يبدو ان تركيا ماضية في تطبيق خططها وقراراتها الخاصة باقامة منطقة عازلة شرق نهر الفرات وإفراغها من عناصر "وحدات حماية الشعب" الكردية المدعومة من الولايات المتحدة، التي سعت هي الاخرى الى اعتماد اجراءات خاصة لحماية حلفائها في سوريا خصوصا وانهم شريك اساسي ومهم في حربها ضد عصابات داعش، وقد اكدت تركيا في بيانات متكررة انها ستشرع في تنظيف الشريط الحدودي من عناصر وحدات حماية الشعب الكردية التي باتت تسيطر على مناطق واسعة من شمال سوريا وتديرها، والتي تعتبرها وتعتبر الحكومة التركية منظمة إرهابية محظورة تشكّل تهديداً لأمن تركيا.

وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قد جدد تهديده، في وقت سابق بإطلاق عملية "للقضاء" على التهديد الذي تمثله وحدات حماية الشعب الكردية لكن واشنطن حذرت من أن أي خطوة تركية كهذه ستكون "غير مقبولة". وأشار وزير الدفاع الأميركي، مارك إسبر، إلى أن الولايات المتحدة تعتزم منع أي غزو تركي أحادي الجانب في شمال سوريا. وتقول واشنطن إنها تسعى إلى تهدئة مخاوف أنقرة الأمنية في سوريا، لكنها أيضا ترى أن أي تدخل عسكري تركي أحادي الجانب في شمالي سوريا يمكن أن يعرقل استمرار هزيمة تنظيم "داعش" الإرهابي في المنطقة.

وفيما يخص اخر تطورات هذا الملف فقد اكدت بعض المصادر وصول تعزيزات من قوات الكوماندوز التركية إلى ولاية هاتاي جنوبي تركيا بهدف توزيعها على الوحدات العسكرية المتمركزة على الحدود السورية. ونقلت وكالة الانباء التركية "الأناضول" عن مصادر عسكرية قولها إن الوحدات وصلت إلى منطقة قيريق خان التابعة لهاتاي قادمة من قواعد مختلفة داخل البلاد مؤكدة أن الوحدات الخاصة توجهت إلى الشريط الحدودي مع سوريا وسط تدابير أمنية مشددة.

وكان وزير الدفاع التركي خلوصي أكار قد أكد أن مركز العمليات المشترك مع الولايات المتحدة لتأسيس وإدارة منطقة آمنة بشمال شرق سوريا، سيعمل بكامل طاقته. وأوضح أن أنقرة وواشنطن اتفقتا بشكل عام على المراقبة والتنسيق فيما يتعلق بالمجال الجوي في المنطقة. في المقابل، أعلن متحدث باسم البنتاغون أن اتفاقا المنطقة الآمنة بين تركيا والولايات المتحدة ، سيتم تنفيذه بشكل تدريجي، مشيرا إلى أن بعض العمليات المتعلقة بالاتفاق ستبدأ في وقت قريب. من ناحيتته، كشف وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، أن أنقرة حصلت على وعد من الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بأن يكون عمق المنطقة الآمنة في سوريا 20 ميلا (32 كيلومترا).

ويخشى الأكراد في شمال سوريا وحكومة دمشق من أن هجوماً عسكرياً جديداً سيكون هدفه إعادة توطين سكان المنطقة. وما تزال ذكريات ما حدث في عفرين حاضرة في أذهان ساكنيّ الشمال السوري، وهو آخر هجوم عسكري تركي جرى في كانون الثاني/ يناير 2018 على المدينة الواقعة في الجزء الغربي من شمال سوريا. يتذكر محمد بكير، المحلل في مركز "روش آفا" للدراسات الاستراتيجية، الأثر المدمر لهذه العملية العسكرية بالقول: "بعد العملية العسكرية كانت هناك عمليات خطف وطلب فِدًى ونهب وسلب. طُرد الأكراد من مدينة عفرين واُستبدلوا بعائلات ما يسمى الجهاديين". ويوضح بكير أن هذا التبادل السكاني يمكن أن يدمر الاستقرار والأمن في المنطقة على المدى الطويل.

مشروع هش

اتفاق واشنطن وأنقرة على إقامة منطقة آمنة بشمال سوريا يبقي الكثير من الأسئلة دون إجابة. ففيما يتحدث مراقبون عن كونها فرصة "لتخلص" تركيا من لاجئيها السوريين، يخشى الأكراد تبادلا سكانيا يغير مستقبل المنطقة على المدى الطويل. وتم تجنب المواجهة، حتى الآن على الأقل: فمنذ شهور ما انقطعت تهديدات الحكومة التركية بإرسال قوات عبر الحدود في الجزء الشرقي من شمال سوريا. وبعد سابقتين في عامي 2016 و 2018 سيكون هذا هو الهجوم العسكري التركي الثالث في شمال سوريا على المنطقة التي يغلب على سكانها الأكراد. يأتي ذلك في وقت هددت فيه الولايات المتحدة بإجراءات انتقامية إذا ما أرادت الحكومة التركية القيام بخطوات أحادية الجانب.

وفي العاصمة أنقرة تمكن الممثلون الأتراك والأمريكيون من التوصل إلى توافق في الآراء مفاده: إقامة "منطقة آمنة" تحت سيطرة الحكومة التركية على طول الحدود بين سوريا وتركيا. ومن أجل التنسيق لإقامة هذه المنطقة ينبغي إنشاء مركز للعمليات المشتركة بأسرع وقت ممكن بالقرب من مدينة سانليورفا التركية. ونقلت تقارير إعلامية عن وزير الدفاع التركي خلوصي أكار قوله بأن المركز سيباشر مهامه بالفعل خلال الأيام القليلة المقبلة.

بيد أن هذا الإعلان جاء غامضاً للغاية، فقد بقيت الكثير من التفاصيل الأخرى طي الكتمان. فتركيا تسعى في المقام الأول إلى إقامة منطقة خالية من عناصر مليشيات "وحدات حماية الشعب" الكردية. لكن بالنسبة لواشنطن، فإن هذه المليشيات الكردية هي حليف مهم في الحرب على تنظيم "داعش"، ولهذا فقد عملت الإدارة الأمريكية على تجهيز مقاتلي هذه الوحدات وتدريبها طوال السنوات الأخيرة. كما تعاونت القوات الأمريكية مع هذه المليشيات في قتال "داعش"، وتكلل الأمر بالنجاح، فقد هُزم "داعش" في شمال سوريا، الذي دمرته الحرب الأهلية إلى حد كبير.

ثمة قلق يساور المسؤولين في واشنطن من نشوء فراغ في السلطة بفعل قتال تركيا لـ"وحدات حماية الشعب" الكردية، ما يمكن أن يكون بمثابة بوابة لعودة الإرهابيين الإسلاميين. ويبقى من غير الواضح بعد كيف سيسهم هذا الاتفاق بين واشنطن وأنقرة في التغلب على تضارب المصالح الأساسية في هذا الملف المعقد. إضافة إلى ذلك، يبدو أن الجانبين لم يتفقا على مساحة المنطقة العازلة. فقد قال وزير الدفاع التركي أكار مطلع أن المنطقة يجب أن يتراوح عمقها بين 30 و40 كيلومتراً، وهو ضعف ما أعلنت عنه واشنطن.

وكذلك بالنسبة للأكراد في شمال سوريا تبقى هناك أسئلة كثيرة مفتوحة حول الاتفاق ومستقبل العمل به. وطرح الأكراد أن يكونوا جزءاً من المفاوضات بين واشنطن وأنقرة، إلا أن الأخيرة رفضت ذلك. وتعليقاً على ذلك يقول القيادي الكردي البارز في "حركة المجتمع الديمقراطي"، وهو أحد مهندسي الإدارة الذاتية في الشمال السوري ألدار خليل: "تفاصيل الاتفاق غامضة تماماً". ويضيف خليل بالقول: "أردنا أن نشارك في المحادثات لكن تركيا لم تكن مهتمة بمحادثات ثلاثية. الحل الأمثل يجب أن يكون بين السوريين أنفسهم". ويبدي القيادي الكردي تشككه في أن يكون هدف الحكومة التركية بالفعل هو الأمن والسلام. "تحاول تركيا توسيع حدودها واستغلال الحرب في سوريا لمصالحها الخاصة".

وتقول المعطيات الرسمية عن الاتفاق إن هذه "المنطقة الآمنة" التي اتفقت عليها واشنطن وأنقرة، ستتيح إمكانية إعادة توطين اللاجئين السوريين في شمال سوريا. إذ قال بيان صدر بالاشتراك بين واشنطن وأنقرة: "يجب إنشاء ممر آمن حتى يتمكن اللاجئون المشردون من العودة إلى وطنهم". العدد الأكبر من اللاجئين السوريين حول العالم يستقر في تركيا حالياً. بعد اندلاع الأزمة الاقتصادية في تركيا الصيف الماضي وما يرتبط بها من ضغوط على سوق العمل التركي، يزداد رفض الأتراك لوجود اللاجئين السوريين من يوم إلى آخر. وبات عدد متزايد من المواطنين الأتراك يتمنون ترحيل اللاجئين السوريين البالغ عددهم نحو 3.6 مليون شخص، وبأسرع وقت ممكن. بحسب فرانس برس.

بيد أن للأمريكيين مصالحهم الخاصة الواضحة أيضاً، إذ لا ترغب واشنطن في أن تغرق سوريا في الفوضى مرة أخرى بعد انسحاب القوات الأمريكية ولا تريد أن يستعيد تنظيم "داعش" قوته في المنطقة مجدداً. إذا قاتلت القوات التركية وحدات حماية الشعب الكردية، فقد تكون العواقب وخيمة على أنقرة نفسها. في 14 كانون الثاني/ يناير نشر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تغريدة كتب فيها: "سنبدأ انسحابنا المتأخر من سوريا وسندمر تركيا اقتصادياً إذا قامت بمهاجمة الأكراد".

مساعدة المعارضة

على صعيد متصل ذكرت وسائل إعلام رسمية سورية أن آليات مدرعة تركية اجتازت الحدود إلى شمال غرب سوريا لمساعدة مقاتلي المعارضة الذين يواجهون تقدم القوات الحكومية في بلدة خان شيخون، واصفة الأمر بأنه ”سلوك عدواني“. ولم يصدر تعليق من أنقرة التي تدعم بعض فصائل المعارضة في شمال غرب سوريا ونشرت قوات في منطقة إدلب في إطار اتفاقات مع روسيا، أقوى حليف للرئيس السوري بشار الأسد.

وقال مسؤول من المعارضة والمرصد السوري لحقوق الإنسان إن قوات الجيش السوري وصلت إلى طرف بلدة خان شيخون بجنوب محافظة إدلب. ولا يهدد هذا التقدم البلدة التي تسيطر عليها المعارضة منذ عام 2014 فحسب، بل يهدد أيضا بمحاصرة مقاتلي المعارضة في الرقعة الوحيدة التي يسيطرون عليها في محافظة حماة المجاورة. وشمال غرب سوريا هو المعقل الكبير الأخير لمعارضي الأسد وتشن القوات الحكومية أحدث هجماتها هناك منذ أواخر أبريل نيسان بمساعدة روسية.

وتقول الأمم المتحدة إن تصاعد العنف منذ أواخر أبريل نيسان أدى إلى مقتل ما لا يقل عن 500 مدني ونزوح مئات الآلاف، الذين توجه عدد كبير منهم نحو الحدود التركية. وقال شاهد إن رتلا عسكريا تركيا دخل، مع حلفاء من المعارضة، إلى إدلب لكنه توقف بسبب قصف عنيف هناك. ونقلت الوكالة العربية السورية للأنباء عن مصدر في وزارة الخارجية قوله إن الآليات المحملة بالذخائر لن تؤثر في ”عزيمة وإصرار الجيش العربي السوري على الاستمرار في مطاردة فلول الإرهابيين“ في خان شيخون أو غيرها.

وقال العقيد مصطفى بكور من فصيل جيش العزة المعارض إن المعارك استعرت على مشارف البلدة. وأضاف أن مقاتلين وصلوا لتعزيز خط الجبهة وأن بعضهم من الجيش الوطني، وهو قوة من المعارضة مدعومة من تركيا ويتمركز في منطقة أبعد إلى الشمال بالقرب من الحدود. وتعرضت خان شيخون، الواقعة على طريق سريع رئيسي يمتد من العاصمة دمشق إلى مدينة حلب، لقصف بغاز السارين عام 2017 في هجوم أدى لمقتل العشرات وإصابة المئات ودفع واشنطن لتوجيه ضربة صاروخية لسوريا. بحسب رويترز.

وألقى تحقيق أجرته الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية باللوم في الهجوم على الحكومة السورية. وتنفي دمشق استخدام مثل هذا السلاح. ومنذ انهيار وقف قصير لإطلاق النار ، تقدم الجيش السوري نحو خان شيخون من الشرق والغرب. وقال المرصد السوري لحقوق الإنسان إن قوات موالية للحكومة وصلت إلى الجانب الشمالي الغربي للبلدة تحت غطاء من ضربات جوية مكثفة وإنها تحارب للتوغل فيها. وقال سكان إن طائرات حربية قصفت البلدة ومواقع قريبة منها.

غارة جوية

الى جانب ذلك كشفت وزارة الدفاع التركية بأن رتلا عسكريا تركيا كان متجها إلى محافظة إدلب السورية تعرض لغارة جوية وأدانت الوزارة الغارة واعتبرتها انتهاكاً للاتفاقات مع روسيا، فيما وصف الجانب السوري الأمر بأنه "سلوك عدواني" من قبل تركيا. وقالت وزارة الدفاع التركية إن رتلا عسكريا تركيا تعرض لهجوم بينما كان في طريقه لمواقع المراقبة في شمال غرب سوريا مضيفة أن ثلاثة مدنيين قتلوا وأصيب 12 آخرون في الضربة الجوية.

وألقت تركيا، التي تدعم مسلحين يقاتلون نظام الرئيس السوري بشار الاسد، مسؤولية الهجوم على "قوات النظام" السوري. وقالت الوزارة في بيان إن الهجوم يخالف الاتفاقات التي أبرمتها أنقرة وتعاونها مع روسيا، أقوى حليف للرئيس السوري بشار الأسد. وأضافت أن روسيا تلقت بلاغا مسبقا بأمر الرتل.

وأدانت الوزارة "بشدة" تعرض الرتل العسكري لغارة جوية فيما كان متجهاً إلى محافظة إدلب السورية الاثنين، واعتبرت الغارة انتهاكاً للاتفاقات مع روسيا. وقالت الوزارة في بيان "على الرغم من التحذيرات المتكررة التي وجهناها إلى سلطات روسيا الاتحادية، تستمر العمليات العسكرية التي تقوم بها قوات النظام في منطقة إدلب في انتهاك للمذكرات والاتفاقات القائمة مع روسيا".

من جانبه أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان، المقرب من المعارضة السورية، بأن طائرات تابعة للنظام السوري وروسيا نفذت غارات جوية استهدفت محيط رتل تركي متوقف على اتستراد دمشق - حلب الدولي بالقرب من مدينة معرة النعمان جنوب إدلب. وقال الناطق باسم الجبهة الوطنية للتحرير التابعة للجيش السوري الحر ناجي مصطفى لوكالة الأنباء الألمانية (د. ب. أ) إن " مقاتلات حربية اطلقت صاروخين على بعد حوالي 400 متر عن الرتل العسكري التركي الذي كان متجهاً الى مدينة خان شيخون".

من جانبه ، كشف مصدر في الجيش الوطني التابع للجيش السوري الحر، الذي طلب عدم ذكر اسمه ، عن أن تركيا أرسلت ثلاثة ارتال عسكرية اليوم لتقديم الدعم لفصائل المعارضة بعد الخلاف الروسي التركي. وفي وقت سابق ذكرت وسائل إعلام رسمية سورية أن آليات مدرعة تركية اجتازت الحدود إلى شمال غرب سوريا اليوم لمساعدة مقاتلي المعارضة الذين يواجهون تقدم القوات الحكومية في بلدة خان شيخون، واصفة الأمر بأنه "سلوك عدواني".

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1