أجل إسقاط الأمة في أتون الاحتراب الطائفي، ينبغي أن تكون هناك قوى وفعاليات وعلى رأسها علماء الأمة ومؤسساتها الدينية تعمل من أجل إفشال هذا المخطط الجهنمي الذي يستهدف الأمة في حاضرها ومستقبلها، والتعاون من أجل تعزيز قيم الأخوة والتعايش السلمي بين جميع مكونات الأمة.

وفي هذا السياق نحمّل جميع هذه المؤسسات الدينية مسؤولية رفع الغطاء الديني والشرعي عن كل التصريحات والممارسات التي تستهدف بثّ الكراهية بين المسلمين أو تأزيم العلاقة بين تعبيراتها المذهبية.

فحينما يقف علماء الأمة أمام مقدمات الحروب المذهبية فإن قدرة الأمة على إفشال مخططات الفتنة تكون فعَّالة، أما إذا صمت علماء الأمة، وتمادى صانعو الفتنة من كل الطوائف والأطراف فإن مخاطر السقوط في مستنقع الحروب المذهبية سيكون كبيرًا؛ لذلك من الضروري عدم التساهل مع كل التصريحات والممارسات التي تسوّغ الاحتراب الداخلي بين المسلمين.

4- إننا ندعو أهل الاعتدال والوسطية والتلاقي من كل الطوائف والمذاهب إلى فتح جسور اللقاء والتلاقي والتفاهم والتعاون، من أجل إرساء حقائق هذه القيم في الفضاء العام للمسلمين.

فلا يكفي اليوم أن نلعن ونرفض ظلام الفتنة والاحتراب المذهبي، وإنما نحن بحاجة إلى التعاون والتعاضد لتنقية الساحات الإسلامية من جراثيم التطرف والغلو ونزعات الإلغاء والإقصاء هذا من جهة، ومن جهة أخرى للعمل المؤسسي في كل الفضاءات الوطنية والاجتماعية لتعزيز قيم الوحدة والتفاهم والتلاقي؛ لأن الاحتراب الطائفي يدمر الجميع، ويُنهي كل أشكال الاستقرار السياسي والاجتماعي، ولا سبيل لوأد مشروع الفتن الطائفية إلَّا بالوعي بمخاطرها والوقوف ضدها وفضح مآلاتها والعمل على تشبيك العلاقة بكل مستوياتها بين مكونات الأمة. وإنه آن الأوان منا جميعًا لرفع الصوت ضد كل أشكال بثّ الكراهية بين المسلمين وتحضير المسرح الاجتماعي والسياسي للحروب المذهبية في جميع بلدان العرب والمسلمين.

فتعالوا جميعًا نحمي أوطاننا وأمننا الاجتماعي والسياسي برفض مشروع الاقتتال الطائفي في الأمة.

الوطن أولًا ودائمًا

عديدة هي الدروس والعبر التي أثارتها التحولات السياسية التي جرت في أكثر من بلد عربي، ولكن ما لفت نظري لدى الشعوب العربية، التي نزلت إلى الشارع وتحركت من أجل إصلاح أوضاعها وتطوير أحوالها هو النزعة الوطنية، التي عبَّر عنها الناس بأساليب وطرق مختلفة.

فالشباب التونسي الذي نزل إلى الشوارع، وتحمل الشدائد وطالب بإحداث تغيير سياسي واقتصادي في بلده، كان يردد دائمًا شعارات تعزز من الوطنية التونسية، وإن هذه الوطنية تستحق بذل الغالي والنفيس من أجل صيانتها وحمايتها من كل المخاطر سواء كانت داخلية أو خارجية.

والأمر ذاته أيضًا تحقق وبصورة أكثر بروزًا ووضوحًا في التجربة المصرية. فكل الفئات والشرائح كانت تنادي بالوطنية المصرية، وإن هذا الوطن هو بمثابة الأم الرؤوف بجميع أبنائها مع اختلاف وتمايز هؤلاء الأبناء على أكثر من صعيد ومستوى. وكان ميدان التحرير في القاهرة هو المنصة الكبرى التي عبَّرت فيها كل الشرائح والفئات عن مصريَّتها واعتزازها العميق بوطنيتها التي تستحق منهم كل تبجيل وتضحية. والأمر ذاته -وإن بمستويات متفاوتة- تكرر في التجارب والدول العربية الأخرى.

فالجميع رفع شعارات العزة للوطن، والجميع نزل إلى الميادين وطالب بالإصلاح والتغيير من أجل أن يرى شعبه ووطنه في حال أفضل مما هو عليه.

والملفت في كل هذه التحولات والتجارب أن كل اليافطات والشعارات والهموم وطنية، مع تراجع ملحوظ على مستوى الشعار والمطالب للهموم والقضايا التي تتجاوز حدود الوطن.

فالوطن والانتماء إليه لم يعد قلقًا في نفوس الناس وعقولهم، وإنما هو انتماء راسخ وعميق، وقد عبّروا عن هذا الانتماء بطرق ووسائل مختلفة، ولكنها جميعًا تشترك في إبراز أولوية الوطن وهمومه، وإن الجهود ينبغي أن تبذل من أجل تطوير أحواله وإصلاح أوضاعه.

ولم يشعر هؤلاء بأيِّ تناقض بين مطالبتهم بالإصلاح والتغيير وانتمائهم الوطني، بل على العكس من ذلك تمامًا؛ إذ عبَّر هؤلاء أن صدق انتمائهم لوطنهم وحبهم لشعبهم ومجتمعهم، هو الذي دفعهم للمطالبة بالإصلاح والتغيير.

فحب الوطن لا يعني فقط التغنِّي العاطفي به، وإنما الالتزام العميق بقضاياه ومصالحه العليا، والعمل الدائم لتطوير أوضاعه؛ لأن الحب الصادق إلى الأوطان هو الذي يدفع الإنسان إلى الإيمان بأن وطنه يستحق أن يكون في مقدمة ركب الشعوب والأوطان.

فالوطن ليست أرضًا بلا روح، بل هو الروح الممزوجة بحب الأرض والبشر، ومن يكره أبناء وطنه مهما كان سبب الكره، فهو في حقيقة الأمر لا يحب وطنه، بل يحب نفسه وأناه، ويبحث عن وطن بمقاسه هو فقط. بينما الأوطان هي القلب الكبير لكل أبنائه، وإن من ينتمي إلى هذا الوطن ينبغي أن يحترم ويحب وفق مقتضيات الوطن والمواطنة.

فالعلاقة بين الوطن والمواطن علاقة عميقة، فحب الوطن يقتضي بالضرورة حب المواطن، والمواطن لن يتصف بهذه الصفة بدون وطن يجمع جميع المواطنين. وإن الكثير من المشكلات القائمة في العديد من البلدان هو من جراء الفصل وعملية التفكيك بين الوطن والمواطن، فتجد الإنسان الذي يمارس عملية التفكيك يصدح بحب الوطن ويتغنَّى به ويدبج القصائد والمقالات في الوله والعشق لهذا الوطن، ولكنه ولاعتبارات عديدة -لسنا في صدد بيانها- لا يصون حرمة شريكه في الوطن، أو لا يعطيه الأولوية في فرص العمل والتشغيل، فعشق الوطن لم يتحول إلى استراتيجية ومشروع عمل لديه، فالوطن بالنسبة إليه هو عملية الأخذ؛ لأن العطاء للوطن وحمايته يعني على المستوى الفعلي هو العطاء للمواطن وحماية مصالحه المختلفة. فالذي يحترم وطنه ينبغي له أن يحترم أبناء وطنه، وعملية التفكيك والفصل في عملية الاحترام هي بوابة المشاكل والأزمات على أكثر من صعيد ومستوى.

وعليه فإن حب الوطن والالتزام بقضاياه ومصالحه العليا ليس مجالًا للمزايدة بين مكونات الوطن، بل هو مجال للمنافسة والقيام بخطوات ملموسة في حماية الوطن والمواطنين بعيدًا عن النزعات النرجسية والشوفينية.

فالأوطان لا تحمى بالمزايدات الجوفاء، بل بالعمل والإنتاج والتنمية والبناء العلمي والاقتصادي، فكل خطوة ومبادرة في هذا السبيل هي حماية للوطن ومصالحه، فمن يحب وطنه ويعمل على حمايته من الأخطار لا يعطّل معاملات المواطنين في الدوائر الحكومية، ومن يحب وطنه ويعمل على حمايته يمارس عمله على أكمل وجه بدون تسيّب أثناء الدوام الرسمي، ومن يحب وطنه لا يفضل العمالة الأجنبية على العمالة الوطنية، ومن يحب وطنه لا يتعدى على الممتلكات العامة، ومن يحب وطنه لا يهرب أمواله إلى الخارج، بل يعمل على استثمارها في داخل وطنه.

وخلاصة القول في هذا السياق: أن حب الوطن ليس لقلقة لسان، وإنما هو التزام بأولوية الوطن على كل الصعد والمستويات. ومن يعتبر الوطن ومصالحه أولويته سيعمل من أجل القبض على كل أسباب وعوامل تقدمه في كل المجالات والجوانب؛ لهذا فإن علاقة الإنسان بوطنه ليست خاضعة لمزايدات من هذا الإنسان أو ذاك الطرف؛ لأن الإنسان بطبعه مهما كان فكره، هو مجبول على حب وطنه وعشقه. ومن الخطأ الذي يرتكبه البعض هو حينما يدفع الأمور باتجاه مربع الاتهام، وكأنه هو مانح شهادات الوطنية أو القابض على مفتاح الوطن.

علاقة الإنسان بوطنه هي علاقة صميمية، وتأخذ هذه العلاقة على مستوى التعبير أشكالًا متعددة، والاختلاف في الرأي أو الموقف الفكري ليس مؤشرًا إلى حب الوطن أو كرهه؛ لأن هاتين المسألتين مختلفتان في الطبيعة والدور والوظيفة. فنحن مهما كانت الصعوبات لن نضحّي بوطننا من أجل مصالح الآخرين؛ لأنه -ببساطة شديدة- هو الوطن الذي لا نعرف بديلًا عنه.

فالإنسان مهما كانت مشاكله وصعوباته الأسرية والاجتماعية فإنه لن يضحّي بأمه، وعلاقة الإنسان بأمه لا تحتاج إلى مزايدة أو ادعاءات من هنا أو هناك، كذلك هي علاقة الإنسان بوطنه هي قائمة على الحب، وهذا الحب مركوز في دواخل قلب الإنسان وروحه، هذا على المستوى العاطفي والقلبي، والإنسان حينما يطالب بتحسين أوضاعه أو تطوير أحواله فإنه لا يطالب بأشياء مناقضة لحبه إلى وطنه أو مواطنيته، بل على العكس من ذلك تمامًا، إذ إن الإنسان الذي لا يعرف لوطنه بديلًا هو الذي يسعى دائمًا إلى التطور والتقدم؛ لأنه يحلم ويأمل أن يكون وطنه هو أفضل الأوطان، وأن يكون شعبه هو أفضل الشعوب.

وفي سياق المحافظة على مقتضيات الشراكة الوطنية أودُّ التأكيد على النقاط التالية:

1- ليس من الشراكة الوطنية في شيء أن يسمح الإنسان لنفسه التعدي على حقوق وعقائد المواطنين الذي يشتركون معه في الوطن والمصير.

فمن حق أيِّ مواطن أن يقبل أو يرفض قناعات وأفكار المواطن الآخر، ولكن ليس من حقه أن يتعدى عليها، فلا تنسجم فكرة التعدي على أفكار ومقدسات المواطنين مع مقتضيات المواطنة والشراكة الوطنية. والأوطان لا تحمى ببث الكراهية والعداوة بين المواطنين، مهما كانت قناعتك تجاه أفكار هذا الطرف أو ذاك.

2- إن تعدد الآراء والقناعات عند المواطنين لا يحكم إلَّا في ظل سيادة القانون، فهو الذي يضبط النزاعات والتباينات، وهو الذي يحول دون تحول التباينات إلى معاول هدم للنسيج الوطني والاجتماعي.

لهذا فإننا جميعًا ينبغي أن نكون تحت سقف القانون، وننضبط بضوابطه، بعيدًا عن النزعات الذاتية. وهذا بطبيعة الحال يقتضي العمل على سن قوانين واضحة لكل المجالات والحقول، حتى يتسنى للجميع حماية حقوقه المادية والمعنوية بالقانون.

لهذا يقول الباري عز وجل: {وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ}[5].

3- إننا جميعًا ومن مختلف مواقعنا الأيديولوجية والفكرية ومناطقنا الجغرافية، نعيش في سفينة وطنية واحدة. وإن هذه السفينة تتطلب منا التعاون والتضامن وإصلاح علاقاتنا البينية على أسس المواطنة المتساوية والاحترام المتبادل. فهذا هو خيارنا لحماية سفينة الوطن من كل المخاطر والتحديات، وسيبقى هذا الوطن من أقصاه إلى أقصاه هو معقد آمالنا، وفضاء جهدنا العلمي والتنموي والثقافي.

والوطني الحق هو الذي لا يعادي أبناء وطنه، أو يكرههم لاعتبارات مذهبية أو جهوية، بل يعمل على حمايتهم وصيانة حقوقهم بعيدًا عن كل افتئات وظلم.

..............................................
[1] مجموعة باحثين، العنف قضايا وإشكاليات، بيروت: مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، 2018م، ص13.
[2] المصدر السابق، ص58.
[3] مجموعة المؤلفين، تأويليات العنف، مؤسسة مؤمنون بلا حدود للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 2019م، ص88.
[4] مجموعة مؤلفين، التعصب والتطرف والعنف، مقاربات في المجتمع والدولة والدين، مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، الطبعة الأولى، 2019م، ص86.
[5] سورة هود، الآية 85.

اضف تعليق