بعد أكثر من أربع سنوات من الحرب في اليمن، توصّلت القوات الحكومة اليمنية والحوثيين في محادثات استمرت اسبوع في السويد، وكما نقلت بعض المصادر إلى اتفاق لسحب القوات المقاتلة من مدينة الحديدة ومينائها الحيوي الذي يعتمد عليه ملايين اليمنيين للتمون، ووقف إطلاق النار في المحافظة. كما اتّفق طرفا النزاع على التفاهم حيال الوضع في مدينة تعز (جنوب غرب) التي تسيطر عليها القوات الحكومية ويحاصرها المتمردون، وعلى تبادل نحو 15 ألف أسير، وعقد جولة محادثات جديدة الشهر المقبل لوضع أطر لسلام ينهي الحرب، هذا الاتفاق الذي اعاد الامل للكثير من ابناء الشعب اليمني هذه الاتفاقات المهمة التي تم التوصل إليها هي الأهم منذ بداية الحرب لوضع البلد الفقير على سكة السلام، واعادت الامل للكثير من ابناء الشعب اليمني وكما يرى بعض المراقبيين، ربما تكون صعبة التنفيذ بسبب انعدام الثقة بين اطراف الصراع والتدخلات الخارجية.

وفي ختام أسبوع من المحادثات بالسويد، قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش إنه سيجري بحث إطار سياسي لمفاوضات السلام في الجولة المقبلة من المحادثات في نهاية يناير كانون الثاني بين حكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي المدعومة من السعودية والحوثيين المتحالفين مع إيران. وضغطت دول غربية، بعضها يزود التحالف الذي تقوده السعودية بالسلاح ومعلومات المخابرات، على طرفي الحرب للاتفاق على اتخاذ خطوات لبناء الثقة تمهد الطريق لهدنة أوسع ولعملية سياسية تنهي الحرب التي أودت بحياة آلاف الناس.

ودفعت الحرب اليمن إلى شفا المجاعة. وقال برنامج الأغذية العالمي إن اتفاق الحديدة يمثل دفعة مطلوبة بشدة لمهامه المرتبطة بتوفير الطعام لنحو 12 مليون يمني يعانون من نقص شديد في الغذاء. ويسيطر الحوثيون على معظم المناطق المأهولة بما في ذلك العاصمة صنعاء التي أخرجت الحركة حكومة هادي منها في عام 2014، وتتخذ الحكومة حاليا من مدينة عدن في الجنوب مقرا لها. وقال جوتيريش في مؤتمر صحفي في ريمبو على مشارف ستوكهولم ” توصلنا إلى اتفاق بشأن ميناء ومدينة الحديدة. سنشهد إعادة نشر قوات محايدة في الميناء والمدينة وتطبيق وقف لإطلاق النار على مستوى المحافظة“. وأضاف ”الأمم المتحدة ستلعب دورا رئيسيا في الميناء“.

وقال مبعوث الأمم المتحدة لليمن مارتن جريفيث إن الوحدات المسلحة من كلا الطرفين ستنسحب من ميناء الحديدة الذي يعد نقطة الدخول الرئيسية لمعظم الواردات التجارية والمساعدات ثم في وقت لاحق من المدينة التي تحتشد على مشارفها قوات التحالف. وسيشمل الانسحاب أيضا ميناءي الصليف الخاص بالحبوب ورأس عيسى الخاص بالنفط وكلاهما تحت سيطرة الحوثيين. وستذهب إيرادات الموانئ الثلاثة إلى فرع البنك المركزي في الحديدة.

ونص الاتفاق على إشراف ”لجنة تنسيق إعادة الانتشار“، التي تضم أعضاء من الطرفين، على وقف إطلاق النار والانسحاب. وسيرأس اللجنة الأمم المتحدة، وسترفع تقريرا أسبوعيا إلى مجلس الأمن الدولي. وسيتم نشر مراقبين دوليين في مدينة الحديدة والموانئ الثلاثة، وستنسحب كل الوحدات المسلحة خلال 21 يوما من موعد بدء تطبيق وقف إطلاق النار.

مراقبة قوية

وفي هذا الشأن قال مبعوث الأمم المتحدة لليمن مارتن جريفيث أمام مجلس الأمن الدولي إن هناك حاجة عاجلة لوجود نظام قوي للمراقبة يتولى الإشراف على التزام الطرفين المتحاربين بوقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه مؤخرا. وقال جريفيث لمجلس الأمن الذي يضم 15 دولة ”وجود نظام مراقبة قوي وكفء ليس ضروريا فحسب بل مطلوب بصورة عاجلة أيضا. الطرفان أبلغانا بأنهما يرحبان بشدة بمثل هذا النظام وسوف يعتمدان عليه“.

وقال دبلوماسيون إن عملية مراقبة من هذا النوع تحتاج إلى دعم مجلس الأمن من خلال قرار يصدره بهذا الشأن. وقال جريفيث إن الميجر جنرال الهولندي المتقاعد باتريك كامييرت وافق على قيادة بعثة المراقبة. وأضاف أن كامييرت يمكن أن يصل إلى المنطقة في غضون أيام. وقال جريفيث ”وجوده في الميدان بسرعة جزء ضروري من الثقة التي يتعين أن تصاحب تطبيق الاتفاق“.

ويناقش مجلس الأمن بالفعل مشروع قرار بريطانيا يغطي خمسة طلبات تقدم بها مارك لوكوك منسق شؤون الإغاثة بالأمم المتحدة أحدها سريان هدنة حول المنشآت الخاصة بالإغاثة والواردات التجارية. وقال دبلوماسيون إن ذلك سيعاد صياغته الآن ليتضمن الاتفاق الذي تم التوصل إليه في السويد. وقالت سفيرة بريطانيا في الأمم المتحدة كارين بيرس للمجلس ”يحدونا الأمل أن نعمل على وجه السرعة مع زملائنا لإصدار قرار من مجلس الأمن يقدم أقوى دعم ممكن لما تم إنجازه إلى الآن“. وأضافت ”كما هو مطلوب بالطبع سنكون بحاجة للعمل مع زملائنا لتلبية متطلبات المراقبة“. بحسب رويترز.

وقال جريفيث ”الأمم المتحدة ستقوم بدور رئيسي في دعم مؤسسة موانئ البحر الأحمر اليمنية في الإدارة والتفتيش في الحديدة والصليف ورأس عيسى“. وحذرت نيكي هيلي سفيرة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة من أن مجلس الأمن سيتابع ما يجري. وقالت ”من الضروري أن نكون مستعدين للعمل إذا أخفق طرف أو أكثر في القيام بما عليه“ من التزامات.

من جانبها رحبت الولايات المتحدة التي تقدم دعما عسكريا للحملة التي تقودها السعودية في اليمن بالاتفاق. وقال وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو إن في حين يتعين الاتفاق على الكثير من التفاصيل فإن المحادثات تمثل خطوة أولى رئيسية وأضاف في بيان ”بينما نمضي قدما ينبغي أن يستمر الجميع في التواصل وعدم تصعيد التوتر ووقف الأعمال القتالية الجارية“. وقال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إنه قد يلتزم بتشريع يبحثه مجلس الشيوخ لإنهاء الدعم الأمريكي للتحالف بقيادة السعودية بعد حالة الغضب التي أثارها قتل الصحفي جمال خاشقجي. وقال ترامب ”أكره ما يحدث في اليمن. لكن الأمر يتطلب جهدا من الطرفين. أريد أن أرى إيران تنسحب من اليمن أيضا.. وأعتقد أنها ستفعل“.

وقالت إليزابيث ديكنسون المحللة لشؤون شبه الجزيرة العربية بمجموعة الأزمات الدولية ”هذه انفراجة محدودة. لقد نجحوا في تحقيق أكثر مما توقع أي أحد“. وأضافت ”لقد اتخذت السعودية موقفا حازما مع حكومة هادي التي بدورها كانت أكثر تعاونا“. ومضت تقول ”المهمة الكبيرة هي إطار العمل السياسي الذي سيمهد الطريق لمفاوضات سلام حقيقية“.

وتواجه الرياض تدقيقا متزايدا من الغرب بشأن أنشطتها في المنطقة بعد مقتل الصحفي جمال خاشقجي في قنصليتها باسطنبول في أكتوبر تشرين الأول. وقال السفير السعودي في واشنطن الأمير خالد بن سلمان إن الاتفاق سيضمن الأمن بالبحر الأحمر أحد أهم ممرات نقل النفط في العالم. وأرجع وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية أنور قرقاش التقدم إلى ضغط قوات التحالف على الحوثيين في هجوم الحديدة. وقال جوتيريش إن الأمم المتحدة ستمضي قدما في بحث قضايا لم تتطرق إليها المحادثات منها إعادة فتح مطار صنعاء ودعم البنك المركزي.

انجاز مهم

على صعيد متصل وصف الحوثيون الاتفاقات التي تم التوصل إليها في السويد، وبينها وقف اطلاق النار في الحديدة، بـ"الانجاز"، في وقت اكدت أيران أنّها مستعدة لاستخدام نفوذها في هذا البلد للمساعدة على إنهاء الحرب. وقال "وزير" الاعلام في حكومة الحوثيين غير المعترف بها دوليا ضيف الله الشامي في بيان نشرته وكالة "سبأ" المتحدّثة باسم الحوثيين ان "الإنجاز الذي حققه الوفد الوطني يأتي في إطار حرص القيادة السياسية على تخفيف الأوضاع الإنسانية والاقتصادية ومعاناة الشعب". وأكّد "دعم حكومة الإنقاذ الوطني وتعاطيها الإيجابي مع الاتفاق".

بدوره، رأى مهدي المشاط، رئيس "المجلس السياسي الاعلى" وهو أبرز مكون سياسي في صفوف الحوثيين، ان "ما تحقق خلال المشاورات من نتائج، خطوة إيجابية في اتجاه تحقيق تطلعات الشعب اليمني". وكان المشاط يتحدث خلال لقاء مع أعضاء الوفد الذي شارك في مفاوضات السويد، بحسب "سبأ". وبدأت حرب اليمن في 2014، ثم تصاعدت مع تدخّل السعودية على رأس التحالف العسكري في آذار/مارس 2015 دعماً للحكومة المعترف بها بعد سيطرة الحوثيين على مناطق واسعة بينها صنعاء.

وقتل نحو عشرة آلاف شخص في النزاع اليمني منذ بدء عمليات التحالف، بينما تهدّد المجاعة نحو 14 مليونا من سكان البلاد. وتتّهم الولايات المتحدة والسعودية ودول أخرى إيران بارسال أسلحة إلى المتمردين الحوثيين، وهو ما نفته طهران مرارا. وجدّد وزير الخارجية الايراني نفي بلاده قائلا ان الحوثيين "لديهم أسلحة كافية ولا يحتاجون إلى أسلحة من إيران. نحن لم نوفر أبدا أسلحة للحوثيين". بحسب فرانس برس.

وقال ان إيران "فعلت كل ما بوسعها لجعل" هذه المحادثات تبدأ، مؤكدا استعداد بلاده "لاستخدام نفوذنا وتأثيرنا من أجل تحقيق السلام والاستقرار في اليمن" حيث تقود السعودية تحالفا عسكريا دعما للقوات الحكومية وفي مواجهة المتمردين. واتّهم ظريف السعودية بارتكاب "جرائم" في اليمن مستخدمة أسلحة أميركية. وجاء ذلك غداة تصويت مجلس الشيوخ الذي يسيطر عليه الجمهوريون على إنهاء دعم الولايات المتحدة للتحالف الذي تقوده السعودية، ما دفع وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو للدفاع مجددا عن العلاقات التي تربط بين الولايات المتحدة والرياض لأسباب تتعلق بالأمن القومي.

امل ومخاوف

تمسك اليمنيون بالأمل في أن يضع وقف إطلاق النار الذي تم الاتفاق عليه في مدينة الحديدة نهاية دائمة للقتال الذي أجبر الكثيرين على النزوح عن ديارهم وتسبب في صراع مرير من أجل الحصول على الغذاء والدواء. وأصبحت الحديدة هذا العام بؤرة الحرب اليمنية، المستمرة منذ نحو أربع سنوات، بعد أن شن التحالف الذي تقوده السعودية هجوما لانتزاع السيطرة على المدينة، وهي ميناء مطل على البحر الأحمر وخط امداد لملايين الاشخاص المعرضين لخطر المجاعة، من قوات حركة الحوثي المتحالفة مع ايران التي تسيطر أيضا على العاصمة صنعاء.

وكان أكرم عتيق (31 عاما) يعول أمه وزوجته وطفله عن طريق بيع الأسماك بالقرب من ميناء الحديدة لكنه لم يتمكن من العمل لمدة ستة أشهر بسبب المعارك على مشارف المدينة. وقال ”الدنيا هدوء والشوارع خالية من الناس لأنه يوم إجازة أسبوعية، لكننا سعداء بوقف الحرب ونحتاج للمساعدات فنحن بلا أعمال ونعيش على الإغاثة“.

وقالت المعلمة إيمان عزي وهي في الخمسينات من عمرها ”فرحنا بوقف القتال لكننا قلقين من عدم التزام المتحاربين ولأنه لا توجد مراقبة، الحرب دمرتنا. نريد أن نعيش. لا نريد عودة القتال“. ويكافح يوسف عبده علي (44 عاما) لإطعام أطفاله التسعة منذ أن لجأ إلى الحديدة. وقال ”الحرب أكلت الأخضر واليابس“. ولوقف إطلاق النار آثار أكبر على الملايين الذين يواجهون مجاعة محتملة، إذ يوفر الميناء إمدادات لثلثي سكان البلد الفقير البالغ عددهم 29 مليون نسمة. وقال إيرفيه فيرهوسيل، المتحدث باسم برنامج الأغذية العالمي، أمام مؤتمر للأمم المتحدة في جنيف إن الهدنة يجب أن تتيح استمرار تدفق الغذاء والوقود والمساعدات ومنع المزيد من ارتفاع الأسعار. بحسب رويترز.

وأضاف أن الاتفاق سيتيح من جديد إمكانية الوصول إلى مطاحن البحر الأحمر، التي تخزن 51 ألف طن من مخزون القمح التابع لبرنامج الأغذية العالمي، والتي تعذر الوصول إليها منذ سبتمبر أيلول بسبب المعارك. وحذرت منظمة ميرسي كوربس الأمريكية للإغاثة من أن الهدنة ليست سوى الخطوة الأولى على طريق غير مؤكد إلى السلام. وقال عبد القادر محمود، مدير برنامج ميرسي كوربس في اليمن ”الإجراءات التي يتضمنها الاتفاق ستصبح أفعالا على الأرض لا مجرد أقوال في قاعة مؤتمرات“.

وتنسحب الخشية من انهيار الاتفاقات التي تمخضّت عن أول مشاورات منذ 2016، ومن احتمال توقف المسار السياسي، على مدن اخرى، بينها صنعاء. وقال اسماعيل الغبري في أحد أسواق المدينة "نتمنى أن يلتزم الفريقان بما تم الاتفاق عليه. وإذا تم ذلك فإن المفاوضات الجديدة مرحب بها"، في إشارة إلى جولة الشهر المقبل. وقال حسن بن عطاف أحد سكان عدن "نتمنى أن تنظر جميع الأطراف المتصارعة إلى المواطنين وحال المواطن والشعب الذي وصل الى مرحلة اليأس". وأضاف "نتمنى من الله أن يهدي الجميع من السياسيين والقادة وقوات التحالف وأن يتم وقف إطلاق النار ووقف الحرب".

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0