قطاع واسع من المجتمع المسلم حلمت بعودة الخلافة، أناس عاديون ومفكرون عقائديون، اناس انتموا الى الإسلام كدين، وآخرون انتموا اليه كحركة سياسية وتنظيم ايديولوجي. بعضهم طال به الحلم حتى دخل غيبوبة لم يعد يميز فيها حدود الواقع من حدود الخيال. ومن اجل ان يتحقق حلم الخلافة أسسوا احزابا وقادوا مظاهرات وشكلوا حركات جهادية، ولكن حين اصطدموا بالواقع شرعوا لاستخدام العنف (الديني)، واتهموا المجتمع نفسه الذي قالوا انه هو من اختار الخلافة بالجاهلية والكفر والخضوع لحكم الطواغيت. هذه ليست مجرد أراء أو افكار بل هي احكام ظهرت عند سيد قطب وآمن بها تيار شعبي وسياسي عريض مثل الاخوان المسلمين بدايته فقط، ثم اخذت هذه الأحكام بعدا لاهوتيا عند السلفية فكانت فتوى.

بعد هذا تحولت الخلافة من حلم وفكرة الى استراتيجية، اخذت بعض تجمعات الاسلام السياسي على عاتقها تنظيم اجنحة مسلحة من اجل تحقيقها، وضمت اليها شباب متحمسون لا يتوانون عن ارتكاب أعتى العمليات التدميرية والإرهابية بحق هذا المجتمع (الجاهلي) من اجل عودة الاسلام كما يشتهون، والخلافة كما يتخيلون، والنبوة كما تصوروها. خلال تحولات فكرة الخلافة بين هذه الأشكال السياسية والدعوية والتنظيمية وحتى دخول الفكرة المرحلة الارهابية، قتل آلاف الأبرياء، وهجر وشرد الملايين، ودمرت آلاف المنازل وعشرات المدن، وأبيدت الجيوش. فهل تكفي هذه النكبات إأحداث قطيعة معرفية تسمح للعقل الإسلامي السياسي ان يعيد التفكير بالخلافة؟

ولكن، يجب أن نفهم كيف انتهى المطاف بحلم الخلافة هذا الى كابوس.

اظهرت دراسات بول ريكور ان الانسان يحب الحكايات لأنها توفر له احساس بقائه حيا (فيها)، حتى بعد موته. في عصرنا الحالي حلت مقاطع الفيديو بدلا عن الحكاية، فهي تشبهها من حيث انها تحتفظ بمجموعة من الصور المتحركة المليئة بالمشاعر.

كان بعض الشباب الانتحاريين قد احبوا صورة موتهم (شهداء) في عيون الله والانبياء والصديقين والملائكة وعيون الأمة والتاريخ، وفي عيون قادتهم وابائهم وزوجاتهم واصدقائهم، ويرون انفسهم في الصور وفي نشرات الأخبار ومقاطع الفيديو، وفي كتب الاحاديث والروايات والقصص الدينية التي احبوها وهم صغار أو قرأوها كبارا وتأثروا بها. هكذا امتزجت تفاصيل حياتهم بمقاطع سردية واحداث حكائية، مما سهل العبور الى اللامعقول، الى ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، الى جنة الجنون (الجذر اللغوي للكلمة يفيد معنى ستر العقل، كما عند ابن منظور). لقد صهرت حرارة السرد الكلمات، أذابت الحدود، وخلطت المعاني، فامتزج معنى الحياة بمعنى الموت في بوتقة حكاية تتغزل بالحوريات المفخخات، وأزرار الأحزمة والعربات الناسفة، عشرات المقاطع الفيديوية والتسجيلات التي امتلآ بها الفضاء الافتراضي غارقة بشعرية الموت. هل رحلة الارهابي رحلة في اللغة هدفها بلوغ منابت الكلمات؟ أين تنبت كلمات كالجهاد والجنة والبراء والولاء وجاهلية المجتمع و...؟ هل تنبت في اللغة نفسها أم في اللاوعي؟

تمتلك الحكايات القدرة على خلق كائنات سردية لا تعيش في المجتمع أكثر مما تعيش تجاربها من خلال الرموز والعلامات التي يمنحها لها الحكي، باعتباره سندا مرجعيا ينقذها من مكابدة ضياع المعنى في هذا الزمان. هكذا تبدأ القضية مع الانتحاريين الخياليين، من تجربة الموت القابل للحكي، الذي حكته المرويات القديمة المنسوبة للنبي والصحابة. في نمط الشخصية الانتحارية هذا تحل الحكاية، الموت القابل للتأويل عقائديا وآخرويا، بدلا من الوقائع.

سؤال كيف يتعرف الكوجيتو الجهادي (الأنا أجاهد) على نفسه، يقودنا الى التعرف على علاقة الإرهابي بالسلفية الجهادية، ولكن هذه العلاقة ستعيدنا الى نفس تلك العلاقة التي تقيمها هذه الذات بين السرد والتاريخ، الذات التي تعيش العالم كنص حكاية تتحدث عن الحوريات والملائكة والابطال انصاف الآلهة. لذا يجب ان نتعرف كيف تتلمس هذه الذات الاستعاري والشعري في الأشياء، من دون ان تشارك الحاضر حاضره، فعلاقتها بهذا الاخير جاءت عن طريق الماضي، ووسيلتها في ذلك مخيلتها ومجموعة ذكريات قديمة اختزنها اللاوعي الجمعي.

لقد اكتشف عالم التحليل النفسي جاك لاكان أن لاوعينا هو لاوعي لغوي، لاوعي النص. هكذا راق لبعض الجهاديين الحالمين بيوتيوبيا الخلافة أن يقرأوا العالم كنص آخروي، يحيل آخره على أوله، ووعيه على لاوعيه. ولكن كيف كان مخيم الهول في سوريا هو المصير المحتوم لفكرة الخلافة.

لهذه النهاية التي انتهت اليها نظرية حكم ثيوقراطية ومثالية كنظرية الخلافة اسباب عديدة، بدء من عدم اعتراف نظام الخلافة بالتطور البشري الهائل الذي قطعه العالم منذ اول تدشين لفكرة الخلافة (يسميه سيد قطب الجيل القرآني الذي يوجب اعادة بناءه في العصر الحاضر، ناسيا أو متناسيا الخلافات التي نشبت بين رجالاته، حتى بوجود النبي، اما لحظة توفي فقد انفجر الخلاف والى الآن)، وفقدان نظرية الخلافة لأي تصور سياسي ومؤسساتي لكيفية تحقيق شرط (وحدة الإمة)، كذلك غياب اي تصور لإدارة المجتمع. وبالإضافة لهذه الاسباب وغيرها الكثير، هناك سبب من نوع آخر طريف وبسيط، وهو ان الخلافة وبعد مرور هذه القرون الطويلة تحولت الى مجرد حكاية. وفكرتها لم تعد تميل الى الجانب النظري السياسي أو الاجتماعي أو حتى التنظيمي والحزبي، بقدر ميلها الى الاتصاف بصفات الخطاب الحكائي أو القصصي. والحكي كما هو معروف يتألف من مكونات السرد التي تمزج عناصر الواقع بالخيال.

هكذا راح الجهاديون يقيسون المسافة بين الواقع والمعنى اللاهوتي والإيديولوجي بأدوات السرد من رمز وخيال ومجاز، وهي أدوات متوفرة بكثرة في نمط حكائي أطلقت عليه المدونة الاسلامية، أدب الملاحم والفتن، او مرويات آخر الزمان. ظل هذا الأدب الديني محتفظا بثرائه الدلالي في التجربة الدينية بسبب طبيعته الرمزية والمخيالية والنفسية.

لقد أثر هذا الأدب الآخروي بطريقة تفكير المسلمين لحكم انقسم والعالم، فمنه استمدوا يقينهم أن الخلافة ستعود لتحكم العالم. منذ بدايات (النهضة العربية) ركز الخطاب الاسلامي بوجهه الاصلاحي والسلفي في نظرية الحكم. ولم يقوده بحثه هذا الى ان يخطو خطوة واحدة خارج حدود الشريعة، بل كان محكوما بمنطق التفكير الدائري الذي يحل الدين محل الدولة، ويحل الشريعة بدلا من الدستور والقوانين، وهكذا يعود بصاحبه الى النقطة الأولى، فكرة الخلافة المثالية.

لقد واجه سؤال الخلافة هذا الاسلاميين من جميع الاصناف، الاصلاحيون والسلفيون والسلفيون الراديكاليون، بالإضافة الى رجال الدين المؤسسين في الجامعات والمدارس الدينية، والدعويون والمتدينون الشعبيون، فماذا كانت اجابتهم؟ لا نستطيع في هذه الورقة البسيطة ان نتعرف اجابتهم، ولكن نستطيع ان نعرف وبنوع من الجزم، انها اجمعت على ان الخلافة هدفا نهائيا لنشاطهم الدعوي والتنظيمي والسياسي والتديني، مهما اختلفت الاجابات يبقى السؤال الأهم: كيف تعود الخلافة الاسلامية؟ هل هي إعادة أم استعادة؟ هل هي عن طريق تهيئة المجتمع والاصلاح الاجتماعي، أم فرضها بالقوة على المجتمع؟.

كما هو معروف فان حسن البنا أسس (جماعة الاخوان المسلمين) كرد فعل على سقوط الخلافة العثمانية عام 1924، بحجة أن الأمة الإسلامية تفككت من دون رابطة الخلافة السياسية هذه، رغم جورها على الشعوب العربية، ورغم انها أقرب الى خلافة شكلية لا تراعي حكم الشريعة. فكانت الأسس الفكرية لحزب الاخوان وأمثاله من الاحزاب والتنظيمات الاخرى هي اعادة الامة الاسلامية لوحدتها عن طريق العودة للخلافة الاسلامية المنشودة.

وبعد أن فتح البنا الباب امام دخول الدين الى المجال السياسي، شرع سيد قطب في صياغة ايديولوجية سياسية قائمة على مفاهيم منها الجهاد وتكفير المجتمع والعزلة الشعورية..الخ من اجل تحقيق حاكمية الله عن طريق الخلافة. وهي المفاهيم التي ستتطور لتكتسي بمزيد من العنف على يد الجيل الذي يلي قطب، سيشكل هؤلاء ما سيعرف في الأدبيات المتخصصة بالقطبية، وهي تيار عالمي اكثر راديكالية من سابقيهم، ومنهم عبد المجيد الشاذلي وسيد أمام الشريف وصالح سرية وايمن الظواهري وعبد الرحمن سرور...الخ.

وهنا يبرز سؤال: هل تحقيق شرط وحدة الأمة يسبق الخلافة، أم اقامة الخلافة هو الذي سيحقق وحدة الأمة؟ هكذا انقسم الاسلام السياسي الى إصلاحيين يقولون بالخيار الأول (بناء الأمة هو الذي يقود الى تحقيق الخلافة)، اما الاسلاميون السلفيون والراديكاليون فقالوا بالخيار الثاني، وشرع جزء منهم لمبدأ استعادة الخلافة بالقوة، ورغم قدم هكذا توجهات، إلا أن احداث الربيع العربي ابرزت هذا التوجه تحت صياغة نظرية عرفت (إدارة التوحش)، والتي كشف عنها أحد منظري السلفية الجهادية في كتاب له بنفس العنوان، وباسمه المستعار (ابو بكر ناجي).

في عام 1953 في الأردن أسس واحد من منظري الخلافة هو تقي الدين النبهاني (حزب التحرير) داعيا الى تحرير الناس من كافة الأنظمة، والعودة الى نظام الشريعة لبناء الأمة الإسلامية، لكي تمهد الطريق امام اقامة الخلافة بالطرق السياسية والاجتماعية والثقافية، ثم شرع لحمل السلاح. جعل هذه الأهداف فريضة دينية على كل مسلم ومسلمة، مستشهدا بعدد من الآيات والأحاديث كلها تقول بالعودة بالقوة واجبار الأمة على اقامة الخلافة.

النبهاني نموذج بسيط عن الفكر السياسي الراديكالي الذي يقوم على تبعية مفهوم الأمة العربية الى الأبد وارتهانه بالدين الاسلامي، وهو ما يتضمن عدم الاعتراف بجميع الروابط الوطنية والقومية والانسانية، وتكفير الأنظمة الاجتماعية التي تقوم على هذه الروابط. فهذا التيار يعتقد بأن لا تقوم للعرب قائمة بغير قيامتهم وصحوتهم الدينية، وليس للأمة ان تتقدم او تتطور إلا بواسطة التقدم نحو الماضي، وبالذات في القرن الأول للهجرة حيث كنز وحدتها مدفون هناك، ومن يبحث عنه خارج هذا القرن سيتعب نفسه وتذهب ريحه. فهناك يكمن الحل السحري لجميع مشاكل الشعوب العربية، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو علمية أو اجتماعية أو نفسية، هناك حيث الخلافة تضيء كجوهرة مفقودة في المخيال الاسلامي. وهل غير الخلافة دواء لداء الأمة؟

* باحث في مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–2019Ⓒ
http://shrsc.com

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0