تواصل الولايات المتحدة الامريكية و بعد حوالى عقدين من التدخل العسكري في أفغانستان، تحركاتها وخططها من اجل التوصل إلى اتفاق مع حركة طالبان التي اصبحت اليوم وبحسب بعض المراقبين في موقف قوي يمكنها من الحصول على تنازلات مهمة، ويسعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب لسحب القوات الأميركية المتبقية في أفغانستان وعديدها 14 ألف عسكري في أسرع ما يمكن، في موقف يحظى بتأييد نادر من الحزب الديموقراطي المعارض له عموما، معتبرا أنه لم يعد من المجدي مواصلة العملية العسكرية التي بدأت باجتياح البلد في أعقاب اعتداءات 11 أيلول/سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة..

لكن يبدو ان إبرام اتفاق سلام واسع النطاق يضع حدا لهذه الحرب امراً مستحيلاً وغير قابل للتطبيق، خصوصا مع استمرار بعض العمليات العسكرية يضاف اليها عدم وجود اتفاق خاص يرضي جميع الاطراف، وقد أعلن وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو خلال زيارة إلى كابول في أواخر حزيران/يونيو أن بلاده تسعى إلى اتفاق مع متمردي طالبان قبل الأول من أيلول/سبتمبر، أي قبل موعد الانتخابات الأفغانية التي قد تشكل عامل فوضى جديد. والتقى المفاوض الأميركي زلماي خليل زاد ممثلين عن حركة طالبان سبع مرات. وفي تطور قد يشكل خطوة أولى كبرى، وافق المتمردون على لقاء مجموعة واسعة من الأفغان في قطر..

وكانت الحركة ترفض بشكل قاطع حتى الآن التفاوض مع حكومة كابول المعترف بها دوليا. وقالت مديرة قسم آسيا في مجموعة الأزمات الدولية لورل ميلر "أعتقد أن هناك احتمالا كبيرا بأن يتم التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وطالبان قبل أيلول/سبتمبر، وأضافت ميلر التي كانت الممثلة الخاصة الأميركية لأفغانستان وباكستان في ظل رئاسة ترامب وفي عهد سلفه باراك أوباما، أن مثل هذا الاتفاق "لا يعالج المسألتين الجوهريتين الصعبتين حول الدور الذي ستلعبه طالبان أو لا تلعبه في السلطة في أفغانستان، وما الذي سيحل بالحكومة الحالية وبنظام الحكم الذي ساهمت الولايات المتحدة في قيامه".

وأشار إلى أن الاختراق الذي حققته الولايات المتحدة ظاهريا مع طالبان كان بكل بساطة نتيجة تنازل قدمته إدارة ترامب بموافقتها على التفاوض بالرغم من رفض طالبان التحاور مع كابول. يفترض أن يتضمن الاتفاق مع طالبان نقطتين رئيسيتين هما الانسحاب الأميركي من أفغانستان وتعهد الحركة بعدم توفير قاعدة لإرهابيين، وهو ما كان سبب الاجتياح الأميركي قبل 18 عاما. وبعدما أنفقت تريليون دولار في أفغانستان بحسب بعض التقديرات، يرجح أن تشدد الولايات المتحدة قدر الإمكان في الاتفاق على أن تباشر طالبان مفاوضات مع حكومة الرئيس أشرف غني..

أعلن ترامب في مقابلة أجرتها معه شبكة "فوكس نيوز" أن الولايات المتحدة يجب ألا تكون "شرطي العالم بأسره"، متهما الصين بالاستفادة من أفغانستان من خلال استخراج معادن فيها. لكنه شدد على أن واشنطن ستبقي على "وجود استخباراتي قوي جدا" بعد سحب قواتها، مشيرا إلى أن العسكريين غالبا ما يحذرونه من مخاطر إرهابية قد تأتي من أفغانستان. وواصل عناصر طالبان هجماتهم حتى أثناء خوضهم مفاوضات مع الولايات المتحدة، واثقين من أنهم يسيطرون على الوضع..

وفي الوقت الحالي تسيطر طالبان أو تمارس نفوذا على أراض تزيد على ما كان عليه حالها في أي وقت منذ عام 2001. وتقول الأمم المتحدة إن 3804 مدنيين لقوا حتفهم بينهم أكثر من 900 طفل كما أصيب سبعة آلاف آخرين في أفغانستان في عام 2018 الذي كان أسوأ عام بالنسبة للمدنيين خلال هذه الحرب. وفي الأسبوع الماضي قال زلماي خليل زاد كبير المفاوضين الأمريكيين إن هذه المباحثات كانت ”أكثر جلسة مثمرة“ منذ بدء المفاوضات في أواخر العام الماضي.

خارطة طريق للسلام

وفي هذا الشأن اختتم المبعوث الخاص الأمريكي للسلام في أفغانستان الجولة السابعة من المحادثات التي عقدها مع حركة طالبان في قطر بعد ظهور دلائل على إحراز تقدم في جهود إنهاء أطول حرب خاضتها الولايات المتحدة على الإطلاق. واجتمع المبعوث الأمريكي زلماي خليل زاد مع مسؤولي طالبان لفترة وجيزة بعد يوم من اتفاق وفد من مواطني أفغانستان والمتشددين على ”خارطة طريق للسلام“ وبخاصة على دعوة مشتركة لإنهاء سقوط ضحايا من المدنيين في الحرب الدائرة منذ 18 عاما.

وقال مسؤول بارز مطلع على المحادثات ”خليل زاد سيطلع رؤساءه الآن وسيصدرون بيانا. الجولة السابعة انتهت ”. وقال مسؤولون إن الولايات المتحدة وطالبان تقتربان من التوصل لاتفاق من المتوقع أن يستند على تعهد من واشنطن بسحب قواتها مقابل تعهد من طالبان بعدم السماح باستخدام أفغانستان كقاعدة للإرهاب. وقال خليل زاد إن أحدث جولة من المحادثات الأمريكية مع طالبان والتي بدأت في 29 يونيو حزيران كانت ”أكثر جلسة مثمرة“ منذ بدء عملية التفاوض في العام الماضي. بحسب رويترز.

وكتب خليل زاد في تغريدة على تويتر يقول إنه متجه إلى الصين وسيعود بعد ذلك إلى واشنطن ”للإفادة والتشاور بشأن عملية السلام الأفغانية“ ولم يخض في مزيد من التفاصيل. وقال مسؤولون غربيون ودبلوماسيون في كابول على علم بمجريات المحادثات إن من المتوقع أن تصدر الحكومة الأمريكية بيانا بعد أن يطلعها خليل زاد على أحدث التطورات. وقال مسؤول غربي كبير منخرط في المفاوضات ”الساحة مهيأة الآن لتسوية سياسية بين الولايات المتحدة وطالبان“.

ورغم أن مثل هذا الاتفاق ربما يساعد الولايات المتحدة على انتشال نفسها من أطول حرب خاضتها على الإطلاق، فإنه قد لا يجلب السلام بين الحكومة الأفغانية المدعومة من الولايات المتحدة والمتشددين. ورفضت طالبان التفاوض مع الحكومة الأفغانية ووصفتها بأنها دمية في يد الولايات المتحدة، لكن وفي إطار جهود لتبني مصالحة أفغانية التقى وفد يضم 60 مواطنا مع مسؤولين من طالبان وأجرى الجانبان محادثات على مدى يومين في قطر.

وقال الجانبان في بيان مشترك إن كليهما ”ملتزم باحترام وحماية كرامة الناس وحياتهم وممتلكاتهم وتقليص الخسائر بين المدنيين إلى الصفر“. وتعهد الجانبان بضمان أمن المنشآت العامة مثل المدارس والمستشفيات والأسواق. وقال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إنه يريد سحب القوات الأمريكية من أفغانستان لكنه قلق من أن يؤدي الغياب العسكري الأمريكي لاستخدامها قاعدة لشن هجمات إرهابية على الولايات المتحدة. وقال وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو مؤخرا إن الولايات المتحدة تريد إبرام اتفاق مع طالبان بحلول أول سبتمبر أيلول قبل الانتخابات الرئاسية الأفغانية.

ويحاول مسؤولون أمريكيون وآخرون من طالبان التوصل لاتفاق بشأن مطلب الحركة الخاص بانسحاب القوات الأمريكية والقوات الأجنبية الأخرى ومطلب الولايات المتحدة الخاص بألا تسمح طالبان باستخدام أفغانستان قاعدة للإرهاب. وعبر الوسيط القطري مطلق بن ماجد القحطاني عن اعتقاده بأن الفجوة تضاءلت بين الولايات المتحدة وطالبان. وقال إنه يأمل في أن يتوصل الجانبان إلى اتفاق بشأن القضايا العالقة.

وقال المسؤول الحكومي الأفغاني الذي طلب ألا ينشر اسمه ”أنا هنا كأفغاني لكني لست متأكدا مما إذا كان (مسؤولو) طالبان يعتبرون أنفسهم أفغانا قبل أي شيء آخر“. وقال أعضاء وفد المواطنين الأفغان إن مسؤولي طالبان قابلوهم بالترحاب بشكل عام لكنهم كانوا أقل استعدادا لمناقشة قضايا مثل حقوق المرأة والحريات العامة. وخلال حكم الحركة لأفغانستان من 1996 إلى 2001 منعت الحكومة عمل النساء خارج بيوتهن ولم تسمح بخروجهن إلا مع أقارب من الرجال.

وحدثت تغييرات ضخمة في المجتمع الأفغاني منذ الإطاحة بطالبان بعد هجمات تنظيم القاعدة على الولايات المتحدة في 11 سبتمبر أيلول 2001. وتناولت المحادثات بين الأفغان التي قدمت قطر وألمانيا تسهيلات من أجل عقدها الأسلوب الذي يمكن أن يتم به تنظيم أفغانستان لكن لم يتم التوصل إلى نتائج.

مواصلة القتال

الى جانب ذلك تعهد زعيم حركة طالبان الأفغانية بمواصلة القتال لحين تحقيق أهداف الحركة وأشار إلى أنها لا تزال غير مستعدة لبدء محادثات مع الحكومة المدعومة من الغرب في كابول. وسعى زعيم طالبان الملا هيبة الله أخونزاده لطمأنة الأفغان بأن طالبان تريد إنهاء صراع استمر عقودا وحكومة تمثل جميع الأفغان. لكنه لم يبد أي بادرة على قبول وقف إطلاق النار أو بدء مفاوضات مباشرة مع الحكومة الأفغانية التي تعتبرها طالبان غير شرعية.

وقال زعيم طالبان في رسالته ”لا ينبغي لأحد أن يتوقع منا صب الماء البارد على جبهات الجهاد الساخنة أو نسيان تضحياتنا على مدى 40 عاما قبل تحقيق أهدافنا“. وأضاف أن طالبان تريد ”إنهاء الاحتلال وإنشاء نظام إسلامي“. وتقدم رسالة طالبان تطمينات بأن الحركة لا تسعى للهيمنة على السلطة وستحترم جميع حقوق الأفغان رجالا ونساء وستعمل على تطوير التعليم والتجارة والتوظيف والرعاية الاجتماعية. بحسب رويترز.

لكنها لم تتطرق لأحد أهم المخاوف في كابول بشأن ما إن كانت طالبان ستقبل الإطار الدستوري الحالي للجمهورية الأفغانية أم ستصر على إقامة إمارة إسلامية وهو الاسم الذي تطلقه على نظامها. وقالت الرسالة ”ستسعى الإمارة الإسلامية لإنشاء حكومة إسلامية شاملة ذات سيادة يقبلها جميع الأفغان في وطننا الحبيب“.

مساعي مستمرة

على صعيد متصل قال مسؤولون إن ألمانيا تجري محادثات مع حركة طالبان ومع الحكومة الأفغانية في محاولة لاستئناف مفاوضات السلام التي تهدف لإنهاء الصراع المستمر منذ 18 عاما. وألمانيا من بين أبرز الدول المانحة لأفغانستان وعضو في التحالف بقيادة حلف شمال الأطلسي هناك، وزار ممثل برلين الخاص لأفغانستان وباكستان ماركوس بوتسيل كابول لإجراء محادثات مع الحكومة الأفغانية والتقى بمسؤولين من طالبان في الدوحة.

وقال بوتسيل ”يجب ألا أن نفوت الفرصة الحالية من أجل السعي إلى أفغانستان أكثر سلمية. إذا تمكنت الدول الصديقة لأفغانستان، وألمانيا إحداها، من المساعدة في تلك الجهود فيمكننا أن نحقق ذلك“. وأضاف ”في النهاية وحدهم الأفغان، بما يشمل طالبان، هم من سيقررون مستقبل بلادهم“. وقال مسؤول ألماني كبير طلب عدم نشر اسمه ”ندرك أن المحادثات الأمريكية مع طالبان لن تكتسب زخما إلا إذا بدأ قادة الحركة في التواصل مع ممثلين أفغان“.

وقال سهيل شاهين المتحدث باسم المكتب السياسي لطالبان في الدوحة إن ألمانيا كانت من بين عدة دول عرضت المساعدة في التوصل لحلول سلمية. وقال مسؤول آخر من طالبان طلب عدم نشر اسمه إن الاتحاد الأوروبي وإندونيسيا من بين الجهات التي عرضت المساعدة أيضا. بحسب رويترز.

وقال شاهين إن نقاشات دارت مع ألمانيا بشأن استضافة اجتماع بين حكومة كابول وطالبان لكن لم يتم اتخاذ قرار بشأن الأمر بعد. وتأتي المساهمة الألمانية بعد مخاوف بين العديد من حلفاء الولايات المتحدة بشأن إقصائهم من المحادثات. وألمانيا هي ثاني أكبر دولة مانحة لأفغانستان وعضو مؤثر في تحالف هناك بقيادة حلف شمال الأطلسي يضم 39 دولة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1