لا يزال تنظيم داعش الارهابي في سوريا ورغم خسائره الفادحة التي تكبدها في هذه الحرب، قادراً على شن هجمات في الكثير من المناطق. وبعدما كان التنظيم في العام 2014 يسيطر على ساحات شاسعة في سوريا والعراق المجاور، وأعلن إقامة ما يسمى "الخلافة الاسلامية" عليها، تقلص نفوذه تباعاً ليقتصر وجوده حالياً على البادية السورية المترامية والممتدة من وسط البلاد حتى الحدود العراقية، وتشهد سوريا نزاعاً دامياً تسبب منذ اندلاعه في العام 2011 بمقتل أكثر من 360 ألف شخص وبدمار هائل في البنى التحتية ونزوح وتشريد أكثر من نصف السكان داخل البلاد وخارجها.

وقد شن هذا التنظيم المتطرف هجمات ضد قوات سوريا الديموقراطية والتحالف الدولي، كان آخرها تفجير انتحاري استهدف رتلاً أميركياً في ريف الحسكة الجنوبي، وأسفر عن مقتل خمسة مقاتلين أكراد كانوا يرافقون الرتل. وسبقه تفجير انتحاري استهدف دورية أميركية وسط مدينة منبج (شمال). ومنذ بدء الهجوم في أيلول/سبتمبر، قتل أكثر من 900 جهادي و600 من قوات سوريا الديموقراطية، وفق المرصد الذي وثق أيضاً مقتل أكثر من 380 مدنياً، بينهم نحو 140 طفلاً. وشهدت المنطقة موجات نزوح للمدنيين ولعائلات مقاتلي التنظيم هرباً من المعارك والغارات، كما سلم مئات الجهاديين أسلحتهم.

ورغم الضربات المتلاحقة على جبهات عدة وتقلص مساحات سيطرته، لا يزال التنظيم المتطرف قادراً على شن هجمات دموية داخل سوريا وخارجها. وفي المناطق التي تمّ طرده منها، يتحرّك التنظيم من خلال "خلايا نائمة" تقوم بوضع عبوات أو تنفيذ عمليات اغتيال أو خطف أو تفجيرات انتحارية تستهدف مواقع مدنية وأخرى عسكرية.

وأفاد تقرير لفريق مراقبي عقوبات الأمم المتحدة وكما نقلت بعض المصادر، بأن "تنظيم داعش لم يهزم في سوريا، ولا يزال التنظيم الإرهابي الأخطر هناك". تقرير أممي: "داعش لا زال الأخطر في سوريا" تقرير أممي: "داعش لا زال الأخطر في سوريا" وأشار فريق مراقبي العقوبات، في تقريره المقدم إلى مجلس الأمن، إلى وجود ما بين 14 و18 ألف مسلح من التنظيم في سوريا والعراق، بينهم نحو 3 آلاف مسلح أجنبي.

وأفاد التقرير بأن "تنظيم داعش لم يهزم بعد في سوريا، لكنه لا يزال يواجه ضغطاً عسكرياً شديداً فيما تبقى له من أراض في معقله شرق البلاد، ويظهر تصميماً على المقاومة وقدرة على شن هجمات مضادة". وأضاف التقرير أنَّ التنظيم تقلص إلى مجموعة متشتتة، وهو "يعطي توجيهات لبعض المقاتلين بالعودة إلى العراق للالتحاق بالشبكة هناك"، بهدف "الصمود وتعزيز الصفوف والارتداد في المنطقة المركزية". وتوقع التقرير، أن يكون بإمكان داعش، أن يعيد التركيز على العمليات الإرهابية في الخارج، لكن القيادة المركزية للتنظيم تفتقد في الوقت الراهن للقدرة على إدارة هجمات دولية.

آخر معاقل داعش

وفي هذا الشأن قال باتريك شاناهان القائم بأعمال وزير الدفاع الأمريكي إن من المتوقع أن يفقد تنظيم داعش آخر أراض يسيطر عليها في سوريا لصالح قوات تدعمها الولايات المتحدة خلال أسبوعين. وتستعد قوات سوريا الديمقراطية، التي يقودها الأكراد والمدعومة بألفي جندي أمريكي ومساندة جوية، لشن معركة نهائية ضد التنظيم في شرق سوريا بعد أن ساعدت في طرد مقاتليه من بلدات ومدن كانت تشكل ذات يوم دولة الخلافة التي أعلنها التنظيم.

وقالت قوات سوريا الديمقراطية إن مقاتلي التنظيم في شرق سوريا محاصرون في آخر جيب صغير مع زوجاتهم وأبنائهم مما أرغمها على الإبطاء من تقدمها لحماية المدنيين. وقال شاناهان للصحفيين في البنتاجون ”أود أن أقول إن 99.5 بالمئة من الأراضي التي كان تنظيم داعش يسيطر عليها أعيدت إلى السوريين. وسيصبح ذلك 100 في المئة في غضون أسبوعين“. وأعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في وقت سابق هزيمة التنظيم والانسحاب المفاجئ للقوات الأمريكية من سوريا رغم اعتراضات كبار مستشاريه ومن بينهم وزير الدفاع جيمس ماتيس الذي استقال احتجاجا على ذلك.

ويقول منتقدون إن انسحاب القوات الأمريكية قد يسمح لتنظيم داعش بإعادة تجميع صفوفه كما قد يسمح لتركيا بشن هجوم على وحدات حماية الشعب الكردية، المشاركة في تحالف قوات سوريا الديمقراطية، والتي ترى أنقرة أنها امتداد لحزب العمال الكردستاني الذي يشن تمردا مسلحا في الأراضي التركية. وتناقض التقييم السنوي للتهديد العالمي الصادر عن وكالة المخابرات الوطنية الأمريكية والذي نشر مع ادعاءات ترامب وغيره من كبار المسؤولين في الإدارة بأن داعش قد هُزم في سوريا والعراق، حيث قال التقييم إن التنظيم لا يزال يملك آلاف المقاتلين ويمثل خطرا على الأمد الطويل لكلا البلدين.

وخلال جلسة استماع في الكونجرس قال دان كوتس مدير المخابرات الوطنية إن تنظيم داعش وغيره من التنظيمات المتشددة الأخرى سيواصلون أنشطتهم لسنوات في أنحاء العالم. وأضاف ”سيظل تنظيم داعش يمثل تهديدا للولايات المتحدة.. هذا التهديد الإرهابي سيستمر لبعض الوقت“. وتوعدت قوات سوريا الديمقراطية بتصعيد عملياتها ضد التنظيم بعد أن أدى هجوم بالقنابل إلى قتل عدة أشخاص من بينهم جنديان أمريكيان في شمال سوريا. وحذر مسؤولو قوات سوريا الديمقراطية من معاودة تنظيم داعش نشاطه إذا انسحبت واشنطن.

وقال شاناهان ”تنظيم داعش لم يعد قادرا على الحكم في سوريا، ولم يعد يملك حرية تجميع القوات كما أن سوريا لم تعد ملاذا آمنا.“ وقال إن الانسحاب في مراحله الأولى. ورفضت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) تحديد جدول زمني للانسحاب لكن تقديرات المسؤولين تشير إلى أنه قد يكتمل بحلول نهاية مارس آذار. وزاد التحالف الذي تقوده أمريكا ويحارب تنظيم داعش من حالة الارتباك المحيطة بالانسحاب الأمريكي من سوريا بقوله إنه بدأ في عملية الانسحاب، لكن مسؤولين أوضحوا فيما بعد أنه يجري فقط سحب المعدات وليس القوات.

التنظيم يتوعد

الى جانب ذلك توعّد تنظيم داعش القوات الأميركية في صفوف التحالف الدولي بشن المزيد من الهجمات ضدها، بعد ساعات من تبنيه تفجيراً انتحارياً استهدف رتلاً تابعاً لها في ريف الحسكة الجنوبي في شمال شرق سوريا. والهجوم هو الثاني بعد تفجير انتحاري مماثل استهدف مدينة منبج وأوقع قتلى بينهم أربعة أميركيين، في تصعيد يأتي بعد إعلان الرئيس دونالد ترامب قراره سحب قواته بالكامل من سوريا، بعدما حققت هدفها بـ"إلحاق الهزيمة" بالتنظيم المتطرف.

وفي بيان نقلته حسابات جهادية على تطبيق تلغرام، توعد التنظيم القوات الأميركية وحلفائها برؤية "ما تشيب من هوله رؤوسهم"، مؤكداً أن "ما حلّ بهم في الحسكة ومنبج أول الغيث". وأقدم "انتحاري على تفجير نفسه داخل سيارة مفخخة مستهدفاً رتلاً أميركياً يرافقه مقاتلون من قوات سوريا الديموقراطية، يؤمنون الحماية له" أثناء مروره في منطقة الشدادي، جنوب مدينة الحسكة، وفق المرصد السوري لحقوق الإنسان.

وقال مدير المرصد رامي عبد الرحمن إن الانتحاري "هاجم بسيارته آلية تابعة لقوات سوريا الديموقراطية" كانت في عداد الرتل. ونشرت وسائل اعلام كردية صوراً تظهر الآلية أثناء احتراقها. وتسبب التفجير وفق المرصد بمقتل "خمسة مقاتلين من قوات سوريا الديموقراطية المولجين حماية القوات الأميركية وإصابة عنصرين أميركيين على الأقل بجروح". وفي بيان على تويتر، أفاد التحالف الدولي عن تعرض "قافلة مشتركة بين القوات الأميركية والقوات السورية الشريكة" لهجوم بسيارة مفخخة. وأكد أنه "ما من ضحايا في صفوف القوات الأميركية".

ونفت قوات الأمن الكردية من جهتها أي خسائر بشرية جراء الهجوم الذي وقع قرب أحد حواجزها، مشيرة في بيان الى اصابة امرأة من قواتها بجروح طفيفة. وروى شاهد عيان أن التفجير وقع بالقرب من حاجز للقوات الكردية أثناء مرور الرتل. وقال إنه سمع تحليقاً للطيران في سماء المنطقة اثر التفجير قبل أن يتم اغلاقها بالكامل من قبل المقاتلين الأكراد وابعاد المدنيين.

وإثر التفجير، تبنى تنظيم داعش الهجوم. وأفادت وكالة أعماق التابعة له في بيان نقلته حسابات جهادية على تطبيق تلغرام عن "هجوم استشهادي بسيارة مفخخة يضرب رتلاً مشتركاً للقوات الأميركية" والبي كاي كاي (حزب العمال الكردستاني) قرب حاجز جنوب مدينة الشدادي". ويطلق التنظيم الاسم المختصر لحزب العمال الكردستاني على الوحدات الكردية، التي تعد الذراع العسكرية لحزب الإتحاد الديموقراطي الكردي في سوريا.

وتسبب هجوم مماثل تبناه التنظيم في مدينة منبج (شمال) بمقتل 19 شخصاً، هم أربعة أميركيين وعشرة مدنيين وخمسة مقاتلين من قوات سوريا الديموقراطية. ويعد تفجير منبج الأكثر دموية ضد القوات الأميركية منذ بدء التحالف الدولي بقيادة واشنطن تدخله العسكري في سوريا في العام 2014. ويدعم التحالف قوات سوريا الديموقراطية التي تضم فصائل كردية وعربية في معاركها ضد تنظيم داعش.

هروب من المعركة

من جانب اخر وفي منطقة قاحلة قرب حقل العمر النفطي، يجلس بضعة رجال يشتبه بانتمائهم إلى تنظيم داعش، معصوبي الأعين على متن شاحنة صغيرة، بانتظار نقلهم للتحقيق بعد فرارهم على غرار آلاف قبلهم من الكيلومترات الأخيرة التي يسيطر عليها الجهاديون في شرق سوريا. وجرى تقسيم أكثر من 300 رجل إلى مجموعتين، الأكبر تشمل مدنيين سيتم نقلهم إلى مخيم للنازحين، والأصغر لمشتبه بانتمائهم الى التنظيم.

وفي خيمة ضخمة، يجلس عشرات الرجال متراصين على الأرض، لا يتبادلون الحديث، ينتظرون أن يتم نقلهم إلى مخيم الهول في ريف الحسكة (شمال شرق). داخل الخيمة، يسأل أحد مقاتلي قوات سوريا الديموقراطية، "السوري يرفع يده"، تستجيب بضعة قليلة جداً له. أما الباقون فمن الجنسية العراقية، وغالبية يتحدرون من محافظة الأنبار. ويقدر المرصد السوري لحقوق الانسان خروج أكثر من 36 ألف شخص من آخر مناطق سيطرة تنظيم داعش منذ مطلع شهر كانون الأول/ديسمبر، وغالبيتهم نساء وأطفال من عائلات الجهاديين، كما ان بينهم نحو 3100 عنصر من التنظيم.

يخضع الخارجون من آخر بقعة يسيطر عليها التنظيم قرب الحدود العراقية، لإجراءات تحقيق وتفتيش عدة، قبل أن يتم فصلهم بين مدنيين يتم نقلهم إلى مخيم الهول شمالاً، وآخرين يشتبه بأنهم جهاديون يتم توقيفهم ومتابعة التحقيقات معهم. ويشير عدد من الفارين الجدد إلى الوضع الإنساني الصعب في الكيلومترات الأخيرة تحت سيطرة التنظيم، متحدثين عن نقص في الطعام والأدوية، وعن أشخاص يعيشون في الشوارع وجثث تحت الأنقاض. بحسب فرانس برس.

ويجلس أشرف وسام (17 عاماً)، الذي فقد عائلته قبل عشرة ايام جراء القصف، على الأرض عند مدخل الخيمة. ويقول الشاب المتحدر من الفلوجة بصوت منخفض "هناك كثير من المقاتلين في الداخل، عراقيون وسوريون ومهاجرون"، وهي عبارة يطلقها تنظيم داعش على الأجانب في صفوفه. ويضيف "نراهم في الشارع، ونبتعد عنهم لأن أي تجمع يتم قصفه". أما عدنان محمد (39 عاماً)، العراقي أيضاً، فيوضح أن "الأجانب كثر، من اوزبكستان، تركيا، روسيا، وهناك أيضاً فرنسيون لكنهم ليسوا كثرا".

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1