صدمة كبيرة تعيشها نيوزيلندا والعديد من دول العالم، بسبب الهجوم الارهابي على مسجدين في كرايست تشيرش راح ضحيته العشرات من المسلمين، على يد رجل يميني متطرف وصفته رئيسة الوزراء النيوزيلندية بالإرهابي العنيف بعد ان تمكن من قتل اكثر من تسعة وأربعون شخصاً واصابة أكثر من عشرين آخرين بجروح خطرة كما نقلت بعض المصادر، ويشكل المسلمون ما يزيد قليلا على واحد بالمئة من سكان نيوزيلندا، وفقا لإحصائية صدرت عام 2013، أكثر من ثلاثة أرباعهم من مواليد دول أخرى.

وير بعض المراقبين ان حالة العداء ضد المهاجرين ازداد بشكل كبير في العديد من الدول منها نيوزيلندا، وأظهرت دراسة نشرتها جامعة فيكتوريا في ولنجتون عام 2011 أن النظرة للمهاجرين القادمين من دول تسكنها أغلبية مسلمة أقل إيجابية من النظرة للمهاجرين الوافدين من بريطانيا ومناطق أخرى. وأفادت الدراسة بأن الخطاب الإعلامي يشير إلى أن كثيرا من النيوزيلنديين لا يثقون في المهاجرين المسلمين، بل وربما لا يحبذون استقبالهم.

وقام منفذ الهجوم اليميني الأسترالي المتطرف برينتون تارنت وكما نقلت بعض المصادر، ببث جريمته على الهواء مباشرة على صفحته على موقع فيسبوك، يبلغ من العمر 28 عاماً، وهو من ضمن الأربعة الذين تم إلقاء القبض عليهم. وبحسب وثيقة نشرها تارنت على الانترنت، فإنه ينتمي إلى عائلة أسترالية من الطبقة العاملة، أهدافه هي إخلاء المجتمعات الغربية من غير البيض والمهاجرين بغرض حمايتها، وكذلك الانتقام للحوادث الإرهابية والجرائم الجنسية التي يقوم بها مسلمون ومهاجرون حول العالم بحسب أقواله.

بحسب الوثيقة، سعى تارنت لشن للهجوم قبل عامين، ثم بدأ بالتخطيط "في الموقع" قبل ثلاثة أشهر، وأنه اختار نيوزلندا ليؤكد أن لا مكاناً آمناً في هذا العالم، واختار هذين المسجدين بعد زيارتهما وكان يريد استهداف مسجد ثالث ولكنه قال إنه قد لا ينجح. وأكد أنه يعمل بشكل منفرد ولا ينتمي لأي حركة نازية أو معادية للسامية، وأنه شكل أفكاره من خلال الانترنت، وأشار إلى تأثره بأندرس بريفيك، الإرهابي اليميني الذي قتل 77 شخصاً في النرويج عام 2011.

هجوم إرهابي

وفي هذا الشأن قتل مسلح واحد على الأقل 49 شخصا وأصاب أكثر من 40 خلال صلاة الجمعة في مسجدين بنيوزيلندا في أسوأ حادث إطلاق نار في تاريخ البلاد والذي وصفته رئيسة الوزراء جاسيندا أرديرن بأنه عمل إرهابي. وبث مسلح لقطات حية للهجوم على الإنترنت من مسجد في مدينة كرايستشيرش على غرار عمليات القتل في ألعاب الفيديو بعد أن نشر بيانا يندد فيه بالمهاجرين ويصفهم ”بالغزاة“.

وقالت أرديرن إنه تقرر رفع درجة التهديد الأمني في البلاد لأعلى مستوى مضيفة أن الشرطة ألقت القبض على أربعة، بينهم امرأة، لهم آراء متطرفة لكنهم لم يكونوا على أي قائمة من قوائم المراقبة. وأَضافت ”من الواضح أن هذا لا يمكن وصفه إلا بالهجوم الإرهابي“، ووصفت ما حدث بأنه ”واحد من أحلك الأيام التي مرت على نيوزيلندا“.

وذكرت الشرطة في وقت لاحق أنها تحتجز ثلاثة أشخاص ووجهت اتهامات بالقتل لرجل في أواخر العشرينات وسيمثل أمام المحكمة. وكان فريق بنجلادش للكريكيت على وشك دخول أحد المسجدين حينما بدأ إطلاق الرصاص وقال مدرب الفريق إنهم جميعا بخير. وقال مفوض الشرطة مايك بوش إن 49 شخصا سقطوا قتلى في المسجدين. وأشار السفير الفلسطيني لدى أستراليا ونيوزيلندا إلى وجود معلومات أولية تشير إلى مقتل وإصابة عدد من الفلسطينيين في الهجومين. وذكر السفير في اتصال هاتفي مع وكالة الأنباء الفلسطينية أن الجالية الفلسطينية أبلغته بمقتل فلسطيني على الأقل، وإصابة عدد آخر في الهجومين، موضحا أن السفارة تتابع اتصالاتها مع الجهات المختصة في نيوزيلندا للحصول على معلومات وبيانات رسمية.

وفي مقطع فيديو انتشر على نطاق واسع على وسائل التواصل الاجتماعي والتقطه المسلح على ما يبدو وبثه مباشرة على الإنترنت مع بداية الهجوم، ظهر المهاجم وهو يقود سيارته إلى مسجد ثم يدخله ويطلق الرصاص على من بداخله. وأظهر المقطع مصلين، ربما كانوا قتلى أو مصابين، وهم راقدون على أرضية المسجد. وقال رجل كان داخل مسجد النور لوسائل إعلام إن المسلح أشقر وكان يرتدي خوذة وسترة واقية من الرصاص. واقتحم الرجل المسجد بينما كان المصلون راكعين.

وذكر أحمد المحمود ”كانت معه بندقية كبيرة... دخل وفتح النار على الجميع في المسجد في كل اتجاه“. وأضاف أنه تمكن من الهرب مع آخرين بعد أن حطموا بابا زجاجيا. وقالت الشرطة إن 41 قتلوا في مسجد النور وسبعة في مسجد بحي لينوود وتوفي شخص في المستشفى. وذكرت مستشفيات أن هناك أطفالا بين الضحايا. وقبل وقت قصير من وقوع الهجوم أفاد منشور مجهول على منتدى إنفنيت تشان المعروف بتقديم محتوى متنوع بما في ذلك خطاب الكراهية، بأن كاتب المنشور ”سينفذ هجوما ضد الغزاة“ وتضمن المنشور روابط لموقع للبث الحي على فيسبوك ظهرت عليها لقطات للهجوم والبيان. ولم يعرف بعد أن كان الهجومان نفذهما نفس الشخص. بحسب رويترز.

وقال رئيس وزراء أستراليا سكوت موريسون إن أستراليا احتجز بعد الهجوم. وقالت الشرطة إن السلطات طلبت من جميع المساجد في نيوزيلندا إغلاق أبوابها ونشرت حراسا مسلحين هناك وأضافت أنها لا تبحث عن ”مشتبه بهم محددين“. ويشكل المسلمون أكثر قليلا من واحد في المئة من إجمالي سكان نيوزيلندا وفقا لتعداد أجري عام 2013. وأظهرت اللقطات التي بثت على الإنترنت، والتي يبدو أنه تم التقاطها بواسطة كاميرا مثبتة برأس المسلح، المهاجم وهو يقود سيارته ويستمع للموسيقى. وبعد أن توقف سحب بندقيتين وسار مسافة قصيرة إلى المسجد حيث بدأ في إطلاق النار. ولمدة خمس دقائق أطلق الرصاص مرارا على المصلين ليسقط أكثر من 12 قتيلا في غرفة واحدة. ثم عاد للسيارة خلال هذه الفترة ليغير البندقيتين ويعود للمسجد لفتح النار على أي شخص يبدو أنه لم يفارق الحياة بعد.

على صعيد متصل قالت رئيسة وزراء نيوزيلندا جاسيندا أرديرن إن المشتبه في تنفيذه هجوم كرايستشيرش سافر لعدة دول حول العالم ولم يكن من المقيمين لفترات طويلة في البلاد. وقالت أرديرن في مؤتمر صحفي في العاصمة ولنجتون إن الرجل استرالي ”سافر لفترات متقطعة إلى نيوزيلند وبقي فيها لفترات مختلفة“. وأضافت ”لا يمكن أن أصفه بأنه من المقيمين لفترة طويلة“. لكنها أشارت إلى أنه لم يكن على قوائم الترقب لا في بلادها ولا في استراليا. وقالت أرديرن إن قوانين الأسلحة في البلاد يجب أن تتغير عقب الهجوم. وأضافت أن من بين الضحايا مواطنون من باكستان وتركيا والسعودية وإندونيسيا وماليزيا.

غضب رسمي

من جانب اخر عبر زعماء في أنحاء العالم عن شعورهم بالغضب والحزن على مقتل 49 شخصا عل الأقل في مسجدين بنيوزيلندا كما عبر بعضهم عن الاستياء مما وصفوه بأجواء ”الشيطنة“ التي أججت مثل تلك الهجمات. وعبر زعماء غربيون من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل عن التضامن مع شعب نيوزيلندا ونددوا بالهجوم الذي وصفه البيت الأبيض بأنه ”عمل من أعمال الكراهية“. لكن رد فعل بعض الدول الإسلامية تجاوز ذلك، وأنحى باللوم في تأجيج تلك الكراهية على السياسيين ووسائل الإعلام.

وقال رئيس وزراء باكستان عمران خان على مواقع التواصل الاجتماعي ”ألقي بمسؤولية هذه الهجمات الإرهابية المتزايدة على ظاهرة الإسلاموفوبيا الحالية بعد أحداث 11 سبتمبر، إذ يتحمل 1.3 مليار مسلم بشكل جماعي اللوم عن أي عمل إرهابي“. وفي نيويورك قال متحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش إن جوتيريش أكد مجددا ”الحاجة الملحة للعمل معا على مستوى العالم لاحتواء (خطر) الاسلاموفوبيا والقضاء على التعصب والتطرف العنيف في جميع صوره“. وفي القاهرة ندد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ”بأقوى العبارات بهذا الهجوم الإرهابي الآثم الذي استهدف بوحشية مصلين آمنين في بيوت الله“. وقال السفير بسام راضي المتحدث باسم رئاسة الجمهورية إن الهجوم ”يهز ضمير الإنسانية بأسرها ويضعها أمام مسئولياتها الأساسية المتمثلة في ضرورة تضافر جميع الجهود الدولية من أجل المواجهة الحاسمة للإرهاب والعنف والتطرف الفكري“.

وندد الأزهر بالهجوم ووصفه بأنه ”هجوم إرهابي مروع“. وحذر الأزهر في بيان من أن ما حدث ”يشكل مؤشرا خطيرا على النتائج الوخيمة التي قد تترتب على تصاعد خطاب الكراهية ومعاداة الأجانب وانتشار ظاهرة الإسلاموفوبيا في العديد من بلدان أوروبا“. وأضاف البيان ”الهجوم الإجرامي... يجب أن يكون جرس إنذار على ضرورة عدم التساهل مع التيارات والجماعات العنصرية التي ترتكب مثل هذه الأعمال البغيضة“.

وردد وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية أنور قرقاش صدى هذه المشاعر قائلا على تويتر ”يجب أن تستمر جهودنا الجماعية ضد العنف والكراهية بعزيمة متجددة“. وندد البابا فرنسيس بما وصفه ”بأعمال العنف الحمقاء“. وقال فرنسيس في رسالة تعزية إنه ”يؤكد لجميع مواطني نيوزيلندا، والمسلمين منهم بوجه خاص، تضامنه القلبي في أعقاب هذه الهجمات“. وفي الرياض عبر مصدر مسؤول بوزارة الخارجية عن إدانة السعودية للهجوم وجدد ”التأكيد على إدانة المملكة العربية السعودية للإرهاب بكل أشكاله وصوره وأيا كان مصدره، وعلى أن الإرهاب لا دين له ولا وطن“.

وردد مئات من المحتجين الغاضبين في داكا عاصمة بنجلادش هتاف ”الله أكبر“ بعد صلاة الجمعة. وقالت الملكة إليزابيث، وهي رأس الدولة النيوزيلندية، إنها تشعر ”بحزن عميق بسبب الأحداث المروعة“. ووصف ترامب الهجوم بأنه ”مذبحة مروعة“ وقال إن الولايات المتحدة تقف مع نيوزيلندا. وفي أوروبا أبدت ميركل حزنها ”مع النيوزيلنديين على مواطنيهم الذين تعرضوا للهجوم والقتل بسبب الكراهية العنصرية بينما كانوا يصلون في مسجدهم“. وقال وزير الخارجية الألماني هايكو ماس ”عندما يتعرض الناس للقتل لا لشيء إلا لدينهم، فهذا هجوم علينا جميعا“. وقال صادق خان، أول مسلم يتولى رئاسة بلدية لندن، إن سكان المدينة يدعمون سكان كرايستشيرش. كما وجه اللوم إلى كل من يروج للكراهية الدينية.

وقال ”عندما تتأجج نيران الكراهية، عندما تتم شيطنة الناس بسبب معتقداتهم، عندما يتم التلاعب بمخاوف الناس بدلا من تهدئتها، فستكون العواقب مميتة مثلما شهدنا اليوم للأسف“. ووصف كبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات الهجوم بأنه ”نتيجة الأيديولوجية المتطرفة التي تزرع بذور الحروب الدينية“. وشبه عريقات الهجوم بواقعة إطلاق نار على معبد يهودي في بيتسبرج بالولايات المتحدة أسفرت عن مقتل 11 شخصا في أكتوبر تشرين الأول الماضي وهجمات مميتة على كنائس في مصر نفذها تنظيم الدولة الإسلامية وهجوم نفذه مسلح إسرائيلي من اليمين المتطرف على مسجد بالضفة الغربية عام 1994 خلف 29 قتيلا. بحسب رويترز.

وقالت المفوضية الأوروبية إن ”هذا العمل الوحشي الأحمق بحق أبرياء في دار عبادتهم أبعد ما يكون عن قيم وثقافة السلام والوحدة التي يتشارك فيها الاتحاد الأوروبي مع نيوزيلندا“. وقالت رئيسة وزراء النرويج إرنا سولبرج إن الهجوم أعاد إلى الأذهان ذكريات عام 2011 عندما قتل المتطرف المعادي للمسلمين أندرس بريفيك 77 في تجمع للفتية والفتيات على جزيرة نرويجية. وقالت ”هذا يثبت أن التطرف يتصاعد وأنه ينتشر في أماكن كثيرة“.

تصاعد العداء

من جانبه اعتبر الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أن الاعتداءين اللذين استهدفا مسجدين في نيوزيلندا هما مؤشر الى "تصاعد العداء للإسلام"، داعياً الدول الغربية إلى اتخاذ إجراءات "طارئة" لتفادي وقوع "كوارث" أخرى. وفي بيان نشر على تويتر، ندد الرئيس التركي "بشدة" بهذا الاعتداء المزدوج، معتبراً أنه "مثال جديد على تصاعد العنصرية والعداء للإسلام".

وذكرت قناة التلفزيون الرسمية الاخبارية "تي ار تي" أن أردوغان سيرسل نائبه فؤاد اوكتاي ووزير خارجيته مولود تشاوش اوغلو إلى نيوزيلندا. كما أجرى الرئيس التركي اتصالا هاتفيا بالحاكم العام لنيوزيلندا باتسي ريدي لتقديم تعازيه، بحسب القناة. وأثار هذا الاعتداء استياء في تركيا ذات الغالبية المسلمة. وأفادت عدة وسائل إعلام تركية أن المهاجم أطلق تهديدات ضدّ تركيا في "بيان" نشره على مواقع التواصل، وكتب على مخازن أسلحته كما ظهر في صور نشرها على تويتر تواريخ الهزائم العسكرية للسلطنة العثمانية.

وفي بيانه، تحدّث خصوصاً عن كاتدرائية آيا صوفيا في اسطنبول، التي حولها العثمانيون إلى مسجد بعد سيطرتهم على مدينة القسطنطينية عام 1453، وتحولت بعد ذلك إلى متحف. وقال إنها "ستتحرر من مآذنها". وقال الرئيس التركي "من الواضح أن رؤية القاتل التي تستهدف أيضاً بلدنا وشعبنا وشخصي بدأت تحظى بمزيد من التأييد في الغرب كالسرطان".

وتابع "مع هذا الاعتداء، فإن العداء ضد الإسلام (...) تخطّى حدود المضايقة الشخصية ليصل إلى مستوى القتل الجماعي"، داعياً الدول الغربية إلى "اتخاذ إجراءات عاجلة" لتجنّب "حصول كوارث جديدة". وتجمع العشرات تنديدا بما حصل في نيوزيلندا في أحد أكبر مساجد اسطنبول، وفي بروكسل، قال وزير الخارجية التركي مولود تشاوش اوغلو في مؤتمر صحافي مشترك مع وزيرة خارجية الاتحاد الاوروبي فيديريكا موغيريني "هذا الهجوم لم يكن فقط صنيعة منفذين مباشرين، بل أيضا سياسيين غير مسؤولين يحضون على كراهية المسلمين.

هناك عبر على كل شخص ان يستخلصها من هذا الهجوم، وخصوصا داخل الاتحاد الاوروبي". واضاف أن "خطاب الكراهية بحق المسلمين ينبغي الا يعتبر جزءا من حرية التعبير في الاتحاد الاوروبي ويجب اتخاذ تدابير لاحتواء" هذا الخطاب.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1