يظهر المشهد الامني في العراق بعد هزيمة تنظيم داعش الإرهابي ضبابية وغموض يثيران الكثير من اللغط والجدل حول مستجدات عمل التنظيمات الارهابية كتنظيم القاعدة، الى جانب مصير تنظيم داعش في سوريا ومستقبل نساء داعش، يكشف لنا ما تكتنفه هذه الضبابية الخبير الأمني والكاتب الصحفي علي الطالقاني من خلال تكهن وتحليل معطيات جديدة لمرحلة ما بعد داعش.

* برأيكم كيف تعمل التنظيمات الارهابية وماهو ارتباطها العالمي؟

- باعتقادي ان الجماعات المتشددة في جميع أنحاء العالم تغمرها الصراعات المحلية وخصوصا بعد تحجيم تنظيم داعش وانتهاء فرص سيطرته في الوقت الحالي، ان الشعارات عبر القومية والدينية المتزايدة للمتطرفين لها أوجه تشابه قوية مع أشكال أخرى من التطرف العالم، ففي الوقت الذي تنشغل وسائل الاعلام الغربية بافراد دولها المنتمين لداعش من عودتهم اضافة الى زوجاتهم واولادهم فهناك صراع غربي داخلي حول عقيدة الاحزاب المتطرفة والاتهامات المتبادلة، في 28 يناير 2017 التهم حريق مسجدا فيفيكتوريا قرب هيوستن بولاية تكساس الامريكية وفي 29 يناير 2017 قتل 6 اشخاص في اطلاق نار على مسجد في مقاطعة كيبيك الكندية وفي 19 يونيو 2017 كانت هناك فاجعة بحادث سير استهدف مصلين قرب مسجد في لندن اسفر عن مقتل شخص واصابة 10 اخرين وفي 28 سبتمبر 2016 انفجرت عبوة ناسفة في مسجد ديرسدن شرق المانيا وفي 28 نوفمبر 2016 تم تدنيس مسجد بمدينة بوردو الفرنسية بكتابة شعارات معادية للمسلمين على جدران المسجد. يجب أن ندرك حجم هذه الاتهامات حيث بدأ كل طرف يتهم الاخر حول استجابة الجهادية العالمية لنشر الرعب الداخلي ونظراً لانتشار الجماعات المتطرفة التي تدعي الجهاد والتي تبلغ نحو 60 منظمة أو أكثر وهي من ضمن المنظمات النشطة الأمر الذي يشجع باقي المنظمات كتنظيم القاعدة الذي عمل على استغلال فرصة تواجد تنظيم داعش في بعض الدول، نشط بدوره في سوريا واليمن ومناطق غرب افريقيا.

* في مرحلة مابعد داعش لكم تصورات حول عمل تنظيم القاعدة، هل لازال يشكل خطر حقيقي؟

- تنظيم القاعدة اليوم ينظر الى افغانستان على انها ملاذ بسبب العلاقة مع طالبان وهي العلاقة التي توصف بانها طويلة الأمد والقوية... لكن لايمكن للعالم اليوم ان يتجاهل خطورة تنظيم القاعدة "العدو القديم الجديد" زعيم التنظيم الظواهري كانت طموحاته ان يجعل سوريا ساحة رئيسة لما يسمى بالجهاد العالمي –لكن زعيم داعش في العراق البغدادي احبط هذه المحاولة وجعل من داعش ان يسيطر على الموقف في سوريا- كان الظواهري يدعو الى ساحة "للجهاد العالمي" من خلال وضع عدة اهداف منها تحويل الأمة الى دولة دينية وتدريب الاف المقاتلين من اجل محاربة النظام السوري.

* كيف يعمل تنظيم القاعدة اليوم وماهي استراتيجيته وتكتيكاته؟

- الذاكرة تعيدني الى اوقات رصدنا فيها كيف كان تنظيم القاعدة في العراق يستفيد من افراده من خلال ثقافة تنظيمية فكرية تتخطى النسيان لدى الافراد بحيث يعود الفرد لمزاولة مهامه من جديد وهو الأمر الذي يتيح الية تساعد على البقاء.

من المتوقع ان بعض التنظيمات الارهابية تعلمت بشكل تنظيمي وهو مؤشر على الاستفادة من تجربة الحرب في سوريا واماكن اخرى في محاولة للعودة كقوة مهيمنة، حيث ان بيئة العمل لها دور مهم في زيادة قدرة الاستفادة من تجارب الماضي..

فعلى سبيل المثال ان تنظيم القاعدة استفاد بشكل كبير من ضعف الدول التي تشهد حروب وصنفت على انها دول فاشلة كما اعتمد التنظيم من خلال شركات تابعة له في سرويا واليمن وافريقيا والصومال وجنوب غرب ليبيا حيث تمتلك مخزونات للاسلحة في المغرب العربي...

يستفاد التنظيم من الخطابات والخدمات على مستوى المواطنين في محاولة لكسب الشرعية السياسية بين المواطنين كما يسعى تنظيم القاعدة اليوم الى ان يحكم سيطرته على بدخشان ومناطقها التي تشترك مع طاجيكستان، فيما يقدر ان نحو 2500 و 4000 من مقاتلي داعش. لكن لايمكن تجاهل المخارط المستقبلية فهناك احتمالية عودة المنظمات المنضوية والأفراد من اجل القيام باعمال ارهابية. المقاتلون القدامى والمهاجرين من الشرق الأوسط "الذئاب المنفردة" ربما سيلبون دعوات تنظيم القاعدة في اي وقت.

* كيف تصفون لنا وضع تنظيم داعش حاليا في سوريا؟

- الايام الاخيرة التي يحتمي في منطقة الباغوز مقاتلي داعش فمن جهة الشرق ستكون القوات العراقية وفصائل الحشد ومن جهة الغرب قوات سوريا الديمقراطية ومن جهة الجنوب ستكون القوات السورية...

600 كيلو متر بين العراق وسوريا والأردن تلك المنطقة كبيرة جدا، هناك مخاوف من وجود انفاق تجاه الحدود العراقية واستغلال ساعات الظلام لهروب مقاتلي داعش..بعض المناطق الحدودية مقسمة أمنيا بين قوات كردية واخرى تابعة للمركز اضافة الى الحشد العشائري...لازالت حركة النازحين مستمرة تجاه دهوك.

* ماهو مصير أفراد التنظيمات الارهابية الذين يحملون جنسيات أجنبية وقاتلوا في العراق وسوريا؟

- البحث عن العدو والإخفاقات المحرجة للمخابرات الدولية جعلت من لوبيات معينة تضغط على حكوماتها من خلال تقديم حلول عن مواطنيها الذين انتمو لتنظيم داعش، هذه اللوبيات ترى ان الحلول تكمن في اقامة محاكم خاصة كتلك التي حدثت في نورمبرغ للجماعات المسلحة او المحاكم المشابهة لقضية أبو حمزة المصري في بريطانيا ومحاكمة الكويتي سليمان أبو غيث والبلجيكي نزار طرابلسي بعد ان تعزز هذه المحاكمات بادلة جنائية وشهود عيان ودراسة كل فرد انتمى للتنظيمات الارهابية.

المقترح الأخطر الذي تقترحه هذه اللوبيات هو تسفير هؤلاء المقاتلين الى الدولة التي هاجروا لها من اجل محاكمتهم فيها.. هذه الدول تواجه عقبات كبيرة فيما يخص جمع الأدلة الكافية من ساحات القتال الدولية من أجل محاكمة العائدين. وكان فقط في العراق بلغ عدد مقاتلي داعش نحو 18000 الف مقاتل من جنسيات مختلف.

اما اللوبيات الأمنية والسياسية داخل امريكا فانها ترى الانسحاب الامريكي من سوريا يقوض أمنها الداخلي وهي لاتثق بقدرات "قسد" فربما سيتم تكرار سيناريو تهريب السجناء وعودة التمرد واستئناف الهجمات الارهابية من قبل افراد التنظيمات الارهابية الفارين من السجون.

*ماهو دور نساء داعش في التنظيم؟

- من خلال الرصد يتضح ان نساء داعش يجدن استقطاب المسلحين لضمهم لصفوف التنظيم، بحيث يوفرن مساحة للحوار عبر نقاشات عاطفية يعزفن على اوتار حساسة كالظلم واضطهاد الأنظمة بحيث اثبت الرصد انهن مبهرات في تجنيد كلا الجنسين والتجسس والاستغلال والتجسس.. انهن صيد ثمين فهن قوارير بسلعة الكلام يجندن الجماعات الارهابية.. بلغت نسبة النساء الملتحقات بالتنظيم نحو 13% من بين المقاتلين الاجانب بين عامي 2013 و2018، اما العدد الكلي بلغ أكثر من 40 الف مقاتل، وفي احدى الدراسات فان 17% هم من 11 دول اوروبية.

*كيف تتوقع ان تكون ردة فعل التنظيمات الارهابية بعد الضغط الذي تتعرض له؟

ماتبقى من مجاميع تابعة لداعش في سوريا والعراق تتعرض لضغط امني كبير يحتم انهاء الملف سريعا، لكن تبقى التكتيكات المتبعة من افراد التنظيم تكمن في عمليات الخطف من اجل المقايضة..

الاسابيع الماضية شهدت اسر اكثر من 5000 شخص يشتبه بهم بانهم من مقاتلي داعش معظمهم من العراقيين والسوريين، فيما يقدر المقاتلين الأجانب نحو 1000 مقاتل.

* طالعت ماكتبت عن مرحلة العنف خلال الاعوام التي تلت سقوط النظام العراقي هل تكشف لنا بعض المشاهد من هذه المرحلة؟

- بعد عام 2003 دونت مرارا في دفتر ملاحظاتي ومن باب الاستفزاز كنت في سيارة الكيا متوجها من بغداد إلى محافظة وحديث الكيا الذي يعطي كل رأيه ما آثار انتباهي يجلس أحدهم بلحية كثيفة ودشداشة قصيرة حاولت استفزازه من أجل قراءة ماينوي أن يفعله بعض رجال الدين وخصوصا السنة ذو التوجهات الجهادية حينها كانت حكومة اياد علاوي على الابواب ان تستلم مهامها وتوقعت حينها ان الحكومة الجديدة ستستهدف الجماعات المسلحة في الفلوجة وذكرت هذا خلال الحديث المتبادل بأن علاوي سيستهدف الفلوجة فيما بعد بضغط أمريكي. فعلا استطعت أن استفزه ليلقي كلمات نارية ضد القوات الأمريكية والقوات الأمنية صائحا بالسائق انزلني حيث منطقة اللطيفة هذه المنطقة التي سجلت فيما بعد ابشع الحوادث لتسمى مثلث الموت.

ولا انسى تلك الشعارات التي أطلقها ملثمون ضد القوات الأمريكية وعناصر الشرطة العراقيين من تشجيع على الجهاد وتنفيذ الهجمات على مراكز الشرطة لقد كنت أدون على حاسوب بانتيوم 1 وانسى في بعض الاحيان أن احفظ مادونت من مشاهدات لينقطع التيار الكهربائي.

أتذكر وتعاودني صور تلك عمليات الاغتيالات ضد أبناء مدينتي من قبل مجهولين منهم ملثمين واخرين يكشفون عن وجوههم، وهذا يدل على أن الملثمين قد يكونوا معروفين من قبل أهالي المنطقة أما الذين يكشفون عن وجوههم فهم غرباء من مناطق أخرى.

وتعاودني تلك الليالي التي كنت أضع بندقية الكلاشينكوف عند رأسي من أنتظر الدور الذي سيلحقني ليلا في تناوب مع الاصدقاء من أجل حمايتنا من هجمات كان يتبناها تنظيم القاعدة، كانت المنطقة كلها معرضة للخطر وخصوصا كل من ينشط في أعمال الأحزاب أو المنظمات أو التوجهات السياسية.

لكن مدينتي اذا سرت بشوارعها كنت اختنق من ريح البارود، وإذا رحلت عنها بدت السماء أمامي كأنها مقطعة إلى أجزاء بدخان القذائف. لكن اني اعتقد ان كل وطن لايحميني لا اعول عليه... لكن الوطن الذي فيه مني!!!

* هل واجهت معوقات معينة خلال مسيرتك في كتابة البحوث والتحقيقات والمقالات والتقارير التي تخص الأرهاب؟

- التحقت بمهنة الصحافة منذ عام 2004 وقبل ذلك منذ عام 1998 كنت بين صفوف المعارضين للنظام في داخل العراق مع مجموعة قوامها 30 شخصا متوزعين بين بغداد والمسيب وكربلاء. هذه المجموعة بعد سقوط النظام عام 2003 أصبحت توجهاتنا في مجال الثقافة والعمل في المنظمات خلال الاعوام 2005 و2006 الأحداث الأمنية وانتقال السلطة والحرب جعلت من العمل الثقافي صعب جدا وتهجر الجميع من مناطقهم ليواجهوا مصير آخر وحياة جديدة في محافظات غير محافظاتهم.

العمل الصحفي مغامرة كبرى ترصد مواقع القوة وتحدي السلطات والحكومات التي تجبرنا على الحروب وأن نكون شهود غير متحيزين على التاريخ.. لكن باستطاعتك السؤال هل نستطيع ذلك؟!

*ختاما هل تصف لنا الحرب وماذا تقول للمتطرفين؟

استعمل فيها كل ما لدى الارهابيين من أجل أن يصيبنا الأذى!! كسبوا المعارك بقدر قتلهم النفوس.. فان الرغبة بالقتل لازالت لديهم حتى بعد هزيمتهم انه عالم مجنون انها مأساة أزلية...فانهم يريدون صوت المعركة لكننا سنجعلهم يعيشون داخلهم الرعب، سيكون بيدنا غصن زيتون وضحكة نهديها لكل طفل يتيم أو امراة مات زوجها أو أم ثكلى.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0