تواصل السلطات الحكومية في ميانمار تجاهلها لقرارات المجتمع الدولي من خلال ارتكاب الانتهاكات الخطيرة ضد الاقليات المسلمة (الروهينغا)، وهوما عمّق الكارثة الإنسانية فمنذ أن بدأت الحملة العسكرية للتطهير العرقي في أغسطس/آب 2017. أنكرت الحكومة وكما نقلت بعض المصادر أدلة مستفيضة على الأعمال الوحشية، ورفضت السماح لمحققين مستقلين بالوصول إلى ولاية راخين، وعاقبت صحفيين محليين بسبب إبلاغهم عن الانتهاكات العسكرية.، ووجدت بعثة أممية لتقصي الحقائق أن الانتهاكات العسكرية التي ارتكبت في ولايات كاشين وراخين وشان منذ 2011 "ترقى بلا شك إلى أخطر الجرائم بموجب القانون الدولي"، وطالبت أن يواجه كبار المسؤولين العسكريين، بمن فيهم رئيس الأركان الجنرال مين أونغ هلاينغ، التحقيق والملاحقة القضائية بتهمة الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب.

وواجهت ميانمار ايضاً إدانة دولية في 2018 عن الفظائع العسكرية ضد الروهينغا. في يونيو/حزيران، فرض الاتحاد الأوروبي وكندا عقوبات على 7 مسؤولين عسكريين لتورطهم في عمليات ولاية راخين. في أغسطس/آب، فرضت الولايات المتحدة عقوبات مالية وعلى السفر ضد 4 من قادة قوات الأمن ووحدتين عسكريتين. وتبنى "مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة" قرارا في سبتمبر/أيلول، صاغه الاتحاد الأوروبي و"منظمة التعاون الإسلامي"، تم بموجبه إنشاء آلية لجمع وحفظ وتحليل الأدلة المتعلقة بالجرائم الجسيمة المرتكبة في ميانمار، وإعداد ملفات للملاحقة القضائية.

في سبتمبر/أيلول، أطلقت المدعية العامة لـ "المحكمة الجنائية الدولية" تحقيقا أوليا كاملا في ترحيل ميانمار للروهينغا، بعد صدور قرار يؤكد اختصاص المحكمة في النظر في الجريمة على أساس أنها ارتُكبت في بنغلادش، وهي دولة عضو في المحكمة الجنائية الدولية. أعربت عدة دول عن دعمها لإحالة مجلس الأمن الدولي القضية إلى المحكمة الجنائية الدولية، بمن فيهم أعضاء في المجلس كالسويد وهولندا، لمعالجة المجموعة الكاملة للجرائم الدولية المزعومة في ولايات كاشين، راخين، وشان.

إجراءات عاجلة

وفي هذا الشأن أمرت محكمة العدل الدولية ميانمار باتخاذ إجراءات عاجلة لحماية سكانها الروهينجا المسلمين من أعمال العنف في حكم وصفته جامبيا التي رفعت القضية بأنه ”انتصار للعدالة الدولية“. وقدمت جامبيا الدعوى القضائية في نوفمبر تشرين الثاني أمام محكمة العدل الدولية، أعلى محكمة تابعة للأمم المتحدة لنظر النزاعات بين الدول، متهمة ميانمار بارتكاب إبادة جماعية ضد الروهينجا بما ينتهك اتفاقية 1948.

وقد يستغرق القرار النهائي للمحكمة أعواما، وتعلق الحكم الصادر فحسب بطلب جامبيا اتخاذ إجراءات تمهيدية. لكن هيئة المحكمة المؤلفة من 17 قاضيا قالت في حكم صدر بالإجماع إن الروهينجا يواجهون خطرا مستمرا ويتعين على ميانمار حمايتهم. وقال رئيس هيئة المحكمة القاضي عبد القوي يوسف أثناء تلاوة ملخص الحكم إن على ميانمار ”اتخاذ كل الإجراءات الممكنة لمنع جميع الأعمال“ المحظورة بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية المُبرمة في 1948 على أن ترفع تقريرا للمحكمة في غضون أربعة أشهر. وأضاف أن ميانمار يتعين أن تستخدم نفوذها على جيشها وغيره من الجماعات المسلحة لمنع العنف ضد الروهينجا.

وقال أبو بكر تامبادو وزير العدل في جامبيا ”اتخاذ القضاة قرارا بالإجماع أنه لا يمكن التهاون مع الإبادة الجماعية وأن الروهينجا في حاجة لحماية هو انتصار للعدالة الدولية“. ورفعت جامبيا ذات الأغلبية المسلمة القضية على الرغم من أنها في الجانب الآخر من العالم بالنسبة لميانمار بدعوى أن جميع البلدان تحمل على عاتقها واجبا قانونيا عالميا لمنع الإبادة الجماعية. وناقش بعض كبار المحامين المدافعين عن حقوق الإنسان في العالم القضية وحضرت أونج سان سو كي زعيمة ميانمار جلساتها في لاهاي وطلبت من القضاة رفضها.

وقالت وزارة الخارجية في ميانمار في بيان إنها ”أخذت علما“ بالقرار. وأضافت الوزارة ”إدانة ميانمار التي لا تستند إلى أساس من جانب بعض المعنيين بحقوق الإنسان قدمت صورة مشوهة للوضع في راخين وأثرت على علاقاتها الثنائية بعدة دول“. وفر أكثر من 730 ألفا من الروهينجا من ميانمار بعد حملة قادها الجيش في 2017 واضطروا للعيش في معسكرات مزرية عبر الحدود في بنجلادش. وخلص محققو الأمم المتحدة إلى أن حملة الجيش نُفذت ”بنية ارتكاب إبادة جماعية“.

وقبل دقائق من نطق المحكمة بالحكم نشرت صحيفة فايننشال تايمز مقالا كتبته سو كي قالت فيه إنه قد تكون هناك جرائم حرب ارتُكبت في حق الروهينجا لكن اللاجئين بالغوا في وصف الانتهاكات. وعلى الرغم من أن أحكام محكمة العدل الدولية نهائية وملزمة فإن البلدان لا تلتزم بتنفيذها في بعض الأحيان ولا تملك المحكمة آلية رسمية لفرضها. وقال يوسف رئيس هيئة القضاة إن المحكمة لم تشعر بالرضا للجهود التي بذلتها ميانمار ”لتسهيل عودة اللاجئين الروهينجا الموجودين في بنجلادش والسعي لمصالحة بين الجماعات العرقية وتحقيق السلم والاستقرار في ولاية راخين ومحاسبة جيشها على انتهاكات القانون الإنساني وقانون حقوق الإنسان“. بحسب رويترز.

ونشرت أكثر من 100 من جماعات المجتمع المدني في ميانمار بيانا قالت فيه إنها تأمل أن تسفر جهود العدالة الدولية عن ”كشف الحقيقة“ والقضاء على الإفلات من العقوبة. وقال البيان ”الإجراءات العسكرية والسياسية فرضت دوما بقوة العنف والترهيب على شعب ميانمار على نحو منهجي ومؤسسي على أساس معتقداتهم السياسية والدينية وهوياتهم العرقية ولا يزال ذلك مستمرا حتى اليوم“.

لجنة حكومية

الى جانب ذلك قالت لجنة شكلتها حكومة ميانمار للتحقيق في مزاعم حدوث انتهاكات في ولاية راخين عام 2017 إنها لم تتوصل إلى أدلة على إبادة جماعية ضد أقلية الروهينجا المسلمة. وفر أكثر من 730 ألفا من مسلمي الروهينجا من الولاية خلال أسابيع من العنف الوحشي قالت الأمم المتحدة إنه شمل عمليات اغتصاب جماعي وقتل واسع النطاق بنية ”الإبادة الجماعية“. وخلال الحملة التي أثارت غضبا عالميا تم إحراق مئات القري ثم هدمها وتجريفها.

وبرغم إقرار اللجنة بوقوع ”جرائم حرب“، رفضت منظمات حقوقية وزعماء الروهينجا التقرير ووصفوه بأنه ”تبييض للحقائق“. وقالت لجنة التحقيق إن هناك ”أسبابا منطقية“ تدعو للاعتقاد بأن أفرادا من قوات الأمن مسؤولون ”ضمن جهات متعددة“ عما يمكن أن يكون جرائم حرب وانتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان خلال حملة قادها الجيش ضد الروهينجا في 2017. وأضافت أن هذه الأعمال شملت ”قتل قرويين أبرياء وتدمير بيوتهم“. لكن اللجنة قالت في بيانها بعد الانتهاء من وضع تقرير كامل قائم على مقابلات مع قرويين وأفراد من قوات الأمن، إن مسلحين من الروهينجا هاجموا 30 موقعا للشرطة وتسببوا بذلك في الحملة. ووصف التقرير ما حدث بأنه ”صراع محلي مسلح“.

وقالت اللجنة في بيانها إنها لم تجد ”آي دليل يشير إلى أن ارتكاب أعمال القتل تلك أو أعمال التشريد كان بناء على نية أو خطة لتدمير المجتمع المسلم أو أي مجتمع آخر في ولاية راخين الشمالية“. وقال رئيس ميانمار وين منت في بيان إن الحكومة ”تتفق“ مع النتائج التي توصلت إليها اللجنة وتعهد بإجراء مزيد من التحقيقات لاسيما في الجرائم المزعوم ارتكاب مدنيين ومسلحين من الروهينجا لها. وقال إنه سلم التقرير إلى قائد الجيش حتى يتسنى للجيش مواصلة التحقيقات، وأضاف أنه سيتم نشر ملخص التقرير.

كان الجيش قد بدأ محاكمة نادرة في نوفمبر تشرين الثاني لجنود وضباط ضمن القوات التي انتشرت في قرية (جو دار بين) حيث يتردد أنها شهدت مذبحة للروهينجا. وفي بنجلادش التي فر إليها مئات الآلاف من الروهينجا، وصف دل محمد أحد قادتهم، التقرير بأنه تبييض للحقيقة. وقال ”اضطهدونا على مدى عقود. قُتل الكثيرون من شعبنا، واغتُصبت نساؤنا، وأُلقي أطفالنا في النار، وأُحرقت منازلنا. إذا لم تكن هذه إبادة جماعية، فماذا تكون؟“. بحسب رويترز.

وتقول ميانمار إن المساعي الدولية تنتهك سيادتها وتعهدت بإجراء تحقيقاتها الخاصة في المزاعم. غير أن التحقيقات لم تسفر عن عقوبات تذكر حتى الآن. وكان سبعة جنود قد عوقبوا بالسجن عشر سنوات لقتلهم عشرة من الرجال والصبية الروهينجا في قرية (إين دين) غير أنهم حصلوا على إفراج مبكر في نوفمبر تشرين الثاني بعدما قضوا أقل من عام في السجن.

حق التعليم

على صعيد متصل قالت منظمة "هيومن رايتس ووتش" إنّ بنغلاديش لا تسمح لمئات الآلاف من أطفال الروهينجا بالوصول إلى سبل التعليم الجيد، مطالبةً السلطات البنغلاديشية برفع القيود على التعليم في مخيمات اللجوء. واتهمت المنظمة السلطات البنغلاديشية في تقرير بعنوان "ألسنا بشرا؟"، بانتهاك حق 400 ألف طفل، ممّن هربوا من ميانمار ويعيشون حالياً في مخيمات اللجوء في مدينة كوكس بازار، في التعليم.

وقال بيل فان إزلفلد وهو مساعد مدير حقوق الأطفال في "هيومن رايتس ووتش" إنّ "حرمان جيل كامل من التعليم ليس من مصلحة أحد"، مضيفا أنّ "على المجتمع الدولي التصرف ومطالبة بنغلاديش وميانمار بإيقاف هذه السياسات". ويشير تقرير "هيومن رايتس ووتش" إلى أنّ بنغلاديش كانت منعت اللاجئين من الروهينجا من الالتحاق بالمدارس خارج المخيمات أو بالمشاركة في الامتحانات الرسمية. كما منعت وكالات الأمم المتحدة ومجموعات المساعدة الأجنبية من تأمين تعليم معتمد ومعترف به لهم.

كما اتهمت المنظمة ميانمار بعدم موافقتها على الاعتراف باستخدام المنهج الدراسي الرسمي الخاص بها في مخيمات لجوء مواطنيها من الروهينجا. ونفى رئيس "لجنة الإغاثة والإعادة إلى الوطن" في بنغلاديش محبوب ألام تالوكدر أن يكون أطفال الروهينجا لا يحصلون على التعليم، مشيراً إلى أنّ 4 آلاف طفل يتعلّمون في مراكز داخل المخيمات. وقال "سيكون على الروهينجا العودة إلى ميانمار"، مضيفاً: "هم ليسوا مواطنينا ولا يمكننا السماح لهم باستخدام مناهجنا الدراسية الرسمية".

من جانب اخر قالت السلطات في ميانمار إنها احتجزت 173 مسلما من الروهينجا كانوا على ظهر مركب قبالة الساحل الجنوبي وسط مؤشرات إلى أن أعدادا أكبر من الروهينجا تقوم بتلك الرحلات البحرية المحفوفة بالخطر هربا من الاضطهاد. وقال المتحدث العسكري تون تون نيا إن القوات البحرية ضبطت المركب الذي كان يقل تلك المجموعة والتي كان من بينها 22 طفلا قبالة بلدة كواثونج. وقال إن ”قواتنا البحرية وجدتهم على ظهر مركب مثير للريبة في البحر.

وما زال نحو 600 ألف من الروهينجا يعيشون في ميانمار التي يغلب عليها البوذيون وهم محصورون داخل مخيمات وقرى في ولاية راخين بغرب البلاد حيث لا يستطيعون السفر بحرية أو الحصول على رعاية صحية وتعليم. وقال ثلاثة من الروهينجا الذين يعيشون في ولاية راخين إنهم سمعوا أن المركب كان متجها إلى ماليزيا. وطلب الثلاثة عدم نشر اسمائهم خشية تعرضهم للعقاب.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0